النمو الاقتصادي الأمريكي يتحدى ارتفاع الانبعاثات الكربونية
توضح المقالة كيف نجح الاقتصاد الأمريكي في تقليل انبعاثات الكربون رغم نمو الناتج المحلي، مما يثبت إمكانية فصل النمو الاقتصادي عن التلوث البيئي. هل يمكن أن يكون هذا نموذجاً مستداماً لعالم يواجه تحديات المناخ؟ اكتشف التفاصيل في وورلد برس عربي.

في عام 2008، وبينما كانت الأزمة المالية تجتاح الاقتصاد الأمريكي، سجّلت منحنيات الانبعاثات الكربونية في الولايات المتحدة نقطة انعطافٍ لم تلتفت إليها معظم التغطيات الاقتصادية حينها. فقد هبطت الانبعاثات بحدّة مع الأزمة، لكنّها لم تعد بعدها إلى مسارها التصاعدي السابق الذي استمرّ لعقود. منذ تلك السنة، تتّجه الانبعاثات الأمريكية نحو الانخفاض رغم التذبذب السنوي، بينما واصل الناتج المحلّي الإجمالي نموّه خارج فترة الجائحة. هذا هو ما قد لا يظهر في العنوان: الاقتصاد الأكبر في العالم يقدّم، منذ أكثر من عقدٍ ونصف، دليلاً تجريبياً على أنّ النمو لا يستلزم بالضرورة ارتفاع الانبعاثات.
استعارة "المقص المفتوح"
في عام 2013، تعرّفتُ على استعارةٍ وصفت هذه الظاهرة بدقّة: خطّان يتباعدان كشفرتَي مقصّ مفتوح — خطّ الناتج المحلّي الإجمالي صاعداً، وخطّ الانبعاثات الكربونية هابطاً. الهدف من هذه الاستعارة لم يكن تمجيد النمو لذاته، بل فصله عن استهلاك الوقود الأحفوري، على أن يُترجم ذلك إلى تحسّنٍ فعلي في حياة المواطنين.
السويد كانت المثال المرجعي حينها. بدأت انبعاثاتها الكربونية انخفاضاً تدريجياً عام 1996 — وهو العام الذي شكّل أيضاً ذروتها الحديثة — واستمرّ هذا التراجع حتى اليوم، بانخفاضٍ بلغ ثلث مستوى تلك الذروة. أمّا مقارنةً بالذروة القصوى عام 1970، فقد تراجعت الانبعاثات السويدية بأكثر من النصف. في المقابل، واصل الناتج المحلّي الإجمالي السويدي نموّه، إذ تُظهر بيانات البنك الدولي أنّه أكثر من تضاعف منذ عام 1996.
لكنّ الصورة عام 2013 كانت ناقصة؛ البيانات المتاحة حينها لم تتجاوز عام 2011، ولم يكن واضحاً ما إذا كان المسار السويدي استثناءً مرتبطاً بموارد هذا البلد — الطاقة الكهرومائية الوفيرة وقاعدة المفاعلات النووية الراسخة — أم نمطاً قابلاً للتكرار في اقتصاداتٍ أكبر وأقلّ تجانساً، كالاقتصاد الأمريكي. ثلاثون عاماً إضافية من البيانات كانت كفيلة بتوضيح أنّ الفصل بين النمو والانبعاثات في الحالة السويدية مسارٌ طويل الأمد، لا مجرّد انحراف إحصائي عابر.
ماذا يقول النمط الأمريكي؟
السؤال الذي بقي معلّقاً عام 2013 هو: هل يمكن لاقتصادٍ أكثر تنوّعاً، مثل الاقتصاد الأمريكي، أن يكرّر النموذج السويدي؟ الإجابة التي تقدّمها البيانات اليوم أكثر وضوحاً، وإن لم تكن خالية من التعقيد.
نمت الانبعاثات الأمريكية بثباتٍ لعقودٍ قبل أن تهبط بحدّة عقب أزمة 2008، ثمّ استقرّت مع بعض التذبذبات خلال سنواتٍ من النمو الاقتصادي الفاتر. النمط الذي تُظهره البيانات أقرب إلى "شكل المنشار": تراجعاتٌ تدريجية تقابلها ارتفاعاتٌ مفاجئة، قبل أن تشهد سنوات الجائحة هبوطاً حاداً ثمّ ارتداداً درامياً، تلته سنواتٌ قليلة من ثباتٍ شبه تام في مستوى الانبعاثات. الرسم البياني الذي أعدّه John Timmer، والمستند إلى بيانات الناتج المحلّي الإجمالي من البنك الدولي وبيانات الانبعاثات من مشروع Global Carbon Project التابع لجامعة إكستر، يضع عام 2008 كنقطة انعطافٍ واضحة، وما بعدها كمسارٍ هبوطي بطيء لكنه متّسق، باستثناء الجائحة.
