خطر الغازات السامة يوقف تجارب السيارات ذاتية القيادة
شركة Zoox تعلق اختبارات سياراتها الذاتية بعد تكرار حالات دوار وتقيؤ بين سائقي الاختبار بسبب شكوك بتسرب غازات سامة داخل المقصورات مع تساؤلات حول سلامة العمال ومسؤولية الشركة وحقوقهم في بيئة العمل وورلد برس عربي

هل يستحقّ ركوب سيارة اختبار ذاتية القيادة أن يعرّض سائقها للتقيؤ والدوار أكثر من مرة في الأسبوع نفسه؟ هذا هو السؤال الذي فرض نفسه على شركة Zoox المملوكة لـAmazon بعدما اضطرت إلى تعليق عمليات اختبار مركباتها ذاتية القيادة في مدينة أتلانتا الأمريكية، بعد بلاغات متكررة عن اعتلال صحي وشكوك حول تسرّب غازات سامة داخل مقصورات السيارات من بينها أول أكسيد الكربون وثاني أكسيد الكربون وكبريتيد الهيدروجين.
القصة لا تتعلق فقط بعطلٍ تقني، بل بما يحدث لعمّال بشر يجلسون خلف مقود سيارات تحاول الشركة تعليمها القيادة بمفردها وهي فئة عمالية غالباً ما تُنسى وسط الحديث المبهر عن «المستقبل ذاتي القيادة».
ماذا حدث فعلياً في 14 أغسطس؟
بدأت المشكلة تتكشّف مع بداية أغسطس الماضي، حين شرع مراقبو السلامة في Zoox بالإبلاغ عن أعراض تشير إلى تعرّضٍ محتمل لغازات ضارة. لكن الحادثة الأبرز وقعت في 14 أغسطس، حين كان أربعة عمال يركبون معاً سيارة اختبار من طراز Highlander المعدّلة، ضمن تدريب لموظفين جدد. يروي جاي ديفيس، أحد سائقي الاختبار المتعاقدين مع الشركة، تفاصيل تلك اللحظة: «كان كل شيء على ما يرام. كنا نضحك ونتحدث، يوماً عادياً في العمل، ثم صمت الجميع فجأة لسببٍ ما.»
توقّفت المجموعة عند مطعم Chick-fil-A قرب موعد استراحتها الصباحية المقررة في العاشرة صباحاً، وبدأ أحد الزملاء يشكو من «شعورٍ بالغرابة». بعد مغادرة السيارة، تقيأ أحد العمال بينما شعر آخرون بالدوار. سحبت Zoox السيارة المعطوبة وأرسلت للعمال سيارة أجرة عبر Uber للعودة إلى المستودع.
وهنا تكمن نقطة الخلاف الأساسية: بدلاً من تكليف العمال بمهام أخف بعد الحادثة، أعادتهم الشركة إلى الميدان في سيارة اختبار بديلة في اليوم نفسه. يقول ديفيس: «حالما عدنا إلى القاعدة، ظننّا أننا بما أننا مرضنا وقلنا إننا نشعر بدوار، سنُكلَّف بمهام خفيفة ليوم واحد، فقط نجلس ونستعيد توازننا.» لكن ما حدث كان مختلفاً تماماً: «لا، لقد وضعونا في سيارة اختبار أخرى وطلبوا منّا العودة إلى العمل.»
والمفارقة أن الأعراض تكررت في السيارة البديلة نفسها. بعد ظهر ذلك اليوم، تقيأ ديفيس بعد تناول بضع لقيمات في منطقة مطاعم، وانتهى الأمر بزيارة ثلاثة عمال لغرفة الطوارئ. يقول ديفيس بوضوح: «أعادونا مباشرة إلى الميدان بعدما قلنا إننا نتقيأ.» وأضاف أنه راسل قسم الموارد البشرية شخصياً: «راسلت الموارد البشرية عبر البريد الإلكتروني، وأخبرتها بما يحدث، وقلت لها إنني أشعر أن ما فعلتموه بإعادتنا إلى العمل كان خطأً.»
الغريب أن الشركة، بدل التركيز على سلامة العمال الأربعة، طلبت منهم لاحقاً الخضوع لفحوصات مخدرات عشوائية.
من أوقف العمليات فعلياً؟
استمر تسجيل حالات المرض في الأيام التالية، إلى أن جاءت اللحظة الحاسمة في 22 أغسطس، حين اتصل شخص برقم الطوارئ 911 بسبب تعرّض أحد المتعاقدين المرضى في مستودع أتلانتا الواقع شمال غربي المدينة. بعدها، خفّضت الشركة عمليات المستودع إلى طاقة محدودة، وعزلت سيارات الاختبار المشتبه بها ريثما يكتمل التحقيق.
