الصراع القمري بين أمريكا والصين على الهيمنة الفضائية
الصراع على القطب الجنوبي للقمر بين أمريكا والصين يتصاعد وسط سباق استراتيجي للهيمنة الفضائية. هل ستنجح واشنطن في الحفاظ على تفوقها أم ستسبقها بكين في بناء مستقبل الفضاء؟ التفاصيل في وورلد برس عربي.

عندما يتحدّث مسؤولٌ في وكالة الفضاء الأمريكية عن "مواقف انتظار محدودة" على سطح القمر، فإنّه لا يتحدّث عن ازدحامٍ عابر، بل عن سباقٍ استراتيجي على أكثر بقاع القمر ثراءً بالموارد: القطب الجنوبي. هذا ما لخّصه جاريد إيزاكمان، مدير وكالة ناسا الحالي، في مؤتمرٍ فضائي عُقد في واشنطن الأسبوع الماضي، محذّراً من أنّ الصين "تتوجّه إلى المواقع ذاتها" التي تخطّط واشنطن للوصول إليها. القول الفصل جاء صريحاً: "حين تدرك أنّ هناك مواقف انتظار محدودة فقط تمنحنا الوصول إلى تلك البيئة التدريبية، فإنّ ذلك يخلق إلحاحاً، وعلينا أن نُسرع لأنّ الصينيين يتّجهون إلى المواقع ذاتها".
هذا الإلحاح ليس تصريحاً عابراً، بل يتقاطع مع تحذيرٍ أوسع يطرحه بيل نيلسون، الذي أدار ناسا بين مايو 2021 ويناير 2025 في عهد الرئيس بايدن، في مذكّراته المرتقبة Space Odyssey، التي ستصدر عن دار Harper Horizon في يناير 2027. نيلسون، النائب والسيناتور السابق عن ولاية فلوريدا الذي طار كأخصائي حمولة على متن مكوك فضائي عام 1986، يُقدّم في كتابه قراءةً واضحة: "استراتيجية بكين المقصودة هي الهيمنة على المرتفع الاستراتيجي للقرن الحادي والعشرين".
من القطب الجنوبي للقمر إلى معادلة نفوذٍ طويلة الأمد
الخلاف بين واشنطن وبكين لا يدور حول من يصل أوّلاً فقط، بل حول من يبقى. يقول إيزاكمان إنّ الصين "شريكة للروس"، وإنّها تخطّط لوضع "مفاعل نووي" بالقرب من القطب الجنوبي للقمر، وهو ما قد "يحرم" الولايات المتحدة من بيئة تدريبية يصفها بأنّها ضرورة لطموحات أمريكا الفضائية. الوكالة أطلقت بالفعل مشروعاً تجارياً-حكومياً مشتركاً لبناء "قاعدة قمرية" عند القطب الجنوبي، وتُعيد حالياً تقييم شراكاتها مع بعض الدول قبل أن تصل الصين إلى سطح القمر.
نيلسون يصف هذا التوجّه الصيني بعبارةٍ لافتة: "إنهم لا يتسابقون معنا لغرس علمٍ آخر؛ إنهم يستقرّون لسباق ماراثوني، سباق تحمّل سيأخذنا إلى أعماق الفضاء أبعد مما تجرّأت البشرية على الذهاب إليه من قبل". وفي موضعٍ آخر من كتابه، يصف ما يجري بأنّه "بنية تحتية للاستقرار الدائم على القمر"، مضيفاً أنّ ما يبدو استكشافاً على السطح هو في الحقيقة "صراعٌ محتدم على التفوّق الفضائي".
هدف ناسا المعلن هو الهبوط البشري على القمر عبر مهمة Artemis IV بحلول عام 2028. لكن هذا التاريخ يستحقّ قراءة متأنّية قبل تصديقه كأمرٍ واقع: منتقدون يرون أنّ توقيت 2028 مدفوعٌ أساساً باعتبارات سياسية، إذ إنّ إدارة ترامب من المقرّر أن تغادر البيت الأبيض نهاية العام نفسه. والسابقة التاريخية تدعم هذا الحذر؛ فحين بدأت إدارة بايدن ولايتها في يناير 2021، حدّدت هي أيضاً عام 2024 موعداً للهبوط القمري، وهو تاريخ اعتُبر على نطاق واسع غير واقعي، وتراجع فعلياً بمعدّل سنة تقريباً في كلّ عامٍ من الأعوام الأربعة التالية. القارئ الحصيف يُميّز إذن بين تقييمٍ استراتيجي جاد وبين تاريخٍ سياسي قابل للانزلاق كسابقه، تماماً كما يُميّز الباحث بين نتائج دراسةٍ مؤكَّدة وبين وعودٍ أوّلية لم تخضع بعد لاختبار الزمن.