الإشارة الأضعف هنا، التي قد تفوت القارئ العادي، هي أنّ النمو الاقتصادي الأمريكي بعد 2008 بقي مستقراً خارج فترة الجائحة بينما استمرّت الانبعاثات في التراجع التدريجي. هذا لا يعني أنّ المعادلة محسومة؛ فالانبعاثات لا تتراجع بالسرعة الكافية لتجنّب بعض أسوأ تأثيرات تغيّر المناخ، وهذا تحذيرٌ لا ينبغي أن يضيع وسط التفاؤل بانفصال النمو عن الانبعاثات.
كلفة لم تُسدَّد بعد
الحجّة التقليدية في نقاشات المناخ تقول إنّ النمو المدفوع بالوقود الأحفوري ترك معظم البشر في وضعٍ أفضل إجمالاً. هذا صحيحٌ من زاوية، لكنّه يتجاهل أنّ كلفة هذا النمو بدأت تُدفع فعلياً، عبر أضرار الظواهر الجوية المتطرّفة واضطراباتها المتراكمة. وما يزيد الأمر تعقيداً أنّ ارتفاع مستوى سطح البحر سيستمرّ لقرون، حتى لو تحقّق الحياد الكربوني الصافي بالكامل — أي أنّ جزءاً من الفاتورة مؤجّلٌ بطبيعته الفيزيائية، لا بقرارٍ سياسي. تقدير الكلفة النهائية لهذا النمو المدفوع بالوقود الأحفوري يبقى، حتى الآن، مسألة صعبة القياس.
المعادلة البديلة ليست خيالاً: توجد طرقٌ أقلّ ضرراً بيئياً لتغذية النمو، تجنّب الأجيال القادمة تركةً كربونية يصعب إدارتها. هذا هو جوهر استعارة "المقص المفتوح" — لا التخلّي عن النمو، بل فصله عن مصدر طاقته التقليدي.
متغيّرات قد تعيد خلط الأوراق
ثمّة عوامل ثانوية قد تُربك هذا المسار الهبوطي في الانبعاثات الأمريكية. ازدهار مراكز البيانات (Data Centers) يحمل في طيّاته إشارة تستحق المتابعة: كثيرٌ من هذه المراكز يمتلك أساطيله الخاصة من مولّدات الكهرباء العاملة بالوقود الأحفوري، بمعزلٍ عن الشبكة العامة ومساراتها نحو الطاقة النظيفة. في الوقت نفسه، تتبنّى إدارة ترامب موقفاً معادياً للطاقة المتجددة وكفاءة استخدام الطاقة، وهو موقفٌ قد يبطئ وتيرة التحوّل الهيكلي الذي تعكسه البيانات منذ 2008.
يجدر التذكير أيضاً بأنّ الناتج المحلّي الإجمالي مقياسٌ محدود؛ فهو لا يكشف كيف تستفيد الشرائح السكانية المختلفة من هذا النمو، ولا إن كانت الفائدة موزّعة بعدالة. الفصل بين النمو والانبعاثات، إذاً، لا يحسم بالضرورة سؤال من يستفيد من هذا النمو أصلاً.
ثلاثة مسارات محتملة
استناداً إلى نمط العقد والنصف الماضي، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات لمسار الانبعاثات الأمريكية مقابل النمو الاقتصادي: الأرجح، استمرار النمط الحالي — نموٌّ اقتصادي مستقرّ مصحوبٌ بتراجعٍ بطيء ومتذبذب في الانبعاثات، على غرار ما حدث منذ 2008 باستثناء صدمات استثنائية كالجائحة. المحتمل، تباطؤ وتيرة هذا التراجع أو توقّفها مؤقتاً، نتيجة ازدهار مراكز البيانات المعتمدة على مولّداتٍ أحفورية وسياساتٍ فيدرالية أقلّ دعماً للطاقة المتجددة والكفاءة. الأقلّ احتمالاً، انعكاسٌ فعلي للاتجاه الهبوطي وعودة الانبعاثات إلى النموّ المتزامن مع الناتج المحلّي — وهو سيناريو لا تدعمه البيانات الحالية بشكلٍ قوي، لكنّه ليس مستبعداً تماماً إذا تضافرت عوامل الطلب على الطاقة مع تراجع الاستثمار في مصادرها النظيفة.
في الحالات الثلاث، تبقى حقيقة واحدة ثابتة: حتى لو ارتفعت الانبعاثات الأمريكية مجدداً في المستقبل، فإنّ ذلك لن يثبت أنّ ارتفاعها شرطٌ ضروري للنمو الاقتصادي، ولن يمثّل بالضرورة انعكاساً حتمياً لما تحقّق خلال العقد والنصف الماضي. الفارق بين الإشارة والضجيج، هنا كما في أسواق الطاقة، يحتاج إلى أكثر من موسمٍ واحد من البيانات ليُحسم.
أخبار ذات صلة

كبرى شركات النفط تطلب من المحكمة العليا إسقاط دعاوى المناخ

الثقب القطبي الجنوبي يتسّع: لماذا تتأخّر استعادة طبقة الأوزون؟

دراسة التدفئة في أيرلندا تضيف مزيداً من الأدلة ضد فخ "الهيكل أولاً"