في غضون ذلك، تقدّم جاي ديفيس، الذي مرض في منتصف أغسطس، بشكوى رسمية إلى إدارة السلامة والصحة المهنية الأمريكية (OSHA)، ما دفع الإدارة إلى فتح تحقيق وتوجيه Zoox للتحقق من الحادثة داخلياً. وبحسب تقدير الإدارة، تعرّض ما يصل إلى 40 عاملاً لخطر محتمل، فيما قالت Zoox إن العدد الفعلي المتأثر كان أقل من 40. تحدّث ثلاثة عمال آخرين عن تجاربهم بشرط عدم الكشف عن هويتهم، خشية المساس بخصوصيتهم أو التعرّض لانتقام وظيفي.
من الجدير بالذكر أن سائقي الاختبار في أتلانتا ليسوا موظفين مباشرين لدى Zoox، بل يعملون عبر شركة توظيف وسيطة تُدعى HireArt، وهي التي وفّرت لهم لاحقاً خطاً ساخناً لتعويضات العمال وتعليمات للتواصل مع مركز مكافحة السموم. هذا الترتيب التعاقدي الشائع في قطاع التكنولوجيا يطرح سؤالاً مألوفاً لمن يتابع ملفات العمل الرقمي: من يتحمّل المسؤولية القانونية حين يمرض عامل لا يُصنَّف رسمياً كموظف للشركة التي تديره يومياً؟
ما الذي وجدته Zoox عند التحقيق؟
في رسالة أرسلتها الشركة إلى إدارة السلامة والصحة المهنية بتاريخ 10 سبتمبر، وصفت Zoox خطوات فحصها للمركبات وتقييمها الطبي للعمال. حدّدت الشركة 28 موظفاً ركبوا في ست سيارات اختبار سُجّلت فيها «رائحة غير مفسَّرة»، وخضع 10 منهم طوعاً لفحص طبي «لتحديد ما إذا كان قد حدث أي تعرّض لهذه الغازات». تلقّت الشركة تقريراً طبياً واحداً فقط يُثبت التعرّض لثاني أكسيد الكربون، بينما لم يُكتشف أي أول أكسيد كربون في المركبات رغم أن ديفيس وعاملين آخرين خضعوا لتقييم في غرفة الطوارئ للاشتباه في تعرّضهم لهذا الغاز تحديداً، ولم تُسجَّل لدى ديفيس أي نسبة مرتفعة منه.
فسّرت Zoox احتمال وجود كبريتيد الهيدروجين الذي تصفه الشركة برائحة «البيض الفاسد» بتلف بطاريات 12 فولت المستخدمة في السيارات، إذ يمكن لهذه البطاريات حين تتضرر أن تُطلق هذا الغاز. أما أول أكسيد الكربون فليس له رائحة أصلاً بحسب وصف الشركة نفسها، ما يجعل اكتشافه دون أجهزة قياس أمراً بالغ الصعوبة.
اختبرت الشركة أنظمة العادم بحثاً عن تسريبات، وأجرت ما تسميه «اختبار الدخان» للتحقق من تسرّب الغازات إلى المقصورة، وفكّكت جميع بطاريات 12 فولت وفحصتها واستبدلتها. كما استعانت بخبير طبي خارجي خلال التحقيق. لكن الشركة لم تكشف صراحة عمّا إذا كانت قد عثرت فعلياً على تسرّبات في العادم أو أضرار في البطاريات وهي نقطة غائبة لافتة في تقرير يُفترض أنه شامل.
خلصت Zoox إلى أن ثاني أكسيد الكربون هو الغاز الوحيد المكتشف في المركبات المتأثرة، وأعلنت أنها ستُركّب أجهزة استشعار لثاني أكسيد الكربون داخل سيارات الاختبار مستقبلاً. وفي بيان رسمي، قالت الشركة: «سلامة ورفاهية مشغّلي أسطول الاختبار لدى Zoox هي شاغلنا الأول في هذا الوضع»، مضيفة: «نتخذ إجراءات مستمرة وملائمة وحذرة للتحقيق في الحوادث المُبلَّغ عنها بالقدر اللازم ولدعم أي احتياجات لمشغّلينا. وريثما ننتهي من التحقيق الشامل في هذه البلاغات، أوقفنا تشغيل مركبات الاختبار في هذه السوق.» وقد أغلقت إدارة السلامة والصحة المهنية تحقيقها لاحقاً دون أن يذكر التقرير عقوبات.
