وداعاً لأقمار الإنذار المبكر التي غيرت تاريخ الحروب
وداعاً لأقمار الدعم الدفاعي التي رصدت صواريخ سكود وحمت المنطقة لأكثر من نصف قرن مع بداية جيل جديد من الأقمار الأشعة تحت الحمراء بتقنيات متقدمة لتعزيز الإنذار المبكر والدفاع الفضائي في مهمة مستمرة لحماية الأمن العالمي وورلد برس عربي.

هل يهمّ القارئ العربي أن الولايات المتحدة أحالت قمرين صناعيين عسكريين بعد أكثر من نصف قرنٍ من الخدمة؟ الإجابة نعم، وبشكل مباشر: فهذان القمران ينتميان إلى الشبكة ذاتها التي رصدت صواريخ «سكود» العراقية خلال حرب الخليج، وأنذرت بها قبل سقوطها بدقائق. القصة إذن ليست مجرد خبر تقني عن جيل قديم من المعدّات الفضائية، بل عن منظومة إنذار صاروخي رافقت أحداثاً أثّرت مباشرة في المنطقة.
أعلنت قوات الفضاء الأمريكية (US Space Force) الشهر الماضي إحالة آخر قمرين عاملين من برنامج «الدعم الدفاعي» (Defense Support Program)، منهيةً بذلك أكثر من 55 عاماً من الخدمة المتواصلة. القمران، اللذان يُفترض أنهما DSP-20 وDSP-22، شاركا في مطلع سبتمبر في مناورة مدارية رصدتها جهات تتبّع مستقلة، رفعت خلالها مدارهما بضع مئات من الكيلومترات وهي خطوة تُستخدم عادةً للتخلّص من الأقمار بإرسالها إلى "مدار المقبرة" فوق المدار الثابت بالنسبة للأرض. اعتبرت قوات الفضاء هذه المناورة بمثابة التقاعد الرسمي للبرنامج بأكمله.
كيف بدأت القصة من رأس سرّي فوق صاروخ تيتان
يعود أصل البرنامج إلى نوفمبر 1970، حين أقلع صاروخ Titan IIIC من المجمّع 40 لإطلاق الصواريخ (Space Launch Complex 40) في محطة كيب كانافيرال التابعة للقوات الجوية حينها، حاملاً حمولة عسكرية سرّية للغاية. لم تكشف الحكومة الأمريكية حقيقة هذه الحمولة إلا لاحقاً: كانت أول قمر من برنامج الدعم الدفاعي. بين عامي 1970 و1973، أُطلقت الدفعة الأولى من هذه الأقمار، وكان كل واحد منها يزن نحو طن متري واحد، ويحمل نحو 2000 كاشف تحت أحمر، ويستقر في مدار متزامن مع الأرض.
لم يكن الأمر تجربة بسيطة؛ فقد حوّلت تلك الأقمار الأولى رصدات الأشعة تحت الحمراء التي كانت حتى ذلك الحين مجرد تجارب علمية إلى برنامج عملياتي متكامل لمراقبة إطلاق الصواريخ حول العالم. كان الهدف الأساسي واضحاً: رصد إطلاق الصواريخ الباليستية العابرة للقارات السوفيتية، ودعم سياسة الردع النووي خلال الحرب الباردة. ووفق تقييمات لاحقة، كانت هذه الأقمار من بين الأهم في تاريخ الفضاء العسكري الأمريكي.
من الردع النووي إلى إنذار صواريخ سكود
توسّع دور البرنامج مع الوقت ليتجاوز مراقبة الصواريخ النووية السوفيتية إلى ساحات الحروب التقليدية. فخلال حرب الخليج، ساعدت أقمار الدعم الدفاعي في رصد إطلاق صواريخ سكود العراقية وهي الحرب نفسها التي شهدت توسيع الجيش الأمريكي للكوكبة ورفع موثوقيتها وقدراتها. فقد حملت الأقمار اللاحقة أكثر من 6000 كاشف تحت أحمر، ووزنها ارتفع إلى نحو 2.5 طن، مقارنةً بالجيل الأول.
