الصفقة الخضراء الجديدة تحدي الأمل والمستقبل
كيف تحوّلت تجربة شخصية مع الكوارث المناخية إلى حركة سياسية تغيّر خطاب المناخ في أمريكا عبر الصفقة الخضراء الجديدة؟ تعرف على المسار والتحديات التي تواجه أكبر مشروع بيئي في الكونغرس مع وورلد برس عربي.

حين ضرب إعصار Maria جزيرة بورتوريكو في سبتمبر 2017، وخرجت الجزيرة من الظلام بعد أشهرٍ طويلة، لم يكن الأمر مجرّد كارثة طبيعية عابرة بل كان إشارةً في نظامٍ أكبر. توفّي جدّ Alexandria Ocasio-Cortez في أعقاب الإعصار، وهو ما جعل الأزمة المناخية بالنسبة إليها شيئاً أعمق من سياسة عامة: صارت قضيةً وجودية ذات وجهٍ إنساني. من تلك اللحظة، بدأت مسارات عدّة تتقاطع لتُنتج واحدةً من أكثر الوثائق السياسية إثارةً للجدل في تاريخ الكونغرس الأمريكي الحديث الصفقة الخضراء الجديدة (Green New Deal).
من Standing Rock إلى الكونغرس: مسار شخصي في نظامٍ متحوّل
قبل ذلك بعامٍ واحد، في 2016، كانت Ocasio-Cortez قد توجّهت إلى Standing Rock في ولاية نورث داكوتا، حيث كان السكّان الأصليون يقاومون مدّ خطّ أنابيب نفطية عبر أراضيهم. لم تكن رحلةً سياحية؛ كانت لحظة تشكّل وعيٍ سياسي لامرأةٍ شابة لم تكن قد دخلت بعد معترك الانتخابات. في 2018، خاضت Ocasio-Cortez انتخابات تمهيدية في دائرة انتخابية في Bronx في مواجهة نائبٍ يشغل مقعده منذ عشر دورات، وفي يونيو من العام ذاته حسمت السباق لصالحها في نتيجةٍ وصفها كثيرون بالمفاجأة.
ما الذي يربط Standing Rock بالبرونكس بالصفقة الخضراء الجديدة؟ الخيط الرابط هو الإدراك بأنّ أزمة المناخ لا تُصيب الجميع بالتساوي وأنّ المجتمعات الأكثر هشاشةً، سواءٌ أكانت مجتمعات السكّان الأصليين أم سكّان الجزر أم الأحياء الفقيرة في المدن الكبرى، تتحمّل العبء الأثقل من تبعات الكوارب المناخية.
تقرير الـ 1.5 درجة: حين حوّل العلم الساعة إلى قنبلة موقوتة
في خريف 2018، نشرت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ (IPCC) تقريرها الذي أفاد بأنّ الحدّ من الاحترار العالمي عند 1.5 درجة مئوية يستلزم خفض الانبعاثات بنحو النصف بحلول عام 2030. الرقم لم يكن مجرّد بيانٍ علمي كان إطاراً زمنياً يُحدّد النافذة المتاحة للعمل. في نوفمبر 2018، فازت الديمقراطيون في انتخابات التجديد النصفي، وعادت Nancy Pelosi رئيسةً لمجلس النواب.
وبعد أيامٍ قليلة من تلك الانتخابات، اقتحم ناشطو حركة Sunrise Movement مكتب Pelosi في واشنطن، حاملين لافتاتٍ صفراء وسوداء كتب عليها: «لدينا 12 عاماً. ما هي خطّتك؟». انضمّت Ocasio-Cortez إلى الاعتصام، وشجّعت على المطالبة بصفقةٍ خضراء جديدة.
الإشارة الأضعف في تلك اللحظة لم تكن اللافتات، بل كانت التوقيت: ناشطون شباب يُواجهون مؤسّسةً حزبية بمطالب محدّدة، في اليوم التالي تقريباً لانتصارٍ انتخابي وهو ما يُشير إلى تحوّلٍ في موازين القوى داخل الحزب الديمقراطي نفسه، لا في مواجهة الجمهوريين فحسب.
من الاعتصام إلى الوثيقة: كيف تتشكّل السياسة
في مارس 2019، انعقد في حيّ Adams Morgan بواشنطن العاصمة اجتماعٌ لوضع السياسات المتعلّقة بالصفقة الخضراء الجديدة. ضمّ الاجتماع ناشطين شباباً، وقادةً من مجتمعات العدالة البيئية، ومنظّمين سياسيين، وخبراء مراكز أبحاث، وأكاديميين. كانت Varshini Prakash، المديرة التنفيذية لحركة Sunrise Movement، إحدى الشخصيات المحورية في ذلك الاجتماع وهي في منتصف عقدها الثالث آنذاك، خرّيجة جامعية حديثة تجلس إلى طاولةٍ تُصاغ عليها وثيقةٌ سياسية بحجم مشروع مارشال.
الإطار الذي أطلقته Ocasio-Cortez والسيناتور Ed Markey استدعى مقارنةً تاريخية لافتة. قالت Ocasio-Cortez: «الصفقة الخضراء الجديدة التي نقترحها ستكون مماثلةً في حجمها لجهود التعبئة التي شهدناها في الحرب العالمية الثانية أو مشروع مارشال. يجب أن نستثمر مجدّداً في تطوير الطاقة وتصنيعها ونشرها وتوزيعها، لكن هذه المرّة طاقةً خضراء». المقارنة بالحرب العالمية الثانية ليست بلاغيةً فحسب إنّها تستدعي منطق الطوارئ الوطنية، وتُضفي على المطلب المناخي طابع الضرورة لا الرفاهية.
ثلاثة سيناريوهات لما بعد الصفقة الخضراء
ما قد لا يظهر في العنوان هو أنّ الصفقة الخضراء الجديدة لم تكن تشريعاً بالمعنى الدقيق بل كانت إطاراً لتوجيه النقاش وتحديد الأولويات. وهذا يطرح سؤالاً نظمياً: ما الذي تُنتجه مثل هذه الوثائق فعلياً على مستوى السياسة العامة؟
ثلاثة مسارات تبدو واقعية:
الأرجح أن تظلّ الصفقة الخضراء الجديدة وثيقةً مرجعية تُشكّل خطاب الحزب الديمقراطي حول المناخ، وتُغذّي تشريعاتٍ جزئية لاحقة دون أن تُطبَّق بالكامل.
المحتمل أن تُعيد الحركات الشبابية كحركة Sunrise Movement صياغة مطالبها وتكتيكاتها في ضوء الدروس المستخلصة، وأن تُنتج جيلاً ثانياً من المقترحات أكثر تفصيلاً وقابليةً للتفاوض.
الأقلّ احتمالاً أن تُفضي إلى تحوّلٍ هيكلي شامل في منظومة الطاقة الأمريكية وفق الجدول الزمني الذي حدّده تقرير الـ IPCC، أي خفض الانبعاثات بنحو النصف قبل 2030.
الإشارة التي تستحقّ المتابعة ليست التصويت على الوثيقة في الكونغرس بل هي ما إذا كانت الحركة التي أنتجتها قادرةً على تحويل الضغط الشعبي إلى أثرٍ مضاعف داخل المؤسّسات. هذا هو الفارق بين لحظةٍ سياسية وتحوّلٍ هيكلي حقيقي، والفصل بينهما لا يزال مفتوحاً.
أخبار ذات صلة

الثغرات الأمنية في "الجدار الافتراضي" الأمريكي: 4 حلول ضرورية

السيارات الأمريكية قد تُلزَم بتضمين راديو FM مجاناً

الفضاء ساحة معركة جديدة، يحذّر أعلى قائدٍ عسكري أمريكي