لماذا لا تزال Zoox تستخدم سيارات تعمل بالوقود أصلاً؟
هنا يكمن التفصيل الأكثر إثارة للاستغراب من الناحية التقنية: بينما تُروّج Zoox لروبوتاكسيّاتها الكهربائية المصمّمة خصيصاً والتي لم تتأثر إطلاقاً بهذه الأزمة لا يزال أسطول اختبارها الفعلي في أتلانتا يعتمد على سيارات Toyota Highlander التقليدية العاملة بمحرك احتراق داخلي، معدّلة بأجهزة استشعار وحواسيب قيادة ذاتية، بما في ذلك قناة تهوية داخلية موجّهة يسمّيها موظفو الشركة «سنوركل» (snorkel)، مثبّتة فوق شاشة المعلومات والترفيه. تؤكد Zoox أنها لا تُعدّل أنظمة التهوية الأصلية في هذه السيارات، لكن التعديلات الأخرى كإضافة الحواسيب وأجهزة الاستشعار يمكن أن تزيد من مخاطر تسرّب الغازات إلى المقصورة، وهي مشكلة معروفة في عالم تعديل السيارات.
تُبقي Zoox سياراتها هذه تعمل لساعات طويلة كل يوم، لأن التشغيل المستمر يحافظ على معايرة أجهزة الاستشعار ويقلّل زمن إقلاع الحواسيب وهي مبررات تقنية مفهومة، لكنها تعني أيضاً تراكماً أطول لأي غازات محتملة داخل بيئة عمل مغلقة، خصوصاً حين تعمل المركبات داخل المستودعات، رغم استخدام الشركة أنظمة لاستخلاص العادم في هذه المواقع المغطاة.
المقارنة مع بقية القطاع تكشف أن Zoox ليست ملتزمة بمعيار موحّد هنا: تعتمد Waymo وTesla وAvride وMotional على أساطيل اختبار كهربائية بالكامل، بينما تستخدم May Mobility بعض الحافلات الصغيرة الهجينة، وتعتمد Nvidia على عدد محدود من سيارات Mercedes-Benz التي تجمع بين الوقود والكهرباء. اختيار Zoox للاستمرار في استخدام محركات احتراق داخلي في مرحلة الاختبار رغم توفّر بدائل كهربائية لدى منافسيها المباشرين يستحقّ تفسيراً أوضح من الشركة، خصوصاً في ضوء ما حدث.
وليست هذه أول مرة تُثار فيها مخاوف سلامة حول سائقي الاختبار في هذا القطاع: تعرّض متعاقدون سابقون لدى Zoox لإصابات جرّاء فرملة مفاجئة وانحرافات حادة في المركبات، كما أبلغت Waymo نفسها عن إصابات مشابهة لسائقي اختبارها إلى إدارة السلامة والصحة المهنية. وللسياق التاريخي، ليست مشكلة أول أكسيد الكربون في السيارات جديدة على القطاع بأكمله؛ فقد خضعت سيارات Ford Explorer لتحقيق استمر ست سنوات من الإدارة الوطنية لسلامة المرور على الطرق السريعة (NHTSA) بسبب بلاغات مشابهة، وسجّلت الإدارة أعلى مستويات لهذا الغاز في نسخ معدّلة استخدمتها الشرطة عام 2023 ما يؤكد أن التعديلات على المركبات، أياً كان الغرض منها، تبقى نقطة ضعف حقيقية تستحق المراقبة الصارمة.
أين يترك هذا Zoox في سباقها مع Waymo؟
رغم إغلاق إدارة السلامة والصحة المهنية لتحقيقها، لا يبدو أن القصة انتهت فعلياً. تواصل Zoox، المملوكة لـAmazon، توسّعها في لاس فيغاس وسان فرانسيسكو في محاولة لمنافسة Waymo، الرائدة الحالية في سوق الروبوتاكسي. لكن حادثة أتلانتا تطرح سؤالاً لا يمكن تجاهله: هل يمكن الوثوق بشركة تختبر مستقبل القيادة الذاتية بينما تتعامل مع شكاوى سلامة عمّالها الحاليين بهذا الشكل من التسرّع؟ الجواب الفعلي لن يظهر في بيانات الشركة الصحفية، بل في ما إذا كانت ستُغيّر فعلياً طريقة تعاملها مع العمال الذين يركبون هذه السيارات كل يوم — قبل أن تصل إلى المرحلة التي لا تحتاج فيها إلى بشرٍ خلف المقود على الإطلاق.
أخبار ذات صلة

صاروخ Starship العملاق يستعدّ للإطلاق المداري الأول

YouTube تعد بخلاصات مخصصة والمزيد من الذكاء الاصطناعي قريباً

شاحنة BYD الكهربائية الثقيلة تدخل سوق النقل الأوروبي
