تآكل الثقة الأمريكية بين الهدايا والتحقيقات والشكوك
ثلاثة ملفات تشغل المشهد السياسي الأمريكي هدايا نقدية من ترامب لمساعديه، تحقيقات وزارة العدل في مؤامرات استخباراتية، وتراجع حاد في ثقة الأمريكيين بحكومتهم ماذا يعني هذا الانهيار في الثقة؟ اكتشف التفاصيل مع وورلد برس عربي

ثلاثة ملفّات تُلقي بظلالها على المشهد السياسي الأمريكي في آنٍ واحد: هدايا نقدية سخيّة لمساعدي البيت الأبيض، تصاعدٌ في تحقيق وزارة العدل حول مؤامرة أجهزة الاستخبارات، واستطلاعٌ يكشف تراجعاً حادّاً في ثقة الأمريكيين بمعلومات حكومتهم. ثلاثة ملفّات تبدو متفرّقة، لكنّها تلتقي عند سؤالٍ واحد: إلى أيّ حدٍّ تتآكل الثقة بين المواطن الأمريكي ومؤسّساته؟
هدايا الأعياد: أرقامٌ تستدعي التوقّف
كشفت وثائق الإفصاح المالي السنوية التي نُشرت الأسبوع الماضي أنّ الرئيس الأمريكي Donald Trump منح أربعةً من مساعديه في البيت الأبيض هدايا نقدية بمناسبة الأعياد. وقد نالت كلٌّ من Natalie Harp المساعدة التنفيذية، وMargo Martin المستشارة للاتصالات، وChamberlain Harris نائبة مدير عمليات المكتب البيضاوي، مبلغ 45,000 دولار لكلٍّ منهن. فيما حصل Walt Nauta مدير عمليات المكتب البيضاوي على 20,000 دولار.
وتتراوح رواتب هؤلاء المساعدين بين 150,000 و175,000 دولار سنوياً، ما يعني أنّ الهدايا تمثّل نسبةً مئوية لافتة من دخلهم السنوي، لا سيّما بالنسبة إلى الهدية التي تجاوزت ثلاثين بالمئة من الراتب السنوي لثلاث موظّفات. وقد أوضح مسؤولٌ في البيت الأبيض طلب عدم الكشف عن هويّته أنّ "Trump لديه عادةٌ راسخة في تقديم هدايا عيد الميلاد لأشخاصٍ في محيطه، بما فيهم أحياناً موظّفون ومساعدون، سواءٌ في الحكومة أو في فترة عمله بالقطاع الخاص". وأكّد المسؤول ذاته أنّ هذه الهدايا النقدية لا صلة لها بالمهام الحكومية الرسمية، وأنّها تستوفي المعايير القانونية والأخلاقية المعمول بها.
غير أنّ الإفصاح عن هذه الأرقام في وثائق رسمية يضعها في دائرة الضوء العام، ويُثير تساؤلاتٍ مشروعة حول الحدود الفاصلة بين الكرم الشخصي والعلاقة المهنية داخل مؤسّسةٍ بالغة الحساسية كالبيت الأبيض.
وزارة العدل تُصعّد: هيئة محلّفين في فلوريدا
على صعيدٍ موازٍ، تُصعّد وزارة العدل الأمريكية من وتيرة تحقيقٍ يمتدّ منذ نحو عام، يستهدف ما تصفه السلطات بـ"مؤامرة أجهزة الاستخبارات" ضدّ Trump على مدى العقد الماضي، بما في ذلك ملفّ التدخّل الروسي في انتخابات 2016. وقد أصدرت الوزارة في الأسابيع الأخيرة مذكّرات استدعاء جديدة لمسؤولين حكوميين سابقين، تطلب منهم الإدلاء بشهاداتهم أمام هيئة محلّفين كبرى (grand jury) في ولاية فلوريدا.
يمثّل إصدار هذه المذكّرات تصعيداً واضحاً في مسار التحقيق. فمن الناحية الإجرائية، يُشير استدعاء هيئة محلّفين كبرى إلى أنّ المحقّقين باتوا يسعون إلى جمع أدلّة تحت القسَم، وهو ما يُعطي التحقيق طابعاً أكثر رسميةً وإلزاميةً مقارنةً بمراحله السابقة. ويبقى التمييز ضرورياً هنا: هيئة المحلّفين الكبرى أداةٌ للتحقيق لا للإدانة، وما تُصدره من قراراتٍ لا يُرتّب بالضرورة توجيه اتّهامات.
أزمة ثقة: أرقامٌ تتحدّث عن نفسها
