سر النفاثات في الحفر السوداء من نجم إلى مليار شمس
اكتشف العلماء قاعدة فيزيائية واحدة تتحكم في إطلاق النفاثات من الحفر السوداء سواء كانت صغيرة أو عملاقة بعد تمزق نجم مجاور مما يفتح آفاق جديدة لفهم سلوك هذه الظواهر الكونية المعقدة وارتباطها بتشكيل المجرات وورلد برس عربي.

تخيّل نجماً يقترب أكثر من اللازم من حفرة سوداء، فتتلقّفه قوى المدّ والجزر فتُسطّحه أفقياً وتُمدّده رأسياً حتى يتحوّل إلى خيطٍ من البلازما الملتفّة حول الحفرة السوداء عمليةٌ يُطلق عليها الفلكيون اسم «التمكرن» (Spaghettification). هذا المشهد الكوني الدرامي، المعروف علمياً بـ«حدث التمزّق المدّي» (Tidal Disruption Event أو TDE)، ليس مجرّد فضولٍ نظري؛ فقد كشفت دراسةٌ جديدة أنّ ما يعقبه من انبعاثاتٍ نفّاثة قد يخضع لقاعدةٍ فيزيائية واحدة، سواء تعلّق الأمر بحفرةٍ سوداء تعادل كتلتها بضعة أضعاف كتلة الشمس، أو بأخرى عملاقة تفوقها بمليارات المرّات.
سؤالٌ حيّر الفلكيين لسنوات
لطالما لاحظ الباحثون سلوكاً غريباً لدى الحفر السوداء فائقة الكتلة، تلك التي تقبع في مراكز جميع المجرّات الكبرى: بعضها يُطلق نفّاثاتٍ راديوية فور تمزيق نجمٍ مجاور، بينما يبقى بعضها الآخر خامداً في الظاهر، ليُفاجئ الراصدين لاحقاً بإطلاق نفّاثاته بعد أشهرٍ أو حتى سنوات. صاغ الباحث آندرو موميري من معهد الدراسات المتقدّمة (IAS)، القسم المدرسي للعلوم الطبيعية، هذا اللغز بوضوح: "لماذا تُطلق بعض الحفر السوداء فائقة الكتلة نفّاثاتٍ راديوية فور تمزيق نجم، بينما تبدو أخرى خاملةً تماماً، لتُشعل نفّاثاتها فجأةً بعد أشهرٍ أو حتى سنوات؟".
عادةً ما يتطلّب تتبّع تطوّر الحفر السوداء فائقة الكتلة آلاف أو ملايين السنين، وهو ما يجعله بعيداً عن متناول الرصد البشري المباشر. لكنّ ميزة أحداث التمزّق المدّي أنّها تضغط عملية «تغذّي» الحفرة السوداء في نافذةٍ زمنية لا تتجاوز بضع سنوات، ما يجعلها مختبراً طبيعياً نادراً لدراسة سلوكٍ يستحيل رصده في الحالات العادية.
من نقاشٍ في حانة إلى اكتشافٍ في «نيتشر أسترونومي»
بدأت الفكرة، بحسب ما ورد، من محادثةٍ عابرة بين آندرو موميري والباحثة المشاركة أديل ج. غودوين خلال مؤتمرٍ علمي في مدريد بإسبانيا، حين أدركا وجود تشابهٍ محتمل بين سلوك النفّاثات في الحفر السوداء النجمية ونظيراتها فائقة الكتلة. تحوّلت تلك الملاحظة إلى دراسةٍ منهجية حلّلت بيانات تلسكوبية عبر نطاقٍ واسع من الطيف الكهرومغناطيسي لعشرين حدث تمزّقٍ مدّي، نُشرت نتائجها يوم الخميس الموافق 17 سبتمبر في مجلّة Nature Astronomy.
من بين الأحداث العشرين، تمكّن الفريق من نمذجة عمليتَي التغذية والانبعاث بشكلٍ موثوق في نصفها فقط، أي عشرة أحداث. وأظهرت هذه العيّنة أنّ إطلاق النفّاثات يمرّ بمرحلتين متمايزتين: الأولى تتزامن مع ذروة معدّل التهام الحفرة السوداء للمادة النجمية، والثانية قد تحدث بعد سنواتٍ من تمزّق النجم، حين ينخفض معدّل التغذية إلى 2% فقط من حدّ إدنجتون العتبة التي يبدأ عندها ضغط الإشعاع بطرد المزيد من المادة القابلة للالتهام بدلاً من ابتلاعها.
قاعدةٌ واحدة من نجمٍ إلى مليار شمس
اللافت في النتيجة أنّ عتبة الـ2% هذه لم تكن جديدةً كلّياً؛ فقد سبق ربطها بإطلاق النفّاثات في الحفر السوداء ذات الكتلة النجمية. لكنّ الدراسة الجديدة أظهرت أنّ نفس العتبة تنطبق أيضاً على الحفر السوداء فائقة الكتلة، ما يعني أنّ آلية إطلاق النفّاثات تبدو ثابتةً عبر مدىً هائل من الكتل، من بضع كتل شمسية إلى مليار كتلة شمسية. هذا يتماشى مع ما نظّر له العلماء لسنوات: أنّ فيزياء الحفر السوداء ينبغي أن تبقى متّسقة بصرف النظر عن حجمها.
تبقى الآلية الدقيقة التي تُشغّل هذه النفّاثات كيف تُقنّى المادة النجمية عبر قطبَي الحفرة السوداء لتنطلق بسرعاتٍ قريبة من سرعة الضوء وتمتدّ لآلاف السنين الضوئية غير مفهومةٍ بالكامل حتى الآن. لكنّ هذه النفّاثات، رغم غموضها الجزئي، تؤدّي دوراً محورياً في تشكيل المجرّات بأكملها، وهو ما يمنح هذا البحث بُعداً يتجاوز الفضول الفلكي البحت.
ما الذي يمكن توقّعه الآن؟
إذا صمدت هذه القاعدة أمام مزيدٍ من الرصد، فقد يصبح بإمكان الفلكيين، عند رصد حدث تمزّقٍ مدّي جديد، التنبؤ بشكلٍ تقريبي بموعد إطلاق النفّاثة سواء فور بدء التهام النجم أو بعد سنوات من انحسار معدّل التغذية. يختصر موميري أهمية هذا الأفق بقوله: "نأمل أن يُمهّد عملنا الطريق أمام اكتشافاتٍ أعمق حول كوننا". والسؤال الذي لا يزال مفتوحاً هو ما الذي يحدث فعلياً داخل تلك اللحظات الفاصلة بين خمود الحفرة السوداء الظاهري واشتعال نفّاثتها من جديد إجابةٌ قد لا تأتي إلا من مراقبة المزيد من هذه الأحداث النادرة في السنوات المقبلة.
أخبار ذات صلة

اليابان تشغّل أول حاسوب كمي والعلماء يخططون لتوسيعه إلى 10 آلاف كيوبت

الأضواء القطبية تعود: طيار يوثّق منظراً مذهلاً من ارتفاع 37 ألف قدم

الصين تسعى للهيمنة على القمر: تحذيرات من رئيس ناسا السابق
