محاكمة دامزالين وحرية التعبير في فرنسا
هل ستحظر المحاكم الفرنسية كلمة "انتفاضة"؟ مقال يستعرض محاكمة إلياس دامزالين وكيف تُستخدم اللغة لتجريم التضامن الفلسطيني. اكتشف كيف تتداخل السياسة مع القضاء في فرنسا وتأثير ذلك على النضال ضد الاستعمار.

هل ستحظر المحاكم الفرنسية كلمة انتفاضة؟
هذا السؤال الذي يُذكّر برواية جورج أورويل "1984" كان محور نزاع قانوني منذ أكتوبر/تشرين الأول 2024.
فقد اتُهم إلياس دامزالين، وهو عضو مؤسس في منظمة "أورجينس فلسطين"، بـ"التحريض على الكراهية والعنف المعادي للسامية". وألقي الخطاب في باريس في سبتمبر 2024 خلال تجمع سياسي حيث أعلنت الأصوات المؤيدة للفلسطينيين عزمها المتجدد على التعبئة ضد الإبادة الجماعية.
وقال: "هل نحن مستعدون للقيام بانتفاضة في باريس؟ في البانلييه؟ في أحيائنا؟"
عندما نطق دامزالين، بهذه الكلمات، لم يكن يعلم أن مخبرًا محليًا كان يسجل كل شيء سرًا. لقد اكتسب المخبر شهرة باعتباره "من الداخل" الذي فضح المسلمين بوصفهم عنيفين ومعادين للسامية بطبيعتهم من خلال أعمال أدبية يحتفي بها كارهو الإسلام.
بعد نشر مقتطفات من الخطاب على حسابه على موقع X وإعلانه أن "الانتفاضة" تعني في الواقع "الحرب الأهلية"، بدأت الدولة إجراءات قانونية ضد دامزالين. وقد أعلن عدد من المنظمات الصهيونية المؤيدة علنًا لحكومة الإبادة الجماعية الإسرائيلية عزمها الانضمام كمدعين في القضية.
أسفرت المحاكمة الأولى عن صدور حكم مع وقف التنفيذ وغرامة مالية. استأنف دامزالين، إدانته، وعُقدت محاكمة ثانية في يناير 2026.
تجريم المعارضة: ماذا تعني الانتفاضة؟
إن محاكمة دامزالين هي جزء من جهود أوسع نطاقًا في فرنسا لتجريم التضامن الفلسطيني من خلال التعامل مع لغة المقاومة المناهضة للاستعمار على أنها كراهية وعنف معادٍ للسامية، وهي خطوة تدعمها الجماعات المعادية للإسلام والموالية لإسرائيل وتعززها جماعات الضغط الأجنبية.
كيف ينظر القضاة إلى استخدام كلمة انتفاضة؟
ماذا تعني الانتفاضة؟ وماذا تعني عندما يستخدمها نشطاء مسلمون مثل دامزالين؟
في حكمهم الأولي، قرر القضاة أن المصطلح يحمل دلالة عنيفة ومعادية للسامية في حد ذاته بسبب إشارته الحصرية إلى انتفاضتين فلسطينيتين في أواخر الثمانينيات وأوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كما هو ثابت في الصور الجماعية.
إن هذا الخط من الاستدلال المتطابق مع ذلك الذي روّج له المخبر والمدّعون الصهاينة يدل على مأسسة السرديات الاستعمارية والمعادية للإسلام داخل القضاء الفرنسي.
ما هي الدلالات السياسية لكلمة انتفاضة؟
أولًا، يتجاهل هذا المنطق الطبيعة الاستعمارية للدولة الصهيونية وتاريخها الوحشي، ويصور الثورات الفلسطينية المشروعة المناهضة للاستعمار على أنها أعمال عنف لا مبرر لها متجذرة في معاداة السامية، ويربط زورًا بين كلمة انتفاضة والكراهية المعادية لليهود.
ثانيًا، اختار القضاة أن يتغاضوا عن تعدد معاني المصطلح الثري الذي استخدم تاريخيًا لوصف الإضرابات السلمية أكثر بكثير من أعمال العنف السياسي.
كيف يؤثر هذا الحكم على المسلمين الناشطين؟
وفي سياق الحركات المؤيدة للفلسطينيين، استخدم المسلمون وغير المسلمين على حد سواء في فرنسا وأماكن أخرى الكلمة لعقود من الزمن للترويج للمعارضة المناهضة للاستعمار ودعم المطالب المشروعة للشعب الفلسطيني.
