كندا تواجه أمريكا حرب تعريفات وتحديات اقتصادية
كندا ترد برسوم جمركية على أمريكا في مواجهة تجارية تحمل رسائل سياسية واقتصادية عميقة بينما أمريكا تستعد لمؤتمر جمهوري تاريخي وأزمة ثقة متصاعدة في التعليم تكشف عن تحديات داخلية متشابكة في المشهد الأمريكي وورلد برس عربي

حين تُقرّر دولةٌ صغيرة أن تقول "لا"، تتحوّل إلى رمزٍ قبل أن تتحوّل إلى درس. هذا ما يحدث اليوم مع كندا، التي فرضت رسوماً جمركيةً على ما يقارب 20 مليار دولار من البضائع الأمريكية، رداً على آخر موجة من التعريفات التي فرضتها إدارة Trump على السلع الكندية. الخطوة ليست مجرّد إجراءٍ تجاري؛ إنّها اختبارٌ لسؤالٍ أعمق: هل يستطيع حلفاء واشنطن الأصغر أن يصمدوا أمام ضغطها الاقتصادي؟
كندا تضرب أولاً... في الحسابات
الرسوم الكندية الجديدة تطال مئات المنتجات الأمريكية، من الصلب والألمنيوم إلى الجبن والأجهزة المنزلية والملابس ومستحضرات التجميل ومعدّات الزراعة. وتتراوح نسبتها بين 15% و25% و50%، بحسب نوع السلعة. وقد أعلن رئيس الوزراء Mark Carney أن المطالب الأمريكية قد تُفضي إلى تجويف الصناعات الكندية وتقليص استقلاليتها وهو توصيفٌ يكشف أن أوتاوا لا ترى في هذا النزاع خلافاً تجارياً عادياً، بل تحدّياً لسيادتها الاقتصادية.
المؤرّخ الكندي Robert Bothwell يذهب إلى أبعد من ذلك في قراءته للمشهد: "لقد أصبح Carney وكندا رمزاً للمقاومة أمامه. وما سيريد فعله هو أن يجعل من Carney وكندا مثالاً يُرهب به الجميع، بينما يُظهر في الوقت ذاته للآخرين أنهم بحاجة إلى إبعاد أنفسهم أكثر فأكثر عن الولايات المتحدة." هذا التحليل يضع كندا في موقعٍ بالغ الحساسية: إن نجحت في الصمود، فهي تُثبت أن المواجهة ممكنة؛ وإن تراجعت، فهي تُقدّم الدليل الذي يبحث عنه Trump لإخضاع بقيّة حلفائه.
والتوتّر التجاري لا يقف عند الأرقام. فقد تراجعت السياحة الكندية إلى الولايات المتحدة في أعقاب تصريحات Trump بشأن ضمّ كندا لتصبح الولاية الحادية والخمسين، وهو ما دفع منظّمة Brand USA الجهة المعنيّة بالترويج للسياحة الأمريكية إلى اتّخاذ خطوةٍ لافتة: ستُقيم سلسلة فعاليّاتها التجارية "Travel Week" في كندا لأوّل مرة في أكتوبر المقبل، في محاولةٍ لإعادة بناء الجسور السياحية رغم العواصف الدبلوماسية.
Dallas: مؤتمرٌ بالغ الرمزية في توقيتٍ حسّاس
على الجانب الأمريكي الداخلي، تستعدّ الحزب الجمهوري لحدثٍ غير مسبوق في تاريخها: مؤتمرٌ نصفي مدّته يومان تُعقد في Dallas هذا الأسبوع، وهو الأوّل من نوعه في تاريخ الحزب الجمهوري. الديمقراطيون سبقوا إلى هذا النهج في سبعينيّات القرن الماضي وثمانينيّاته، لكنّ الجمهوريين لم يلجأوا إليه قط حتى الآن.
Trump نفسه وصف المؤتمر بأنّه احتفالٌ سياسي كبير، مع إسقاط البالونات، ووجّه نداءً مباشراً لقاعدته: "تظاهروا من فضلكم بأنّني أنا من على بطاقة الاقتراع. فقط تعالوا وصوّتوا." الرسالة واضحة: المعركة النصفية القادمة هي بالنسبة إليه استفتاءٌ على شخصه وسياساته.
السباق الذي يحتلّ مركز الاهتمام هو انتخابات مجلس الشيوخ في Texas، حيث يواجه المرشّح الجمهوري Ken Paxton المدعوم من Trump والذي هزم السيناتور الحالي John Cornyn في الانتخابات التمهيدية في مايو الماضي المرشّحَ الديمقراطي James Talarico، عضو مجلس النوّاب البالغ من العمر 37 عاماً. وقد رصدت مجموعة MAGA, Inc. المرتبطة بـ Trump مبلغ 10 ملايين دولار لإعلانات تلفزيونية ورقمية في هذا السباق تحديداً، تُركّز على ملفّ الضرائب في ظلّ مخاوف التضخّم، إذ تصوّر Talarico بوصفه مؤيّداً لرفع الضرائب بشكل واسع، في مقابل تقديم Paxton مدافعاً عن الإعفاءات الضريبية لمشتري المنازل لأوّل مرة وللعائلات.
التعليم: أزمةٌ صامتة تتّسع
بعيداً عن ضجيج التعريفات والمؤتمرات، تكشف أرقامٌ جديدة عن أزمةٍ أخرى تتعمّق بهدوء في الداخل الأمريكي. وفق استطلاعٍ أجرته مؤسّسة Gallup بالتعاون مع Walton Family Foundation، لا يُبدي سوى 32% من البالغين الأمريكيين رضاً تاماً أو نسبياً عن منظومة التعليم ما قبل الجامعي (K-12)، وهو تراجعٌ بمقدار 11 نقطة خلال عامَين فحسب. في المقابل، بلغت نسبة غير الراضين 67%، وهو أعلى مستوىً تسجّله المؤسّسة منذ بدأت استطلاعاتها في هذا الملفّ قبل 27 عاماً.
هذه الأرقام تأتي في سياقٍ تتصاعد فيه حدّة النقاش حول المدارس الأمريكية، في ظلّ توجّهات الإدارة الحالية التي تصف المؤسّسات التعليمية بوصفها ساحاتٍ للمعارك الأيديولوجية، وتعمل على تفكيك برامج التنوّع والشمول. ما إذا كانت هذه التوجّهات تُغذّي الإحساس العام بتدهور التعليم، أم أنّ الأسباب أعمق من ذلك، هو سؤالٌ لا تُجيب عنه الأرقام وحدها.
ثلاثة ملفّات تبدو متباعدة حربٌ تجارية مع كندا، ومؤتمرٌ حزبي في Texas، وأزمةٌ في الثقة بالتعليم لكنّها تنبع من مناخٍ واحد: أمريكا في مرحلة إعادة تعريف علاقتها بحلفائها وبمؤسّساتها الداخلية في آنٍ واحد. السؤال الذي تطرحه كندا اليوم على الطاولة لا يختلف جوهرياً عن السؤال الذي يطرحه الأمريكيون على أنفسهم: ما الذي يمكن تحمّله قبل أن تبدأ التكاليف بالتجاوز الحدود؟
أخبار ذات صلة

ترامب يختبر رئيس الوزراء الكندي بسلاح الإكراه الاقتصادي

جسر جديد بين كندا والولايات المتحدة يفتح أبوابه للحركة المرورية الاثنين

كندا مستعدّة للردّ على تعريفات ترامب الجمركية الجديدة
