وورلد برس عربي logo

نفوذ نفيديا وتأثيرها في صراع الذكاء الاصطناعي العالمي

واشنطن وبكين تسمحان باستيراد ملايين رقائق Nvidia رغم قيود سابقة والجدل حول كفاءتها التقنية بينما نفوذ جنسن هوانغ يتصاعد ليصبح المستشار الأبرز للرئيس ترامب في ملف الذكاء الاصطناعي وورلد برس عربي

جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة Nvidia، خلال عشاء رسمي يعكس تأثيره المتزايد في قرارات الذكاء الاصطناعي والسياسات التقنية الأمريكية.
ينظر الرئيس التنفيذي لشركة نفيديا جنسن هوانغ بينما يستضيف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عشاءً رسمياً لرئيس الصين شي جين بينغ. تصوير: كيفن ديتش / فريق العمل | صور غيتي نيوز
التصنيف:أعمال
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

هل يمكن لنظام إنذار مصمَّم لرصد مخاطر الذكاء الاصطناعي أن يعمل من دون خبير تقني واحد بين أعضائه؟ هذا بالضبط وضع آلية التنبيه المشتركة التي أعلنت عنها واشنطن وبكين الأسبوع الماضي: هيكل بيروقراطي فارغ من الكفاءات التقنية، بينما تسير الصفقات التجارية الحقيقية بسرعة مضاعفة. ففي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومتان عن "إدارة" الذكاء الاصطناعي، تدرس الصين السماح لشركتي Alibaba وByteDance باستيراد ما قد يصل إلى ملايين من رقائق Nvidia طراز RTX Pro 5500 خلال العام المقبل، لتشغيل خوادم نماذج الذكاء الاصطناعي. المفارقة أن هذه الرقائق مصنَّفة أصلاً كرقائق ألعاب، لا رقائق ذكاء اصطناعي متخصصة تفصيل تستحق الوقوف عنده قبل الحديث عن أي "تسوية" تجارية.

طلبت وزارة الصناعة وتقنية المعلومات الصينية من الشركتين تقديم خطط شراء تخص هذه الرقائق تحديداً. ووفق مصادر مطّلعة على المحادثات، تعتزم ByteDance وحدها طلب مليون رقاقة إذا وافقت السلطات، وهي كمية تكفي وحدها لتأمين ما يعادل ربعين متتاليين من مبيعات Nvidia المتوقعة عالمياً. ويخطط أحد المشترين لتركيب ثماني رقائق RTX Pro 5500 في كل خادم وهو، بحسب المصادر، "إعداد قياسي يتيح للرقائق العمل معاً على نماذج ذكاء اصطناعي أكبر". وتتوقع الشركة الأمريكية بدء شحن الطلبات الأولى في ديسمبر المقبل.

من حظر H200 إلى عشاء في مار-إيه-لاغو

القصة لم تبدأ بهذا الانفتاح. فبعد توليه منصبه، شدّد دونالد ترامب قيود التصدير ومنع بيع رقائق H200 إلى الصين استكمالاً لسياسة سبقته إليها إدارة جو بايدن. النتيجة كانت كارثية على حصة Nvidia من سوق رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة في الصين: من نحو 95% إلى صفر، بحسب ما قاله الرئيس التنفيذي للشركة جنسن هوانغ نفسه محمّلاً القيود الأمريكية المسؤولية.

ثم جاء عشاء في منتجع مار-إيه-لاغو جمع ترامب بهوانغ، وبعده انقلب الموقف: رفع ترامب القيود عن تصدير H200، فسمحت الصين بدورها ببيعه لبعض الشركات. لكن المبيعات ظلّت باهتة إذ لم تشكّل رقائق H200 سوى أقل من 1% من إيرادات مراكز بيانات Nvidia في آخر ربع سنوي، بينما تفضّل الشركات الأمريكية أساساً رقائق أكثر تطوراً، ما ترك Nvidia مثقلة بمخزون خسرت بسببه نحو 400 مليون دولار خلال النصف الأول من عام 2026.

قبل هذا التحوّل، بدا ترامب نفسه غير مدرك لحجم الشركة التي سيغيّر مصيرها لاحقاً: يُروى أنه تساءل ذات مرة "ما هذه الـ Nvidia بحق الجحيم؟"، قبل أن يقول لاحقاً إنه "تعلّم حقائق الحياة" بشأن أهمية الرقائق، ووصف الشركة بأنها "مذهلة". حتى إن ترامب فكر في وقت من الأوقات بتفكيك Nvidia قبل أن ينقلب الموقف كلياً نحو التقارب.

