كندا تصنع مستقبلها الفضائي بصواريخ متوسطة الحجم
شركة كندية تتخلى عن صواريخ خفيفة وتتجه لصواريخ متوسطة لتعزيز السيادة الفضائية وسط توترات مع الولايات المتحدة وتخطط لإطلاق صاروخ R-2 بقدرات متقدمة يدعم استقلالها في الفضاء من وورلد برس عربي.

يبدو القرار للوهلة الأولى تفصيلاً هندسياً: شركة Canada Rocket Company، ومقرّها تورونتو، تخلّت عن خطّة بناء صاروخ خفيف الحمولة واختارت القفز مباشرة إلى صاروخ متوسّط الحمولة. لكن خلف هذا التحوّل التقني تكمن إشارةٌ أوسع بكثير: دولةٌ اعتادت لعقودٍ الاتّكاء على جارتها العظمى في شؤون الدفاع والفضاء بدأت تعيد حساب معادلة اعتمادها على الولايات المتحدة، بعدما لوّحت إدارة ترامب بالرسوم الجمركية، بل وتحدّثت عن تحويل كندا إلى "الولاية الحادية والخمسين". هذه اللحظة السياسية، لا الحسابات الهندسية وحدها، هي ما يفسّر لماذا تحوّلت أوتاوا فجأةً إلى التفكير جدّياً في امتلاك "وصولٍ سيادي" إلى الفضاء.
من صاروخٍ صغير إلى منصّةٍ متوسطة: لماذا غيّرت الشركة مسارها؟
قبل عامٍ أو عامين، كانت عدّة شركات كندية، من بينها Canada Rocket Company، تطوّر صواريخ خفيفة الحمولة. هذا الربيع، منحت مبادرة Launch the North الحكومية وهي مسابقة تهدف إلى تسريع الوصول السيادي الكندي إلى الفضاء دعماً لثلاث شركات: NordSpace وReaction Dynamics وCanada Rocket Company، بإجماليّ مبالغ بلغ 8.33 مليون دولار كندي، مع إشاراتٍ حكومية بمنحٍ أكبر لاحقاً.
لكن الرئيس التنفيذي للشركة، Hugh Kolias، قال إنّ المشاورات مع نحو 150 مهندساً من مدير هندسة Starship وصولاً إلى موظفين مبتدئين أقنعته بأنّ المسار الخفيف لن يقلّل المخاطر كما كان متصوَّراً: "النصيحة التي حصلنا عليها من التحدّث مع نحو 150 مهندساً، من مدير هندسة Starship وصولاً إلى بعض الموظفين المبتدئين، هي أنّك لن تتمكّن من تقليل مخاطر برنامج تطوير صاروخ ببناء صاروخٍ أصغر". والأهمّ من ذلك، أنّ البنية التقنية لا تنتقل من الصغير إلى الكبير كما يُفترض: "من الناحية التقنية والبنية التحتية، فإنّ نحو 90 بالمئة من كلّ ما تفعله في جزء الحمولة الخفيفة يُرمى من النافذة، ويصبح الأمر أشبه ببرنامجٍ جديدٍ تماماً". وأضاف أنّ ردود الفعل من المحيطين به كانت حاسمة: "والجميع قال، إن كنتَ لن تحاول تسويق الحمولة الخفيفة تجارياً، فلماذا تفعل ذلك أصلاً؟ وهذا أصابنا بصدمةٍ نسبيّة".
النتيجة هي R-2، صاروخٌ متوسّط الحمولة تُظهر تصاميمه الأوّلية تشابهاً مع Falcon 9 التابع لـSpaceX، ويعتمد على تسعة محرّكات تعمل بالميثان بدورة مولّد الغاز، إلى جانب أرجل هبوطٍ تشير إلى احتمال تطوير مرحلةٍ أولى قابلة لإعادة الاستخدام مستقبلاً. يمكن للصاروخ، بحسب التصميم، حمل ما يصل إلى 12.5 طنّ متري إلى المدار الأرضي المنخفض. وقال Kolias إنّ الشركة قد تكون جاهزةً للإطلاق بحلول 2032 إذا سارت الأمور كما هو مخطّط وهي صياغةٌ احتمالية لا تخفي حجم المخاطر الهندسية والمالية التي لا تزال قائمة.
ماذا يعني "السيادة الفضائية" لبلدٍ اعتاد الاعتماد على جاره؟
ما قد لا يظهر بوضوح في عناوين الأخبار هو أنّ هذا التوجّه ليس سابقةً في التاريخ الصناعي الكندي، بل تصحيحاً لمسارٍ قديم. ففي عام 1959، ألغى رئيس وزراء كندا برنامج طائرة الاعتراض Avro Arrow التي كانت قيد التطوير، وهي خطوةٌ يُنظر إليها اليوم كنقطة انكسارٍ جعلت الصناعة الفضائية والجوية الكندية تراوح مكانها منذ ذلك الحين. والنتيجة المباشرة لتلك الحقبة الطويلة من الاعتماد هي أنّ الأقمار الصناعية الكندية تُطلَق عادةً على متن صواريخ أمريكية.