استمر إطلاق هذه الأقمار حتى عام 2007 باستخدام مزيج من صواريخ تيتان، ودلتا IV الثقيل (Delta IV Heavy)، ومكوك الفضاء التابع لناسا. ومن اللافت أن القمر DSP-16 أُطلق عام 1991 على متن مكوك الفضاء «أتلانتس» (Atlantis)، في واحدة من أبرز محطات البرنامج. أما صاروخ Titan IIIC تحديداً، فقد أنهى خدمته عام 1982 بعد عشرات عمليات الإطلاق، فيما استمرت عائلة صواريخ تيتان الأوسع في الانطلاق من المجمّع 40 حتى عام 2005 وهي السنة التي شهدت تحوّلاً مفصلياً في تاريخ هذا الموقع.
ففي ذلك العام، نقلت القوات الجوية الأمريكية منصّة الإطلاق إلى شركة ناشئة صغيرة، كانت وقتها شبه مجهولة: SpaceX. وقد عارضت شركة United Launch Alliance بشدة العملية التنافسية التي أفضت إلى هذا النقل. اليوم، تحوّلت محطة كيب كانافيرال نفسها من «محطة القوات الجوية» إلى «محطة الفضاء» (Space Force)، في انعكاسٍ لإعادة هيكلة الفضاء العسكري الأمريكي ككل.
ماذا يحلّ محلّ هذه الأقمار؟
يقول الكولونيل براندون دافنبورت (Brandon Davenport)، قائد وحدة Mission Delta 4 في قوات الفضاء الأمريكية: «كانت كوكبة الدعم الدفاعي أساسية للدفاع عن أمتنا». ويضيف في تصريح يلخّص مسار البرنامج: «كان هذان القمران الأخيران خاتمة لأكثر من نصف قرن من الإنذار المبكر الفضائي. ضمنت كوكبة الدعم الدفاعي الردع خلال الحرب الباردة، وحمت مقاتلينا المنتشرين منذ حرب الخليج وحتى تقاعدها الشهر الماضي».
لم تترك قوات الفضاء فراغاً بعد هذا التقاعد؛ فالاستعاضة بدأت فعلياً منذ عام 2011، حين شرع الجيش الأمريكي في إطلاق أقمار نظام الأشعة تحت الحمراء الفضائي (Space Based Infrared System)، التي تتفوّق على أقمار الدعم الدفاعي بحسّاسات أدقّ، وقدرة على رصد أحداث أضعف إشعاعاً، وفترات إنذار أطول. وتعمل الجهات الأمريكية حالياً على جيل أحدث يُعرف باسم أقمار «الأشعة تحت الحمراء الثابتة من الجيل التالي» (Next-Generation Overhead Persistent Infrared)، على أن يُطلق أول قمر من هذا الجيل خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة على متن صاروخ Vulcan.
الأقمار التي رصدت اختراقات نووية محتملة طوال الحرب الباردة، ثم تحوّلت لمراقبة ساحات معارك فعلية كحرب الخليج، أنهت مهمتها إذن بهدوء في مدار بعيد لا يُرى. لكن المهمة التي بدأتها تتبّع الصواريخ من الفضاء قبل أن تصل إلى هدفها لن تتوقف؛ هي فقط انتقلت إلى حسّاسات أحدث، وسترافقها على الأرجح، كما رافقت سابقاتها، أحداث لم تُكتب فصولها بعد.
أخبار ذات صلة

• آبل تُعدّل صلاحيات الوصول للقرص الصلب لمنع تجاوزات برمجيات الذكاء الاصطناعي

أمازون تستثمر مليار دولار لتهدئة غضب مراكز البيانات... فتثير غضباً أكثر

الولايات المتحدة تعتقل مديراً تنفيذياً متهماً بتهريب 300 مليون رقائق إنفيديا إلى الصين