رقائق "قديمة" بحسب الشركة المصنّعة نفسها

المثير أن Nvidia ذاتها لا تُخفي أن RTX Pro 5500 ليست ورقة رابحة تقنياً. قال متحدث باسم الشركة إن هذه الرقائق "صدرت منذ نحو نصف عقد"، ووصفها بأنها "قديمة" وغير مناسبة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة. لكن هذا التصنيف لا يبدو أنه سيوقف الشهية الصينية؛ فبحسب تقرير نشرته مجلة The Information، فإن "الشركات الصينية تُطلق منتجات وخدمات ذكاء اصطناعي أسرع من قدرتها على إيجاد الرقائق التي تشغّلها" وهو ما يفسّر استعداد بكين للقبول برقائق "غير مثالية" فقط لسدّ الفجوة، وفق مصادر قالت إن السلطات الصينية تعتزم فعلاً السماح باستيراد بعض هذه الرقائق على الأقل.

من يملك أذن الرئيس؟

هنا يكمن جوهر القصة الذي يهمّ القارئ العربي المتابع لسياسات التكنولوجيا: تنامي نفوذ جنسن هوانغ على القرار الأمريكي بشأن الذكاء الاصطناعي، إلى درجة تجعل بعض المراقبين يتحدثون عنه كأكثر مستشاري ترامب تأثيراً في هذا الملف. يقول ستيفن ويت، مؤلف كتاب The Thinking Machine: Jensen Huang, Nvidia, And The World's Most Coveted Microchip: "أصبح جنسن الآن المستشار الأكثر تأثيراً على الرئيس في قضايا التكنولوجيا"، مضيفاً أن "الاثنين أصبحا قريبين جداً من بعضهما"، وأن ترامب وهوانغ يتحدثان هاتفياً "كثيراً" وفق وصفه.

وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت لخّص الأمر بوضوح قبيل قمة ترامب-شي الأخيرة، قائلاً إن "الرئيس متوافق تماماً مع جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة Nvidia" وهي عبارة كررها بصيغة أقصر: "متوافق تماماً".

لكن ويت يذهب أبعد من ذلك في تفسير آلية هذا التأثير، مستحضراً حواراً قديماً مع هوانغ: "حين قابلت جنسن قبل سنوات، أخبرني أن كل مشكلة في العالم هي في الحقيقة مشكلة هندسية"، ثم يوضح: "هذا صحيح سواء كانت المشكلة شخصية أو تجارية أو سياسية. تدرس المدخلات ثم تعدّلها للحصول على المخرجات التي تريدها". وتطبيقاً لهذا المنطق على حالة ترامب، يقول ويت: "أعتقد أن جنسن أدرك أن المدخلات المناسبة لترامب هي إطراء علني ومستمر بلا توقف. أما المخرجات فهي رفع القيود عن بيع معدات Nvidia للصين، وتنظيم شبه معدوم للذكاء الاصطناعي". ويضيف ويت أن كلام ترامب حول هذه القضايا يبدو أحياناً "بالضبط نقاط حديث جنسن نفسها".

هذا التقارب ليس مصادفة معزولة عن بنية صناعة الرقائق نفسها. يشير ويت إلى أن "معظم أهل صناعة العتاد، ومعظم من صمّموا معدات الشبكات والرقائق الدقيقة، يشعرون كما يشعر جنسن"، موضحاً أن هذه الفئة "لديها إحساس منخفض جداً بالمخاطر المرتبطة بهذه التقنية. هم ببساطة لا يرونها". وهو ما يجعل ويت يصف الجدل الدائر منذ عشر سنوات بين مجتمعَي صناعة العتاد وتطوير البرمجيات حول مخاطر الذكاء الاصطناعي بأن "لا أحد من المعسكرين تحرّك من موقعه إطلاقاً".

من جهته، يقدّم الباحث أندرو يون من منظمة CivAI غير الربحية المتخصصة في سلامة الذكاء الاصطناعي قراءة أكثر مباشرة للدوافع، قائلاً: "Nvidia هي الأكثر عدوانية في منطق: لنجنِ المال فقط"، ويضيف أن الشركة "في كل منعطف، تحاول فعلياً التأكد من أن كل ما يحدث يصبّ في مصلحة أرباح Nvidia". وفي المقابل، يشير ويت إلى واقع تنافسي أوسع: "جنسن هو فعلياً الوحيد الذي يريد بيع معداته للصين" بينما تدفع شركات مثل Anthropic وOpenAI، وهما من أكبر عملاء Nvidia، باتجاه معاكس تماماً، إذ تحثّان البيت الأبيض على أخذ مخاطر الذكاء الاصطناعي على محمل الجد.

