رحلة فضائية تكشف مستقبل الحوسبة والذكاء الصناعي
إطلاق صاروخ سبيس إكس يحمل تجربة جوجل لتشغيل وحدات الذكاء الاصطناعي في الفضاء إضافة لتقنيات نقل الطاقة وصيانة الأقمار الصناعية في المدار رحلة تحدد مستقبل الحوسبة الفضائية وفرص تطوير مراكز بيانات خارج الأرض وورلد برس عربي

هل تستحق متابعة إطلاق صاروخ "سبيس إكس" يوم غدٍ السهر أو ترتيب الجدول؟ الجواب نعم إذا كنت مهتماً بمستقبل الحوسبة الفضائية أكثر من اهتمامك بكسر الأرقام القياسية، لأن هذه الرحلة، رغم ضخامتها، لن تُسجّل رقماً جديداً، لكنها تحمل على متنها ما قد يكون أهم تجربة فضائية لشركة Google هذا العام.
تُخطط "سبيس إكس" لإطلاق مهمتها Transporter-18 يوم 1 أكتوبر، حاملةً 130 حمولة على متن صاروخ Falcon 9 من قاعدة فاندنبرغ للقوة الفضائية في كاليفورنيا. نافذة الإطلاق مدتها 58 دقيقة فقط، تبدأ عند الساعة 2:18 ظهراً بتوقيت شرق الولايات المتحدة (18:18 بتوقيت غرينتش، أي 11:18 صباحاً بالتوقيت المحلي في كاليفورنيا). من يريد المتابعة مباشرة يمكنه فتح بث الإطلاق عبر موقع "سبيس إكس"، الذي من المقرر أن يبدأ قبل الإقلاع بنحو 15 دقيقة.
لماذا يهتم عشاق التكنولوجيا بهذه الرحلة تحديداً؟
أبرز حمولة على متن Transporter-18 ليست الأكبر حجماً، بل الأكثر دلالة على اتجاه مقبل في صناعة التكنولوجيا: مركبة تجريبية ضمن مشروع Google المسمّى Project Suncatcher. الفكرة هنا طموحة: تبني Google وتُشغّل كوكبة من الأقمار الصناعية المخصصة للذكاء الاصطناعي في المدار الأرضي المنخفض (LEO). لكن ما سيُطلق فعلياً هذه المرة ليس الكوكبة نفسها، بل مركبة استكشافية (pathfinder) الهدف منها اختبار كيفية أداء وحدات معالجة الموترات (TPUs) الخاصة بـGoogle في بيئة الفضاء، وتحديداً قدرتها على مقاومة الإشعاع الكوني وتبديد الحرارة المتولدة عن تشغيلها.
بعبارة أخرى، هذه ليست تجربة "ذكاء اصطناعي في الفضاء" بالمعنى الإعلاني الذي اعتدنا سماعه، بل اختبار هندسي أساسي: هل تصمد رقاقات الحوسبة المتقدمة خارج الغلاف الجوي الحامي؟ الإجابة ستحدد ما إذا كان مشروع Suncatcher قابلاً للتوسّع أصلاً، أم مجرد فكرة تسويقية سابقة لأوانها.
طاقة بالليزر وخدمات صيانة في المدار
لا تقتصر الحمولة على تجربة Google. شركة Cowboy Space ستُرسل قمرها الصناعي Reason-1 ضمن الرحلة نفسها، في مهمة وصفتها الشركة بأنها اختبار لنقل الطاقة عبر الفضاء، إذ قالت في منشور لها: "مهمته إثبات صلاحية نقل الطاقة بالأشعة: استخدام ليزر عالي القدرة لنقل الطاقة من المدار الأرضي المنخفض إلى جهاز استقبال على الأرض."
وأضافت الشركة أن هذه التقنية ليست رفاهية بحثية، بل ضرورة لأي مستقبل تُبنى فيه مراكز بيانات في الفضاء: "إذا أردت بناء مراكز بيانات في الفضاء، فعليك إتقان الأنظمة البصرية بين المدار والأرض. وهنا تبدأ هذه الرحلة." هذه الجملة الأخيرة تلخص اتجاهاً أوسع بدأت ملامحه تظهر: نقل الحوسبة كثيفة الطاقة بعيداً عن الأرض، ليس بسبب شغف استكشاف الفضاء، بل بسبب حدود الطاقة والتبريد على كوكبنا.
أما شركة Starfish Space، ومقرها ولاية واشنطن، فستُطلق أول مركبة من طراز Otter ضمن أسطولها المخصص لخدمة الأقمار الصناعية في المدار أي صيانتها أو إعادة توجيهها أو إطالة عمرها دون الحاجة لإطلاق قمر جديد بالكامل. الشركة وصفت هذا الإطلاق بأنه لحظة فارقة لها: "هذه لحظة كبيرة لـStarfish Space... أمضينا سنوات في تطوير واختبار التقنيات الأساسية اللازمة لخدمة صيانة ميسورة التكلفة ومتاحة للأقمار الصناعية. والآن نُطلق Otters، لنضع مركبات الصيانة في خدمة العملاء مباشرة في المدار."
وفي منشور سابق على منصة X بتاريخ 24 سبتمبر، احتفت الشركة بالخبر قائلة إن الإعلان جاء مساء اليوم السابق خلال حفل ضمّ مئات الضيوف من قطاع صناعة الفضاء، وإن إطلاق أول Otter "يُمثّل بداية عملياتنا التجارية لصيانة الأقمار الصناعية".
130 حمولة، لكن دون كسر الرقم القياسي
رغم الكم الكبير من الحمولات، لن تُسجّل Transporter-18 رقماً قياسياً جديداً. الرقم القياسي الحالي لا يزال من نصيب مهمة Transporter-1 التي أطلقتها "سبيس إكس" نفسها في يناير 2021، حاملةً 143 حمولة في رحلة واحدة. الفارق هذه المرة 13 حمولة فقط، لكنه كافٍ لإبقاء الرقم القياسي القديم صامداً.
ووفقاً لما نشرته "سبيس إكس"، تضم الحمولات أيضاً أقماراً مكعبة (cubesats) وأقماراً صغيرة (microsats) وحمولات مُستضافة ومركبتين فضائيتين مزودتين بوسائل عودة إلى الغلاف الجوي، إضافة إلى أربع مركبات نقل مداري ستحمل 41 حمولة من الإجمالي لتُنشر لاحقاً في مدارات مختلفة، بدلاً من نشرها جميعاً دفعة واحدة من المرحلة العليا للصاروخ.
من الناحية التقنية، من المقرر أن تهبط المرحلة الأولى من صاروخ Falcon 9 في قاعدة فاندنبرغ بعد نحو 7.5 دقائق من الإقلاع، وهي رحلتها الخامسة والعشرون بحسب "سبيس إكس" أي معزّز مُستخدم كثيراً وليس صاروخاً جديداً، ما يعكس استمرار نهج إعادة الاستخدام الذي تعتمده الشركة. أما نشر الحمولات الـ130 من المرحلة العليا فسيبدأ بعد 54.5 دقيقة من الإطلاق، ويستغرق قرابة 11 دقيقة.
يوم مزدحم للمهمات الفضائية الأمريكية
لمن يتابع نشاط "سبيس إكس" عن كثب، فإن 1 أكتوبر لن يكون يوماً عادياً حتى بمعزل عن Transporter-18. في الصباح، من المقرر أن تُطلق الشركة مهمة Crew-13 التابعة لناسا من منطقة "ساحل الفضاء" في فلوريدا، على متن صاروخ Falcon 9 آخر. وفي المساء، ستُطلق مهمة NROL-97 التابعة لمكتب الاستطلاع الوطني الأمريكي، لكن هذه المرة على متن صاروخ Falcon Heavy الأضخم. ثلاث مهمات في يوم واحد من موقعين مختلفين تُلخّص وتيرة العمل التي باتت معتادة لدى "سبيس إكس"، لكنها نادراً ما تجتمع بهذا التنوع رحلة تجارية جماعية، ومهمة بشرية، وحمولة استخباراتية.
بالنسبة لمن يتابع تطور الحوسبة في الفضاء تحديداً، فإن النتائج التي ستخرج بها تجربة Google حول مقاومة رقاقاتها للإشعاع هي ما يستحق الانتظار الحقيقي، لا لحظة الإقلاع نفسها. فتلك البيانات، إن أُعلنت لاحقاً، ستحدد ما إذا كان حديث الشركات عن "مراكز بيانات في الفضاء" مشروعاً هندسياً جاداً أم مجرد عنوان جذاب آخر في سباق الذكاء الاصطناعي.
أخبار ذات صلة

استعد ذكريات أول رحلة مدارية لمركبة ستارشيب (Starship)

هل GPT-6 Astra فعلاً ذكاء عام؟ OpenAI تؤكد دخولنا العصر الجديد

إطلاق ستارشيب من فلوريدا: SpaceX تستعدّ للمحاولة الأولى من منصّة 39A