نيلسون نفسه يقرّ بأنّ النتيجة ليست محسومة: "أمريكا ليست المرشّح الأوفر حظاً بشكلٍ واضح"، ويحذّر من أنّه إذا استمرّت التأخيرات بوتيرةٍ كبيرة، فقد تسبق الصين واشنطن في إعادة إرسال البشر إلى القمر. أولوية الوصول أولاً، بحسب تعبيره، لا تنفصل عن أولوية البقاء لأمدٍ طويل، لأنّ "هذا السباق سيحدّد من يضع قواعد حقبةٍ جديدة من التوسّع البشري خارج الأرض. بالنسبة إلى بكين، هذا السباق لا يتعلّق بالاستكشاف بل بالهيمنة، وتأمين البنية التحتية للمدار تماماً كما استولت الإمبراطوريات قديماً على طرق التجارة ودافعت بشراسةٍ عن الممرّات البحرية". وخلاصته أكثر قتامة: إذا خسرت الولايات المتحدة هذا السباق، "سنشهد الحدود الجديدة تنزلق من قبضتنا".
بالون التجسّس الذي كشف عن معركةٍ أوسع من الغلاف الجوي
أهمية هذا التحذير لا تنبع من فراغ سياسي. نيلسون يربط بوضوح بين حادثة بالون التجسّس الصيني الذي عبر الأجواء الأمريكية في أوائل 2023 وبين ما يعتبره بداية مرحلةٍ أكثر إلحاحاً من التنافس. في تلك الواقعة، قدّمت ناسا دعماً فنياً للجيش الأمريكي، مستفيدةً من خبرتها في رسم خرائط الستراتوسفير ونمذجة التيّارات الجوية، لتُسهم في تحديد الطريقة الآمنة لإسقاط البالون. لكن نيلسون يرى في الحادثة رمزيةً أعمق من مجرّد خرقٍ جوي: "ما سجّله كثير من الأمريكيين أوّلاً كبالونٍ ينتهك مجالنا الجوي كان في الحقيقة إنذاراً بأنّ التنافس الكبير القادم لن يُخاض على البرّ أو البحر، بل في الأجواء فوقنا وحتى خارج غلافنا الجوي". ويضيف: "كانت الحادثة أيضاً نافذةً على سباق الفضاء الجديد الذي يقترب بسرعة من أخطر مراحله، بمخاطر أعلى حتى من مواجهة الحرب الباردة".
لماذا لا تثق واشنطن ببكين في الفضاء؟
هذا الانعدام في الثقة له جذور مؤسسية أقدم من الحادثة نفسها. نيلسون كان من مؤيّدي "تعديل وولف"، القانون الذي يقيّد بشدّة أي تعاون بين ناسا وبرنامج الفضاء الصيني، ويصف برنامج بكين بأنّه "مُعسكَر" وشديد السرّية، مضيفاً أنّ من بين مخاوفه سرقة التقنيات الغربية. موقفه هذا يختلف عن نهج تشارلي بولدن، رائد الفضاء السابق الذي أدار ناسا في عهد الرئيس أوباما، ما يعكس تبايناً حتى داخل الإدارات الديمقراطية نفسها حول طبيعة التعامل مع بكين. يقول نيلسون بلا مواربة: "الصين ليست شريكاً يُوثق به"، ويوضّح السبب: "الشراكة تتطلّب ثقة، والثقة تُبنى على الشفافية. ومع الصين، ورغم محاولاتٍ متكرّرة لبناء تعاونٍ قابل للتحقّق ومبني على قواعد، ووضع ضوابط منطقية للتفاعل، لم يكن هناك قدرٌ كافٍ من أيٍّ منهما".
يبقى أنّ ما يطرحه نيلسون في مذكّراته تقييمٌ استراتيجي من مسؤولٍ سابق، وليس إجماعاً علمياً أو تقنياً؛ فالفارق بين تقدير سياسات الفضاء وبين وقائع فلكية مؤكَّدة يستحقّ أن يبقى حاضراً في ذهن القارئ، خاصةً حين يصدر التقييم في كتابٍ يسعى، مثل أي مذكّرات، لجذب انتباه جمهورٍ واسع. الثابت أنّ الموعد النهائي لمهمة Artemis IV في 2028، ومصير مشروع القاعدة القمرية عند القطب الجنوبي، سيكونان المحك الحقيقي الذي يفصل بين خطاب التحذير وبين واقع من يصل فعلاً إلى ذلك "المرتفع الاستراتيجي" الذي تحدّث عنه نيلسون، قبل أن ينفد الوقت أو "مواقف الانتظار" على القمر.
أخبار ذات صلة

الأضواء القطبية تعود: طيار يوثّق منظراً مذهلاً من ارتفاع 37 ألف قدم

كشف الفلكيون عن موجات راديوية من كوكب خارجي للمرة الأولى

مهمة فضائية مستقلة بلا تحكم أرضي: شركة تعدين الكويكبات تطلق الأولى عالمياً سنة 2027
