كوكب يولد من رماد نجمه الميت في الفضاء
اكتشاف مذهل لكوكب من الجيل الثاني يدور حول قزم أبيض نشأ من رماد نجم محتضر هذا يفتح آفاقاً جديدة لفهم ولادة الكواكب ومصير نظامنا الشمسي في المستقبل تابع التفاصيل الحصرية على وورلد برس عربي

حين يحين الوقت الذي ستُنهي فيه الشمس وقودها الهيدروجيني، بعد نحو 6 مليارات سنة من الآن، لن يبقَ من نظامنا الشمسي كما نعرفه شيء: ستنتفخ الشمس إلى نجمٍ عملاق أحمر يتمدّد حتى مدار المرّيخ تقريباً، مُبتلِعاً في طريقه الكواكب الداخلية، ومن بينها الأرض. هذا المصير، الذي يبدو خيالاً علمياً بعيداً، أصبح أقرب إلى الفهم العلمي بفضل اكتشافٍ جديد: فريقٌ من الفلكيين عثر على أول كوكبٍ "من الجيل الثاني" يدور حول قزمٍ أبيض وهو ما تبقّى من نجمٍ ميت ما يفتح سؤالاً مشروعاً: هل يمكن أن يُولد كوكبٌ جديد يوماً ما من بقايا شمسنا نفسها؟
كوكبٌ وُلد من رماد نجمه
نُشر البحث، الذي شارك في إعداده فريقٌ من جامعة Warwick البريطانية، يوم الاثنين 5 أكتوبر في مجلة Nature Astronomy، وهي دورية علمية مُحكَّمة متخصّصة في علم الفلك. يتناول البحث القزم الأبيض HS 0209+0832 الذي يبعد نحو 790 سنة ضوئية عن الأرض، والذي يدور حوله كوكبٌ غازيٌّ عملاق بحجمٍ يقارب كوكب المشتري.
اكتشاف الكوكب جاء عبر مركبة TESS التابعة لوكالة NASA، والمتخصّصة في رصد الكواكب خارج المجموعة الشمسية عن طريق قياس انخفاضاتٍ طفيفة في سطوع النجوم عندما تعبر الكواكب أمامها. رصدت المركبة انخفاضاً دورياً في ضوء HS 0209+0832 يتكرّر كل 4.4 يوم أرضي تقريباً، وهو ما قاد الفريق إلى استنتاج وجود كوكبٍ يدور حول هذا القزم الأبيض بفترة مدارية قصيرة جداً.
لكنّ المفاجأة الحقيقية لم تكن في وجود الكوكب، بل في منشئه. يقول جيمي ويليامز، عضو الفريق البحثي من جامعة Warwick: "الكواكب من الجيل الثاني هي عوالم تتشكّل من المادة التي يطرحها نجمٌ وهو يحتضر. إنها نادرة للغاية، والعثور على واحدٍ منها حول قزمٍ أبيض كان أمراً غير متوقّع إطلاقاً". ويصف ويليامز الظاهرة بقوله: "الأمر أشبه بالعثور على كوكبٍ نهض من رماد النجم الذي كان يدور حوله".
بصمة كيميائية تفضح المنشأ
ما دفع الفريق إلى هذا الاستنتاج هو تحليل الغلاف الجوي للقزم الأبيض نفسه، الذي أظهر مستوياتٍ غير اعتيادية من عناصر الزنك والنحاس والنيوبيوم، بتركيزاتٍ تفوق نظيراتها في الشمس بنحو 1000 مرة. هذا النمط العنصري ليس عشوائياً؛ فهو يشير إلى ما يُعرف بـ"العملية-s" (s-process)، وهي تفاعلٌ نووي يبني العناصر الثقيلة داخل النجوم المحتضرة أثناء مرحلة انتفاخها كعمالقة حمراء.
يوضّح نيكولاس ستون، من قسم الفلك في جامعة Wisconsin-Madison والمشارك في الدراسة: "هذا النمط من العناصر علامةٌ فارقة على 'العملية-s'، وهو تفاعلٌ نووي يبني عناصر ثقيلة داخل النجوم المحتضرة خلال مرحلة انتفاخها كعمالقة حمراء". ويضيف: "إنها بصمةٌ كيميائية لا ينبغي أن يحملها أيّ كوكبٍ عادي من 'الجيل الأول'، وهو ما أخبرنا أنّ هذا الكوكب الجديد مختلفٌ عن غيره".
الفرضية التي يطرحها الفريق هي أنّ القزم الأبيض يسحب حالياً مادةً من هذا الكوكب، وأنّ الإشعاع الصادر عنه هو ما ينتج هذه البصمة الكيميائية المرصودة في غلافه الجوي. ومن المرجّح أنّ الكوكب نفسه تشكّل داخل قرصٍ كوكبي أوّلي (protoplanetary disk) تكوّن من المادة التي طردها النجم أثناء مرحلة العملاق الأحمر، قبل أن يتحوّل إلى قزمٍ أبيض.