إن اتهام دامزالين بالدعوة إلى العنف المعادي للسامية يصوّر المسلمين الناشطين سياسياً على أنهم عنيفون بشكل غير عقلاني، بينما ينفي أي أساس منطقي لمظالمهم، وهي رواية روج لها المستشرق برنارد لويس العضو المؤسس لحركة الطوارئ في فلسطين.
معركة حاسمة: السياق السياسي للمقاضاة
وعلى الرغم من محاولة تغطية نفسها بطبقة من الحياد من خلال الاعتماد على تعريف قاموس لاروس أحد المعاجم الفرنسية الرائدة كدليل حاسم، إلا أن الحكم كشف عن دوافع سياسية عميقة ومتجذرة في الاستعمار البنيوي والإسلاموفوبيا.
ما هو دور الشخصيات المعادية للإسلام في القضية؟
كان وراء مقاضاة دامزالين مناخ سياسي ضاغط على الدولة لتوجيه الاتهامات، مدعومًا برواية عنصرية تتظاهر بأنها "خبرة". ولعبت أعمال شخصيات معادية للإسلام مثل فلورانس بيرجو بلاكلر، التي طعن العديد من الباحثين المحترمين في مصداقيتها الفكرية بشدة، دورًا محوريًا في هذا التأطير.
وقد أثارت بيرغو-بلاكلر، التي اكتسبت شهرة من خلال مقالاتها المثيرة للجدل في مجال الإسلاموفوبيا، مخاوف بشأن استخدام كلمة انتفاضة، وكثيرًا ما تصوّر فرنسا على أنها هدف ضعيف لـ "دخول الإسلاميين".
كيف تؤثر السياسات الخارجية على الخطاب الفرنسي؟
وعلاوة على ذلك، كشف تحقيق أجراه مؤخرًا موقع ميديابارت دور الإمارات العربية المتحدة في تشكيل هذه الخطابات. تُظهر الوثائق المسربة أن الإماراتيين ضغطوا على مثقفين مثل بيرجو بلاكلر لإلحاق سياسات الجسد الفرنسي بنظريات المؤامرة المعادية للإسلام.
وتتماشى هذه الجهود في فرنسا، التي تم تحديدها على أنها "دولة مستهدفة"، مع الأهداف الصهيونية. ووفقًا للمذكرة المسربة، فإن "البيئة السياسية مواتية بشكل متزايد لتعزيز مراقبة الإخوان المسلمين والشبكات الإسلامية".
ما هي تداعيات هذه القضية على النضال الفلسطيني؟
وفي ظل هذا المناخ، يجب بالتالي إسكات المسلمين الناشطين سياسيًا والمنغمسين تمامًا في النضال ضد الإبادة الجماعية. يؤكد هذا الكشف على تواطؤ الإمارات العربية المتحدة في الإبادة الجماعية المستمرة في غزة، ويمتد إلى تجريم الأصوات المناهضة للإبادة الجماعية خارج الشرق الأوسط.
وخلال الاستئناف، ظلت الحجج التي قدمها المدعون الصهاينة متسقة مع تلك التي قُدمت في المحاكمة الأولى. فمن وجهة نظرهم، الدعوة إلى الانتفاضة في باريس تعني الدعوة إلى قتل اليهود.
شاهد ايضاً: الاتحاد الأوروبي يعين أول مستشار عسكري لتركيا
وقد حظي دامزالين بدعم كبير من الحركات الشعبية مثل حركة "أورجنس فلسطين"، وكذلك من شخصيات سياسية مرموقة، بما في ذلك النائبة في البرلمان الفرنسي غير المنحاز إرسيليا سوديه.
مستقبل كلمة انتفاضة في الخطاب العام
وتمثل هذه القضية الاستراتيجية الأورويلية الحالية المتمثلة في تجريد اللغة من قدرتها على المعارضة، وبالتالي إغلاق الأفق السياسي للعدالة والتحرر.
ومن المتوقع أن يصدر قرار المحكمة بحلول نهاية العام. ومن شأن الإدانة أن تشكل سابقةً خطيرة، إذ ستحظر فعليًا الاستخدام العلني لكلمةٍ تعبّر عن النضال الفلسطيني على أفضل وجه بالنسبة للكثيرين.
أخبار ذات صلة

لماذا تتعاون إسرائيل مع اليمين المتطرف في أوروبا

فرنسا قلقة من مخاطر التدخل الأجنبي قبل الانتخابات

محكمة يونانية تتهم 17 من حراس السواحل في حادث غرق سفينة بيلوس المميت عام 2023