لعلّ الملفّ الأكثر دلالةً على حالة الاستقطاب التي تعيشها الولايات المتّحدة هو ما كشفه استطلاعٌ مشترك أجرته AP-NORC وUSA Facts، إذ تبيّن أنّ 34% فقط من البالغين الأمريكيين يثقون بتصديق الحكومة على نتائج الانتخابات، مقارنةً بـ40% في عام 2024. وأفاد ما يقارب نصف المستطلَعين بأنّهم يشعرون بقلقٍ بالغ أو شديد إزاء احتمال قيام الحكومة بتشويه نتائج الانتخابات أو التلاعب بها.
الأرقام التفصيلية تكشف عن تحوّلاتٍ عميقة في بنية الثقة وفق الانتماء الحزبي. فـ61% من الديمقراطيين يُبدون ثقةً منخفضة في المعلومات الحكومية المتعلّقة بالميزانية الفيدرالية، مقابل 42% من الجمهوريين. وفيما يخصّ معلومات الجريمة، يرتفع الرقم إلى 60% بين الديمقراطيين مقارنةً بـ32% من الجمهوريين. أمّا في ملفّ التوصيات المتعلّقة باللقاحات، فالصورة مختلفة: نحو 60% من الديمقراطيين والجمهوريين والمستقلّين على حدٍّ سواء يُبدون ثقةً منخفضة، وهو ما يُشير إلى أنّ انعدام الثقة في هذا الملفّ بالذات تجاوز الحواجز الحزبية.
والأكثر لفتاً للانتباه هو مسار انعدام الثقة في المعلومات التعليمية الحكومية: كان 37% من الأمريكيين يُبدون هذا الموقف عام 2019، فأصبح الرقم اليوم 53%، مع ارتفاعٍ بتسع نقاط في العام الأخير وحده. ويرى المحلّلون أنّ هذا التحوّل الحادّ ارتبط بشكلٍ وثيق بتصاعد الاستقطاب السياسي منذ الولاية الأولى لـTrump، الذي واصل ترديد ادّعاءاتٍ مدحوضة حول تزوير انتخابات 2020، وسعى إلى فرض قيودٍ جديدة على التصويت بالبريد في انتخابات التجديد النصفي.
ألمانيا في الصورة: Trump وصعود AfD
لم يكتفِ Trump بمتابعة الشأن الداخلي، بل أبدى حماسةً واضحة إزاء نتائج انتخابات إقليمية في ألمانيا، إذ نشر على وسائل التواصل الاجتماعي تعليقاً على الأداء القوي لحزب Alternative for Germany (AfD) اليميني المتطرّف في انتخابات ولاية Saxony-Anhalt، كاتباً: "إنّهم في صعود، ولن يتحمّلوا الوضع بعد الآن!".
وقد كاد الحزب يحقّق أغلبيةً مطلقة في الولاية، ويضع نفسه في موقعٍ يُمكّنه من تشكيل أوّل حكومة ولاية يمينية متطرّفة في ألمانيا منذ الحقبة النازية. ويزيد الأمر تعقيداً أنّ AfD يُبدي ميلاً واضحاً نحو موسكو، وهو ما يُشكّل تحدّياً مزدوجاً للمستشار الألماني Friedrich Merz الذي يقود حكومةً وسطيةً يمينية في خضمّ مرحلةٍ بالغة الحساسية على صعيد الأمن الأوروبي.
ما يجمع هذه الملفّات الثلاثة ليس مجرّد التزامن الزمني. فالهدايا النقدية تطرح أسئلةً حول الحدود بين الشخصي والمؤسّسي في أعلى مستويات السلطة. والتحقيق القضائي يُجسّد حالة الاستقطاب حول مفهوم المساءلة ذاتها. أمّا أزمة الثقة فهي الأعمق أثراً: حين لا يثق ثلثا الأمريكيين بالمعلومات الحكومية في ملفّاتٍ بالغة الأثر كالانتخابات والتعليم والصحة، فإنّ السؤال لم يعد عن هذا الرئيس أو ذاك، بل عن قدرة المؤسّسات الأمريكية على استعادة شرعيّتها المعلوماتية في مرحلةٍ باتت فيها الحقيقة ذاتها موضع تجاذب.
أخبار ذات صلة

حاكم كاليفورنيا يرفض قانوناً يحظر نظارات التجسس السرية

ترامب غير قادر على إيقاف تحول أمريكا إلى الطاقة النظيفة ويمكننا تسريع ذلك

الرئيس ترامب يستقبل الرئيس التنفيذي لـ Anthropic على العشاء