لكن تشكُّل مثل هذا القرص ليس أمراً بسيطاً، وهذا ما يفسّر ندرة هذا النوع من الكواكب. يشرح ويليامز: "تشكيل القرص الكوكبي الأوّلي في هذا الموقف ليس أمراً سهلاً، وهو ما يساعد على تفسير ندرة هذه الكواكب. فنجمٌ منفردٌ ومعزول، حين يموت، يطرح كتلته بطريقةٍ متماثلة تقريباً". ولهذا يرجّح الفريق وجود نجمٍ مرافقٍ لعب دوراً حاسماً في هذه العملية: "لتشكيل قرصٍ من المادة ضروريٍّ لولادة كوكب، يبدو أنّ HS 0209+0832 احتاج إلى نجمٍ مرافق سحب المادة المقذوفة وأعادها إلى المدار، بدلاً من تركها تفلت إلى الفضاء".
يضيف بوريس غانسيكه، أحد أعضاء الفريق من جامعة Warwick: "ما يستحقّ الانتباه بخصوص الكوكب المداري حول HS 0209+0832 هو أنّ هذا الكوكب ليس قادماً من مكانٍ آخر، ولا هو ناجٍ من ولادة النظام الأصلي؛ بل يبدو أنّه بُني من المادة نفسها التي طردها نجمه وهو يحتضر. بمعنىً ما، هذا النظام أنجب عالماً جديداً من أسس العالم القديم".
غير أنّ مصير هذا الكوكب الوليد ليس مُطمئناً؛ فالإشعاع المنبعث من القزم الأبيض القريب سيُبخّر في النهاية غلافه الجوي بالكامل.
سؤالٌ عن مصير نظامنا الشمسي
من الناحية الفلكية، كان العلماء يشتبهون منذ فترةٍ طويلة في إمكانية وجود كواكب من الجيل الثاني تدور حول النجوم النيوترونية، لكنّ هذا الاكتشاف يُمثّل أول رصدٍ موثّق لكوكبٍ من هذا النوع يدور حول قزمٍ أبيض تحديداً. وتتشكّل الأقزام البيضاء عندما تستنفد نجومٌ بحجم الشمس وقودها الهيدروجيني اللازم للاندماج النووي؛ فالاندماج ينتج الهيليوم، وانتهاؤه يزيل الضغط الخارجي الذي كان يُوازن جاذبية النجم، فينهار إلى كتلةٍ مكثّفة.
تُشير بيانات السياق العلمي إلى أنّ بعض الأقزام البيضاء تسحب فعلياً مادةً من كواكب لا تزال تدور حولها، وأنّ عنصرَي السيليكون والحديد عادةً ما يكشفان هذه العملية. غير أنّ البصمة الكيميائية المكتشفة حول HS 0209+0832 بتركيز الزنك والنحاس والنيوبيوم مختلفة تماماً، وقد تمنح الفلكيين أداةً جديدة للبحث عن مزيدٍ من الكواكب من الجيل الثاني في أماكن أخرى من المجرّة.
لكنّ السؤال الأكثر إلحاحاً بالنسبة لنا، كما يطرحه غانسيكه، يتجاوز هذا النظام البعيد: "العثور على هذا المثال الواحد يطرح سؤالاً عن عدد الأمثلة الأخرى الموجودة هناك، وما إذا كان نظامنا الشمسي نفسه قد يستضيف يوماً ما كوكباً من الجيل الثاني يتشكّل من رماد شمسنا".
لا يملك العلم اليوم جواباً حاسماً عن هذا السؤال، لكنّ اكتشاف HS 0209+0832 يمنح الفلكيين، لأول مرة، دليلاً ملموساً على أنّ ولادة كوكبٍ من بقايا نجمٍ محتضر ليست مجرّد تصوّرٍ نظري، بل ظاهرةٌ رُصدت بالفعل في مكانٍ ما من مجرّتنا. وبين 6 مليارات سنة، حين تتحوّل شمسنا إلى قزمٍ أبيض بعد أن تبتلع كواكبها الداخلية، قد تتكرّر القصة نفسها أو لا تتكرّر أبداً.
أخبار ذات صلة

اكتشاف روزاليند فرانكلين: من فكّ شفرة الحمض النووي قبل واتسون وكريك؟

جوجل تحتفي بـ "ثورة الصواريخ" في أسبوع الفضاء العالمي 2026

كشف الأشباح الكونية: لماذا فازت كاشفات النيوترينو بجائزة نوبل للفيزياء
