الصراع القانوني بين واشنطن وبروكسل حول شركات التكنولوجيا
وزارة العدل الأمريكية تتدخل دعمًا لإيلون ماسك في معركة قانونية مع الاتحاد الأوروبي حول غرامة ضخمة لمنصة X بسبب انتهاكات شفافية وتصميم علامة التحقق الزرقاء في صراع على صلاحيات تنظيم شركات التكنولوجيا وورلد برس عربي

هل يحقّ لحكومة دولة أن تتدخّل رسمياً في دعوى قضائية تخصّ شركة خاصة أمام محكمة أوروبية؟ هذا هو السؤال الذي فرضته وزارة العدل الأمريكية على نفسها هذا الأسبوع، حين قدّمت طلب تدخّل رسمي في القضيتين التي رفعهما Elon Musk ومنصّته X أمام المحكمة العامة للاتحاد الأوروبي في لوكسمبورغ، سعياً لإلغاء غرامة قدرها 120 مليون يورو فرضتها المفوضية الأوروبية. الخطوة، التي جاءت يوم الخميس، لا تُقرأ فقط كدعم قانوني لملياردير مقرّب من الرئيس الأمريكي، بل كتصعيد مباشر في معركة أوسع بين واشنطن وبروكسل حول من يملك حق تنظيم شركات التكنولوجيا الأمريكية العاملة في أوروبا.
ما الذي فعلته X ليستحق غرامة بهذا الحجم؟
الغرامة، المفروضة في ديسمبر من العام الماضي، هي أول عقوبة تصدر بموجب قانون الخدمات الرقمية (Digital Services Act)، الإطار التنظيمي الأوروبي الأكثر صرامة لضبط المنصات الرقمية. اتهمت المفوضية الأوروبية منصّة X بخرق شفافية عبر عدم توفير وصول كافٍ إلى بياناتها، وبتصميم "خادع" لعلامة التحقّق الزرقاء (blue tick) الممنوحة للحسابات الموثّقة تصميم رأت بروكسل أنه يضلّل المستخدمين بشأن هوية أصحاب الحسابات الموثّقة الحقيقية.
بالنسبة لقارئ يتعامل يومياً مع منصات التواصل، هذه التفاصيل ليست شكلية: علامة التحقق الزرقاء تحوّلت من دليل على هوية موثوقة إلى ميزة مدفوعة يمكن لأي مستخدم شرائها، وهذا بالضبط ما اعتبرته المفوضية مضلّلاً وخطيراً على مصداقية المعلومات المتداولة على المنصة.
حجج واشنطن القانونية: من له صلاحية المحاسبة؟
طعنت وزارة العدل الأمريكية في أصل الصلاحية القضائية التي استندت إليها بروكسل، قائلة إن قانون الخدمات الرقمية لا ينبغي أن يمتد إلى شركات أمريكية لا تعمل أو لا تتواجد ضمن نطاق الولاية القضائية الأوروبية. المساعد العام Brett Shumate صاغ الاتهام بوضوح: "حاولت المفوضية الأوروبية توسيع صلاحياتها التنظيمية بشكل غير مناسب للوصول إلى شركات أمريكية غير متواجدة أو غير عاملة ضمن نطاق ولايتها القضائية"، مضيفاً: "لن نتحمّل انخراط المفوضية الأوروبية في تجاوز تنظيمي يسعى للتحكّم في محركات الابتكار والنمو الاقتصادي الأمريكية".
الوزارة ذهبت أبعد من ذلك، معتبرة أن الرقابة الأوروبية "مدّت التدقيق القانوني إلى السيد Musk نفسه بصفته فرداً خاصاً، وشملت كياناتٍ شركاتٍ أمريكية منفصلة كلياً وغير ذات صلة يملكها" في إشارة إلى طريقة حساب الغرامة نفسها. فبروكسل استخدمت إجمالي الإيرادات العالمية المجمّعة للشركات التي يملكها Musk لحساب قيمة العقوبة، بينما ترى واشنطن أن الحساب كان يجب أن يقتصر على إيرادات X داخل نطاق الولاية القضائية للاتحاد الأوروبي فقط. الفرق بين النهجين ليس تقنياً بحتاً؛ فهو يقرّر ما إذا كانت الغرامة تُحسب على أساس نشاط شركة واحدة في أوروبا، أم على أساس ثروة إمبراطورية أعمال كاملة يملكها شخص واحد.
شبكة ملكية معقّدة تزيد الصورة تعقيداً
هذا التشابك بين X وشركات Musk الأخرى ليس محض ادعاء دفاعي؛ فبنية الملكية تغيّرت فعلياً بشكل يجعل الخط الفاصل بينها أكثر غموضاً. اندمجت X مع شركة الذكاء الاصطناعي التابعة لـ Musk، xAI، في مارس 2025. وبعد ذلك، استحوذت SpaceX شركة الصواريخ التابعة له أيضاً على xAI قبل طرحها العام في يونيو من هذا العام. رفضت SpaceX التعليق على طلب التدخّل. هذه التحوّلات المتتالية في الملكية تجعل من الصعب الفصل بين "X" كمنصّة اجتماعية خاضعة للتنظيم و"إمبراطورية Musk" كمجموعة أعمال واحدة، وهو تماماً ما تنازع الوزارة والمفوضية حوله.
السياسة لا تغيب عن المشهد
يصعب فصل هذا التدخّل القانوني عن السياق السياسي المحيط به. Musk من أكبر المتبرعين للرئيس Trump، وقد قدّم تبرعات قبل انتخابات التجديد النصفي دعماً لمرشحي الحزب الجمهوري. ونائب الرئيس JD Vance، إلى جانب شخصيات كبرى أخرى في الإدارة، انتقدوا الغرامة المفروضة على X علناً. إدارة Trump تصف الغرامات الأوروبية بأنها تستهدف الشركات الأمريكية بشكل غير عادل، وتنتهك مبادئ حرية التعبير التي يتبناها تيار "الماغا" (Maga) السياسي المقرّب من الرئيس.
Trump نفسه استخدم عبارات لاذعة لوصف العقوبات الأوروبية على شركات التكنولوجيا، قائلاً إنها "ابتزاز في الخارج" (overseas extortion) وإنها "شكل من الضرائب" (a form of taxation). هذه ليست المرة الأولى التي يتدخل فيها بشكل غير مباشر في نزاع ضريبي أو تنظيمي أوروبي يخص شركة أمريكية كبرى؛ فقد حاول، دون نجاح، التأثير في تحدّي Apple لفاتورة ضريبية أيرلندية بقيمة 13 مليار يورو خلال إدارته الأولى.
Apple على الطريق نفسه، والتحقيق في X لم ينتهِ
قضية X ليست الوحيدة من هذا النوع. Apple تطعن حالياً في غرامة أوروبية أخرى بقيمة 500 مليون يورو، تتعلق بسلوك مزعوم مخالف للمنافسة في متجر التطبيقات، وتندرج تحت قانون الأسواق الرقمية (Digital Markets Act) المرتبط بقانون الخدمات الرقمية. النمط واحد: شركة أمريكية كبرى، وقانون أوروبي جديد نسبياً، وإدارة أمريكية ترى في كل غرامة استهدافاً سياسياً لا تطبيقاً محايداً للقانون.
في الوقت نفسه، لم تُغلق بروكسل ملف X بعد؛ فالمفوضية تحقق بشكل منفصل في احتمال ارتكاب المنصة مخالفات إضافية لقانون الخدمات الرقمية، هذه المرة بخصوص كيفية تقييم X للمخاطر المرتبطة بدمج مساعد الذكاء الاصطناعي Grok مع تجربة المستخدمين الأوروبيين. بعبارة أخرى، حتى إذا نجحت واشنطن في إلغاء غرامة الـ120 مليون يورو الحالية، فإن قانون الخدمات الرقمية الذي وُصف بأنه إطار أكثر عدوانية لضبط اللاعبين على الإنترنت لا يزال يراقب X عن كثب، وقد يعود بعقوبة جديدة في أي وقت. الحاصل هو أن هذه القضية تحوّلت من نزاع تنظيمي محلي إلى نقطة اشتعال دائمة بين بروكسل وشركات التكنولوجيا الأمريكية، ولا يبدو أن أحد الطرفين مستعد للتراجع قريباً.
أخبار ذات صلة

جهاز الماك متوقف ومصاب بفيروس بسبب إعلان جوجل.. ما الخطوة التالية؟

قاعدة بيانات Supabase: آلاف المستخدمين يعرّضون بيانات العملاء للإنترنت

الاندماج النووي قد يُحوّل السفر إلى الفضاء خلال عقد