هذا العام، كسرت أوتاوا الصمت رسمياً بإطلاق "استراتيجية الصناعة الدفاعية"، التي تحدّد عشر قدراتٍ أساسية للجاهزية الدفاعية، من بينها الفضاء، وتضع "إطلاق المركبات الفضائية" ضمن الأولويات. وبحسب Kolias، فإنّ الحكومة الكندية قد تلتزم في النهاية بما يصل إلى نصف مليار دولار لدعم الإطلاق السيادي، ربما مع ضماناتٍ بعقود إطلاقٍ مستقبلية وهو رقمٌ لا يزال في خانة الاحتمال لا التعهّد الرسمي.
يرى Kolias في هذا المناخ الجيوسياسي فرصةً نادرة، لا تهديداً فقط: "أعتقد أنّ الجغرافيا السياسية خلقت في الواقع فرصةً رائعة، ليس لنا فقط، بل لصناعاتٍ كندية أخرى لتبني أخيراً صناعاتٍ طموحة حقيقية". ويضيف في وصفٍ أقرب إلى التموضع الاستراتيجي منه إلى الخطاب التجاري: "نحن نبتعد قليلاً عن الحركة العولمية، وندرك أنّ هناك جوانب أساسية، اقتصادياً ومن منظور السيادة أو الدفاع والعسكرية، يجب أن تمتلك فيها مصيرك بنفسك".
منشأة سمّيت باسم رائد فضاء... ولماذا؟
يوم الخميس، أعلنت الشركة عن منشأة اختبار محرّكات بقيمة 30 مليون دولار أُطلق عليها اسم "منشأة Jeremy Hansen للاختبار"، تكريماً لرائد الفضاء الكندي الذي أصبح، بعد مهمّة Artemis II، أوّل رائد فضاءٍ غير أمريكي يحلّق إلى الفضاء السحيق، ما حوّله إلى بطلٍ وطني. ورغم أنّ إنجاز Hansen تحقّق على أكتاف برنامج الفضاء الأمريكي، فإنّ رمزيته السياسية خلال العام الماضي — في ظلّ التوتر بين أوتاوا وواشنطن — تجاوزت حدود الإنجاز العلمي البحت، ورفعت مكانة وكالة الفضاء الكندية.
ستُقام المنشأة على مساحة 50 فداناً مؤجَّرة من هيئة مطار Greater London International Airport بالقرب من مدينة London بمقاطعة أونتاريو، وستضمّ منطقة اختبار محرّكاتٍ تحتوي على ما يصل إلى ثلاث منصّات اختبارٍ رأسية وأفقية، قادرة على إجراء اختبارات محرّكاتٍ ساكنة لمحرّكاتٍ يتجاوز دفعها 1 ميجانيوتن (225,000 رطل من قوة الدفع). ويعتزم Kolias بدء اختبار محرّك E-1 في الموقع خلال نحو عامين من الآن.
خلف الأرقام: فريقٌ عائد ورأسمالٌ لا يزال في مراحله الأولى
تضمّ Canada Rocket Company نحو 30 موظفاً، بينهم علماء صواريخ كنديون عادوا إلى بلدهم بعد عملٍ سابق لدى SpaceX وBlue Origin وRocket Lab — وهو نمطٌ يستحقّ المتابعة بحدّ ذاته: استعادة رأس المال البشري الذي هاجر جنوباً في غياب صناعةٍ فضائية محلية. جمعت الشركة حتى الآن 22.5 مليون دولار، وهي بصدد السعي للحصول على جولة تمويلٍ من الفئة A.
ثلاثة سيناريوهات تستحقّ المراقبة في السنوات المقبلة:
الأرجح : أن تستمرّ أوتاوا في تمويلٍ تدريجي ومشروط بالنتائج التقنية، دون التزامٍ كاملٍ بالرقم المحتمل لنصف المليار دولار قبل أن يثبت R-2 جدواه في اختبارات المحرّكات.
المحتمل أن يتحوّل التوتر التجاري مع واشنطن إلى محفّزٍ إضافي يُسرّع صرف المنح ويمنح الشركات الكندية الثلاث عقود إطلاقٍ مبكرة.
أمّا الأقلّ احتمالاً: فهو أن يتعثّر المسار التقني لمحرّك E-1 أو تصميم R-2 بما يؤخّر الجدول الزمني إلى ما بعد 2032، في وقتٍ لا يزال فيه الاعتماد على الصواريخ الأمريكية هو الخيار العملي الوحيد لإطلاق الأقمار الصناعية الكندية. الإشارة الأضعف التي تستحقّ المتابعة هي ما إذا كانت شركاتٌ كندية أخرى، خارج قطاع الفضاء، ستحذو حذو Canada Rocket Company في إعادة النظر بعلاقتها الصناعية مع الجنوب.
أخبار ذات صلة

تحديثات مباشرة: كندا ترد بفرض رسوم على سلع أمريكية بقيمة 20 مليار دولار

ترامب يختبر رئيس الوزراء الكندي بسلاح الإكراه الاقتصادي

جسر جديد بين كندا والولايات المتحدة يفتح أبوابه للحركة المرورية الاثنين
