تسلا تعيد رسم خريطتها العالمية وتواجه تحديات السوق الأمريكية
تسلا تتجاوز توقعات التسليم رغم تراجع مبيعاتها في أمريكا وتعتمد على أوروبا والصين للنمو. استراتيجيات جديدة ومنتجات مبتكرة تعيد رسم خريطة الطلب العالمي للشركة وتفتح آفاقاً جديدة للنمو والتوسع. وورلد برس عربي

تجاوزت Tesla تقديرات المحلّلين في الربع الثالث بتسليم 486,532 مركبة كهربائية، لكنّ هذا الرقم اللافت يخفي خلفه مشهداً أكثر تعقيداً: شركة تحاول تعويض انهيار مبيعاتها في سوقها الأمّ، الولايات المتحدة، عبر الاتّكاء على أوروبا والصين وأسواق آسيوية ناشئة. الفوز على تقديرات وول ستريت لا يعني أنّ كلّ شيء على ما يرام، بل يعني أنّ الشركة بدأت تعيد رسم خريطة طلبها العالمي بعيداً عن مركزها التاريخي.
وبحسب بيان تسليمات الربع الثالث الصادر عن Tesla، أنتجت الشركة 464,391 مركبة خلال الربع، وسلّمت 486,532 منها إلى الزبائن، بزيادة طفيفة بلغت نحو 6,000 مركبة مقارنةً بالربع الثاني. هذه الأرقام تجاوزت ليس فقط تقديرات وول ستريت بل حتّى أكثر التقديرات تفاؤلاً التي كانت متداولة قبل صدور النتائج. ومع ذلك، تبقى هذه التسليمات دون مستوى الربع نفسه من العام الماضي، حين سلّمت الشركة 497,000 مركبة في ما يُعتبر أفضل ربع في تاريخها، مدفوعاً حينها بموجة شراء محمومة من الأمريكيين قبل انتهاء صلاحية إعفاء ضريبي فدرالي كان يحفّز اقتناء السيارات الكهربائية.
لماذا تتراجع السوق الأمريكية؟
الصورة في الداخل الأمريكي أقلّ تفاؤلاً ممّا توحي به الأرقام الإجمالية. فقبل صدور نتائج يوم الجمعة، كانت مبيعات Tesla في الولايات المتحدة قد تراجعت بنسبة تقارب 20% على أساس سنوي، وفق بيانات شركة Cox Automotive المتخصّصة في بيانات السوق الأمريكية للسيارات. هذا التراجع لا يُفسَّر بعامل واحد؛ فتشكيلة موديلات الشركة لم تشهد إضافة منتج استهلاكي جديد منذ سنوات باستثناء Cybertruck، الذي تحوّل إلى فشل تجاري بكلّ المقاييس. إلى جانب ذلك، فإنّ دعم الرئيس التنفيذي إيلون ماسك لحملة دونالد ترمب الانتخابية، وتولّيه موقعاً حكومياً ضمن "إدارة كفاءة الحكومة" (Department of Government Efficiency) التي أشرفت على تسريح آلاف الموظفين وإلغاء تمويلات مساعدات دولية، بات عاملاً يُعتقد أنّه نفّر شريحة من المشترين المحتملين في السوق الأمريكية.
أين تجد Tesla نموّها الآن؟
في المقابل، تبدو أوروبا مصدر الزخم الأبرز هذا العام. فقد ارتفعت تسجيلات Tesla في أوروبا، حيث ينتشر تبنّي السيارات الكهربائية على نطاق أوسع، مدعوماً بأنظمة انبعاثات أكثر صرامة تفرضها السلطات الأوروبية. وتشير تقارير إلى أنّ الشركة تعمل على توسيع طاقة مصنعها في ألمانيا لمواكبة هذا الطلب المتنامي، في خطوة تحمل دلالة واضحة على مسار الاستثمار والتوظيف مستقبلاً داخل أوروبا، في وقتٍ تتباطأ فيه الحركة الإنتاجية على الجانب الأمريكي.