هذا التوتر بين شركة تبيع الرقائق وشركات تستخدمها للحديث عن مخاطرها هو بالضبط نوع الشكوك الذي يستحق أن يطرحه القارئ قبل تصديق أي خطاب عن "أمان الذكاء الاصطناعي" يصدر عن طرف له مصلحة مباشرة في استمرار المبيعات.

قمة بلا تنازلات ولا حتى إيماءة رمزية

القمة الأخيرة بين ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ لم تسفر عن أي تنازلات فعلية بشأن ضوابط التصدير، واكتفى الطرفان بتمديد الهدنة التجارية بينهما لشهرين فقط. ويحذّر محللون من أن أي قيود أمريكية جديدة قد تدفع الصين إلى الرد بتقييد صادراتها من المعادن النادرة ورقة ضغط تملكها بكين وتعرف كيف تستخدمها.

اللافت أن القمة تضمّنت عشاء دولة ضمّ كبار قادة التكنولوجيا الأمريكيين: إيلون ماسك، وجيف بيزوس، وسام ألتمان، ومارك زوكربيرغ، وساتيا نديلا، بالإضافة إلى هوانغ نفسه. في المقابل، لم تدعُ الصين أياً من قادة قطاع التكنولوجيا لديها تفاوت في الحضور يثير تساؤلات حول من يملك فعلاً مقعداً على طاولة القرار في كل بلد.

النائب رو خانا، أبرز الديمقراطيين في اللجنة الخاصة بمجلس النواب المعنية بالصين، رأى أن ترامب كان بإمكانه اقتراح مجموعات تقنية لمراقبة تهديدات الذكاء الاصطناعي المشتركة، لكنه قال بوضوح إن ترامب "ليس لديه أي اهتمام بفعل ذلك". من جانبه، صرّح الرئيس الصيني شي بأن الولايات المتحدة والصين تتقاسمان "مسؤولية تطوير وإدارة الذكاء الاصطناعي من أجل الخير"، مؤكداً ضرورة "ضمان بقاء تطوير الذكاء الاصطناعي تحت السيطرة البشرية دائماً". لكن صحيفة The Guardian لاحظت أن القمة لم تشهد "حتى إيماءة رمزية" واحدة نحو إبطاء سباق الذكاء الاصطناعي من أي من الجانبين.

جوناثان تشين، الباحث في مركز الصين بمؤسسة بروكينغز، كان أكثر قسوة في تقييمه، قائلاً إن التوقعات كانت "منخفضة جداً بشأن تحقيق أي شيء جوهري من هذا الاجتماع، لكن الاجتماع نجح في أن يكون أسوأ حتى من تلك التوقعات المتدنية". وأضاف تشين ملاحظة أكثر إثارة للقلق حول من يتخذ القرار أصلاً: "حتى في هذا الاجتماع، أنت تتعامل مع رجل في السبعينيات وآخر في الثمانينيات، ربما لم يستخدم أي منهما هذه التقنية بشكل مباشر من قبل، ومع ذلك فإن مصير هذه التقنية موضوع على كتفيهما". وخلص تشين إلى أن "الشيء الوحيد الذي بدا أنهما اتفقا عليه هو أن كليهما لا يريد إبطاء وتيرة هذه التقنية، بصرف النظر عن فهمهما الفعلي لها".

"ليست سرقة، بل منافسة"

في خلفية هذا كله، تطفو قضية أخرى تتعلق بأمن نماذج الذكاء الاصطناعي نفسها: اتهم مكتب التحقيقات الفدرالي الأمريكي (FBI) ست شركات صينية بنسخ نماذج الذكاء الاصطناعي الأمريكية المتقدمة بشكل عدواني، فيما يُعرف تقنياً بعملية "التقطير" (Distillation) استخلاص معرفة نموذج متقدم عبر دراسة مخرجاته. لكن هوانغ رفض وصف هذه الممارسة بأنها "سرقة"، مفضّلاً تسميتها "منافسة"، وقال: "من حقك أن تختبر منتجات الآخرين كما تشاء". وأقرّ بأن منتجات Nvidia نفسها "تُفكَّك أحياناً حتى العظم" بينما تدرسها شركات أخرى، مضيفاً بصراحة نادرة: "كنت أفضّل حقاً لو لم يفعلوا ذلك... كنت أفضّل ألا يتعلم أحد من منتجاتنا، ونكتفي بالانطلاق بسلاسة. لكن، بصراحة، المنافسة تجعل كل شيء أفضل".

