نطاقات si تكتسح السوق بفضل الذكاء الخارق
نطاقات .si تشهد طلباً هائلاً بعد قرار ترامب استبدال AI بـ SI مما دفع المستثمرين والمضاربين للانطلاق نحوها. تعرف على أسباب الارتفاع والفرص الاقتصادية الحقيقية خلف هذه الظاهرة الرقمية في وورلد برس عربي.

هل يستحقّ الأمر أن تتسابق لشراء نطاقٍ ينتهي بـ ".si"؟ هذا هو السؤال الذي بدأ يتردّد فجأة في أوساط رواد الأعمال والمستثمرين الرقميين، بعدما تحوّل امتداد دولة سلوفينيا الصغيرة إلى سلعةٍ مطلوبة بين ليلةٍ وضحاها. السبب ليس تطوّراً تقنياً ولا قراراً اقتصادياً سلوفينياً، بل أمرٌ تنفيذي وقّعه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وجّه فيه الوكالات الحكومية الأمريكية إلى استبدال مصطلحي "AI" و"الذكاء الاصطناعي" بعبارتي "SI" و"الذكاء الخارق" (super intelligence). النتيجة: اندفاعٌ مفاجئ نحو نطاقات تنتهي بالحروف نفسها التي اختارها ترامب اختصاراً، وسوقٌ صغيرة تتضخّم بسرعةٍ تُذكّر بما جرى سابقاً مع إقليم أنغويلا ونطاقه الشهير ".ai".
كم ارتفعت أرقام التسجيل فعلاً؟
بحسب كلارا هيرمان، المتحدثة باسم Registry SI، الجهة الرسمية المسؤولة عن إدارة نطاقات سلوفينيا، ارتفعت مبيعات نطاقات ".si" بنسبة 2,199% خلال شهر سبتمبر وحده. وفي 30 سبتمبر أي اليوم التالي مباشرة لتوقيع ترامب الأمر التنفيذي سجّلت الجهة 11,000 عنوان جديد. وخلال الـ24 ساعة الأخيرة فقط، تمّ تسجيل نحو 13,000 اسم نطاق جديد. أرقامٌ لافتة بكل المقاييس، لكنّ هيرمان نفسها حذّرت من ربط الارتفاع بالكامل بترامب وحده، وهو تحفّظٌ يستحقّ الانتباه قبل أن ننجرّ وراء رواية "البطل الواحد" خلف كل ظاهرة رقمية.
الصورة تختلف من منصّةٍ لأخرى. فمنصة Hostinger، على سبيل المثال، أفادت بأنّ ".si" أصبح ثاني أكثر امتداد طلباً لديها، خلف ".com" مباشرة. سجّل عملاؤها ما يقارب 4,300 نطاق ".si" في 30 سبتمبر، وحوالي 5,400 نطاق في اليوم التالي. والأهم أنّ أكثر من ثلاثة أرباع إجمالي تسجيلات ".si" على المنصة منذ 23 سبتمبر حدثت في اليومين الأخيرين فقط أي أنّ الموجة حديثةٌ جداً ومتسارعة. أكثر من نصف المشترين جاءوا من الولايات المتحدة والهند.
في المقابل، لم تلحظ منصة Wix أي "ارتفاعٍ ملموس" (meaningful uptick)، إذ ظلّ النشاط على ".si" لديها ضئيلاً منذ 29 سبتمبر. أما GoDaddy فقالت ببساطة إنها لا تستضيف نطاق ".si" أصلاً، في حين لم تردّ Squarespace حتى وقت نشر هذا التقرير. هذا التفاوت الحاد بين المنصات يستحقّ وقفة: حين تختلف الأرقام بهذا الشكل بين مزوّدٍ وآخر، فالأرجح أنّ جزءاً كبيراً من "الموجة" مدفوعٌ بسلوك مضاربةٍ مركّز لدى فئةٍ معيّنة من المستخدمين، لا بطلبٍ عام منتشر.
من يستفيد اقتصادياً: سلوفينيا أم الوسطاء؟
هنا تكمن النقطة الأهم لقارئ عربي يتابع القصة بعين اقتصادية. فحسب كلاوديوس يانويتيس، رئيس قسم النطاقات في Hostinger، فإنّ عائدات نطاق ".si" لا تذهب إلى خزينة الدولة السلوفينية، بل إلى الجهة المسجِّلة (Registry SI) نفسها. وهذا يختلف جذرياً عمّا جرى مع أنغويلا وامتدادها ".ai"، حيث تفرض الجزيرة "علاوة" (premium) على سعر النطاق، وتذهب العائدات مباشرةً إلى حكومتها. يقول يانويتيس إنّ ".ai أصبح اقتصاداً ثانياً لأنغويلا، أما .si فهو مكافأةٌ لطيفة لسلوفينيا" أي أن الأثر المالي على الدولة السلوفينية نفسها محدودٌ مقارنةً بما حقّقته أنغويلا من طفرة الذكاء الاصطناعي في بداياتها، حين قفز الطلب على نطاقها وجلب لها ملايين الدولارات.
الفارق في السعر يعكس هذا الفارق في الطموح: تبيع Hostinger نطاق ".si" بنحو 12 دولاراً سنوياً فقط، مقابل 90 دولاراً لنطاق ".ai" مع التزامٍ إلزامي بعامين. يصف يانويتيس ".si" بأنه "خيارٌ ثانٍ أكثر توفّراً" (more affordable second option)، ولا يتوقّع أن يحلّ محلّ ".ai" في أي وقتٍ قريب لكنه يرى أن الطلب عليه سيستمر في النمو.
يجدر التذكير أيضاً أنّ ".si" كان مرتبطاً تاريخياً بسلوفينيا فحسب، قبل أن يكتسب هذا المعنى الجديد المرتبط بـ"الذكاء الخارق". ومن الطرائف التي رافقت القصة أنّ السيدة الأولى ميلانيا ترامب هي نفسها من أصل سلوفيني تفصيلٌ لا يفسّر الظاهرة لكنه يضيف طبقةً من المفارقة لها.
حين يتحوّل اسم النطاق إلى "مقتنى رقمي"
خلف الأرقام الجافة، هناك سلوكٌ بشري واضح يستحقّ أن نتوقّف عنده: المضاربة. أخبر مؤسسٌ لم يُكشف عن اسمه الصحفي أن نطاقات ".si" أصبحت تُباع بأكثر من مليون دولار في السوق الثانوية رقمٌ يذكّرنا بفورة ".ai" ويثير أسئلة مشروعة حول مدى استدامة هذا الطلب.
كيم ذان (Kim Than)، الرئيس التنفيذي لوكالة Genius PR التي تخدم مؤسسي شركات الذكاء الاصطناعي والعملات الرقمية، اشترى نسخة ".si" من اسم شركته. يقول إنّ الدافع كان "حماية العلامة التجارية في حال انطلق هذا مثلما انطلق .ai"، مضيفاً أنه فضّل "تأمينه الآن بدلاً من دفع مبلغٍ أكبر بكثير لاحقاً". لكنه يعترف أيضاً بدافعٍ أبسط: السعر كان رخيصاً. يرى ذان أسماء النطاقات كنوعٍ من "المقتنيات الرقمية" (digital collectibles)، ويخطّط لشراء المزيد ما دامت الأسعار لا تزال منخفضة، دون أن يستبعد إعادة بيعها لاحقاً. وهو يتحدّث عن إمكانية "ترميز" (tokenize) هذه النطاقات وتداولها عبر البلوكتشين (Blockchain)، رغم أنه غير متأكد ما إذا كان نطاق ".si" مدعوماً أصلاً لهذا النوع من التداول. ويضيف أن بعض أصدقائه المؤسسين يشترون أيضاً "لأننا نظن أنها طفرة الذكاء الاصطناعي الجديدة".
هذا بالضبط ما يستدعي الحذر. فبحسب تصنيف Hostinger، 3% فقط من نطاقات ".si" المسجّلة مرتبطة صراحةً بالذكاء الاصطناعي، بينما صُنّفت الغالبية العظمى كـ"غير مصنّفة" (unclassified) أي أسماء لا تطابق أي فئة محدّدة. تقول المنصة إن المسجِّلين يبدون أفراداً وشركات فعلية، مع احتمال أن يكون بعضهم يشتري بغرض إعادة البيع فحسب.
ذكاء خارق أم فقاعة تسمية؟
نص الأمر التنفيذي نفسه، الصادر عن البيت الأبيض، يبرّر هذا التحوّل اللغوي بالقول إنّ "قدرات الأنظمة المتقدمة اليوم تفعل أكثر بكثير من مجرّد تقليد أو أتمتة جوانب منفصلة من الذكاء البشري"، وأنّ هذه الأنظمة "تمثّل بشكلٍ متزايد ليس مجرّد ذكاء اصطناعي، بل ذكاءً خارقاً جديداً". صياغة طموحة بلا شك، لكنها تبقى صياغة سياسية-لغوية، لا إعلاناً عن تقنيةٍ جديدة فعلياً.
وبين حماس المضاربين وتحفّظ المتحدثة الرسمية لـRegistry SI، يبدو المشهد أقرب إلى تكرارٍ مصغّر لقصة أنغويلا: ارتفاعٌ حاد مدفوعٌ بكلمةٍ رمزية أكثر منه بتحوّلٍ تقني حقيقي. من يشتري الآن يراهن على أن يصبح ".si" الاختصار الرسمي الجديد الذي يلتصق بالأذهان كما التصق ".ai" من قبل. لكن حتى الآن، لا أحد يملك دليلاً قاطعاً على أن هذا الرهان سيُجدي — فالفارق بين "مقتنى رقمي واعد" و"اسم نطاق دفعتَ فيه أكثر من اللازم" قد لا يتّضح إلا بعد أن تهدأ الضجة.
أخبار ذات صلة

الناس يكرهون الذكاء الاصطناعي، فلماذا لا يستطيعون الاستغناء عنه؟

محرّك الهجين لا يحلّ محلّ المحرّك الأكبر، بل يحلّ محلّ التطوير التدريجي

• آبل تُعدّل صلاحيات الوصول للقرص الصلب لمنع تجاوزات برمجيات الذكاء الاصطناعي