أمّا في الصين، فقد حافظت مبيعات المصنع المحلّي على زخمها رغم اشتداد المنافسة الإقليمية من مصنّعين محلّيّين، مع الإشارة إلى أنّ جزءاً من هذه المبيعات جاء من أسواق جديدة نسبياً تُصنَّع فيها السيارات من الصين للتصدير، وتحديداً اليابان وأستراليا وليتوانيا، بحسب بيانات الشركة للأسواق الناشئة. هذا التوزّع الجغرافي للطلب يعكس استراتيجية واضحة: تعويض الخسارة الأمريكية بالتوسّع في أسواق متعدّدة بدل الاعتماد على سوق واحدة، وهو ما يحمل أثراً مباشراً على توزيع فرص العمل بين مصانع الشركة حول العالم.
ماذا بعد السيارات؟ منتجات جديدة ووعود قديمة
تسليمات هذا الربع تأتي بعد أن صنعت Tesla في وقت سابق من العام مركبتها رقم 10 ملايين، وبعد بداية عام صعبة تبعتها ربعان متتاليان قويّان من حيث التسليمات. وفي خضمّ ذلك، تحاول الشركة فتح جبهات نموّ جديدة بعيداً عن السيارات التقليدية: ففي الأسابيع الأخيرة بدأت وضع مركبات Cybercab وهي سيارة ذات مقعدين توفّر رحلات ذاتية القيادة دون سائق أو مقود أو دواسات على طرقات أوستن في تكساس. كما أطلقت النسخة الإنتاجية من شاحنتها الكهربائية الكبيرة Tesla Semi بعد ما يقارب عقداً من الزمن على الكشف عنها لأول مرة، وتستهدف إنتاج نحو 50,000 وحدة سنوياً منها.
وفي 15 أكتوبر، موعدٌ آخر ينتظره المتابعون: إعادة الكشف عن الجيل الثاني من سيارة Roadster الرياضية، بعد سنوات من التأجيل المتكرّر، علماً أنّ توقيت بدء الإنتاج الفعلي لا يزال غير واضح. وتواصل الشركة أيضاً تطوير روبوتها الشبيه بالبشر Optimus، رغم تأجيلها الجدول الزمني لهذا المشروع مرّات متتالية. وقد أعلنت Tesla في وقت سابق من هذا الأسبوع عن خطوط ائتمان جديدة تصل قيمتها إلى 30 مليار دولار لتمويل مشاريعها المقبلة، في إشارة إلى أنّ الشركة تراهن على توسّع إنتاجي وتقني واسع في المرحلة المقبلة.
ماذا يعني كلّ هذا لسوق العمل؟
خلف لغة "تجاوز التوقّعات" التي تتصدّر عناوين الأسواق المالية، يختبئ سؤال أكثر إلحاحاً: من يستفيد من هذا النموّ؟ تراجع المبيعات الأمريكية بنسبة تقارب 20% ليس رقماً مجرّداً، بل يعني ضغطاً محتملاً على خطوط الإنتاج والعمالة داخل مصانع الشركة في الولايات المتحدة، في وقتٍ تتّجه فيه الاستثمارات والتوسّع الفعلي نحو ألمانيا والصين. توسيع الطاقة الإنتاجية في المصنع الألماني يعني على الأرجح فرص عمل جديدة هناك، بينما يبقى مصير التوظيف في المصانع الأمريكية رهن قدرة الشركة على عكس مسار التراجع المحلّي، خصوصاً أنّ أزمتها ليست أزمة طلب عالمي بقدر ما هي أزمة ثقة في سوقها التاريخية. وبين إطلاق منتجات تجريبية كـCybercab وTesla Semi ووعود متكرّرة حول Optimus، يبقى السؤال الحقيقي الذي يستحقّ المتابعة: هل ستتحوّل هذه المراهنات التقنية إلى مصانع وتوظيف فعلي، أم ستبقى في خانة الإعلانات التي تُثير حماس وول ستريت أكثر ممّا تطمئن العامل في خطّ الإنتاج؟.
أخبار ذات صلة

النداءات لتعريفات خاصّة للحافلات الكهربائية تدعم مشغّلي الأساطيل في جنوب أفريقيا

مبيعات السيارات الكهربائية الأمريكية: الأرقام التي تستحقّ إعادة قراءة

السيارات الكهربائية في أوروبا تحقق حصة سوقية قياسية بـ 30%