ما الذي ينتظرنا؟

يريد هوانغ أن تشتري الشركات الصينية ملايين الرقائق الإضافية من Nvidia في السنوات المقبلة، وقد لخّص طموحه بعبارة تسويقية معتادة: "سنحرص على أن يفوز الجميع في سباق الذكاء الاصطناعي الأمريكي. كل صناعة، كل شركة، كل ولاية، كل الناس". لكن هذا الخطاب التفاؤلي يصطدم بموقف ترامب نفسه من فكرة الرقابة على الذكاء الاصطناعي أصلاً؛ فقد وصف مخاوف السلامة في مناسبة سابقة بأنها "خدعة" (hoax)، وكتب قبيل قمة "All-In" التي استضافها مستشاره السابق لشؤون الذكاء الاصطناعي ديفيد ساكس: "الضابط الوحيد أو 'الحواجز الوقائية' التي يحتاجها الذكاء الاصطناعي هو رئيس قوي وذكي (بمعدل ذكاء مرتفع!)، وأمريكا تملك ذلك بامتياز!".

بين هذا الخطاب وبين آلية إنذار مشتركة خالية من الخبراء التقنيين، وبين شركة تبيع رقائق "قديمة" بحسب وصفها هي نفسها لتغذية سباق ذكاء اصطناعي في بلد منافس يبقى السؤال الذي طرحه ويت هو الأدق تلخيصاً للمشهد: حين تكون "المدخلات" هي الإطراء المستمر، فما الذي يضمن أن تكون "المخرجات" في مصلحة أي طرف غير الشركة التي تبيع الرقائق؟

أخبار ذات صلة

Loading...
أبخرة كثيفة تنبعث من مداخن محطة فحم فور كورنرز في أريزونا، مما يعكس تأثير تمديد تشغيل المحطة على التلوث والصحة العامة.

أريزونا باور سرفيس تسعى لإحياء محطة فور كورنرز الفحمية قبل إغلاقها المقرر

تمديد تشغيل محطة فور كورنرز للفحم حتى 2038 يهدد صحة سكان نيو مكسيكو ويزيد التلوث مع ارتفاع التكاليف. اكتشف تأثير الفحم على البيئة والصحة وكن جزءاً من الحل بمتابعة التفاصيل.
أعمال
Loading...
خلفية سيارة Rivian الكهربائية R2 باللون الأخضر مع شعار الشركة وإضاءة خلفية ممتدة، تعكس توسع الشركة في السوق الواسعة.

ريفيان تحقق رقماً قياسياً جديداً بفضل طراز R2

حققت Rivian قفزة نوعية في مبيعات مركباتها الكهربائية مع إطلاق طراز R2، ما يفتح آفاقاً جديدة في السوق المتوسطة ويقربها من منافسة Tesla. اكتشف تفاصيل نموها وخططها المستقبلية الآن.
أعمال
Loading...
سيارتا BMW 3 Series 2027 باللونين الأحمر والأزرق متوقفتان على طريق ريفي، تمثلان مقارنة بين النسخة الكهربائية i3 ونسخة البنزين M350 ضمن فئة السيارات الفاخرة.

سيارة BMW الكهربائية أرخص بـ 4400 دولار من نسختها البنزينية

BMW تكسر القواعد بسيارة i3 50 xDrive الكهربائية التي أصبحت أرخص من نسخة البنزين M350 xDrive بفارق 4400 دولار. اكتشف كيف تغير الأسعار مستقبل السيارات الكهربائية وكن أول من يعرف التفاصيل!
أعمال
Loading...
شاحنة توصيل كهربائية بيضاء تحمل شعار FedEx وشعار Harbinger، تعكس التحول نحو أساطيل شحن كهربائية في قطاع النقل.

FedEx تطلب 2000 شاحنة كهربائية من Harbinger بصفقة 300 مليون دولار

توقيع FedEx صفقة ضخمة بـ300 مليون دولار لشراء 2000 شاحنة كهربائية من Harbinger يعيد تشكيل مستقبل النقل والتوصيل. اكتشف كيف ستغير هذه الخطوة صناعة الشحن وفرص العمل الآن!
أعمال
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية