تراجع الهيدروجين وتحول الكهرباء يعيد تشكيل مستقبل الطاقة
تراجع كبير في توقعات الطلب على الهيدروجين في هولندا مع تحول واضح نحو الكهرباء لتقليل الانبعاثات وتخفيض التكاليف. كيف سيؤثر هذا التغيير على مستقبل الطاقة والبنية التحتية؟ اكتشف التفاصيل مع وورلد برس عربي.

في مسوّدة تحديث خطّة الطاقة الهولندية لعام 2026، رقمٌ واحد يلخّص تحوّلاً هيكلياً كاملاً: تراجع تقدير الطلب على الهيدروجين في عام 2040 من نحو 460 بيتاجول في خطة 2023 إلى نحو 200 بيتاجول في التحديث الجديد أي تقليصٌ بنسبة تقارب 57%. الرقم بحدّ ذاته يستحقّ التوقّف، لكنّ ما يستحقّ توقّفاً أطول هو أنّ التحليلات المتخصّصة، ومنها تقرير TFIE Strategy Briefing، ترى أنّ هذا التقليص، رغم حدّته، ربما لا يزال غير كافٍ.
القصة هنا ليست عن هولندا وحدها، بل عن كيفية إعادة صياغة أوروبا لعلاقتها بالهيدروجين كأداة تحوّلٍ طاقي. فبينما راهنت ألمانيا على توسيع الهيدروجين على نطاقٍ واسع، بنت هولندا منظومةً متكاملة من الإنتاج والاستيراد وخطوط الأنابيب والتخزين بل صنعت طلباً مصنّعاً لتبرير هذه البنية. التحديث الجديد يفكّك جزءاً كبيراً من هذا الافتراض، ويضع الكهرباء في قلب مسار خفض الانبعاثات.
الكهرباء تستعيد المركز، والهيدروجين يتقلّص من أين؟
الانكماش في تقديرات الهيدروجين ليس عشوائياً؛ إنّه انسحابٌ ممنهج من تطبيقاتٍ بعينها. توليد الكهرباء القابل للتحكّم يكاد يختفي كلياً من التصوّر الجديد. الحرارة الصناعية المنخفضة والمتوسطة الدرجة تتحوّل إلى الكهربة المباشرة. المباني تحتفظ بحدٍّ أدنى من استخدام الهيدروجين، يكاد يقتصر على مشاريع تجريبية. أمّا النقل البرّي والطيران والشحن البحري، فيبقى استخدامها المباشر للهيدروجين محدوداً، مع تحوّل جزءٍ كبير من إنتاج الوقود التخليقي نحو استيراد مواد وسيطة ووقود جاهز من مناطق تتوفّر فيها الكهرباء المتجددة الرخيصة.
النتيجة العملية: تتوقّع الخطة أن تغطّي الكهرباء 52% من الطلب النهائي على الطاقة في هولندا بحلول 2040، مقارنةً بنحو 25% اليوم. الأرقام المرافقة لهذا التحوّل لافتة أيضاً: كهربة نشاط النقل البرّي بين 71% و88% حسب فئة المركبة، وارتفاع نسبة الأسر التي تستخدم مضخّات حرارية كهربائية بالكامل أو هجينة إلى نحو 64% من الأسر الهولندية بحلول 2040، إلى جانب زيادة كبيرة في استهلاك الكهرباء الصناعي.
ما قد لا يظهر بوضوح في العناوين هو أنّ هذا التحوّل ليس مجرّد استبدال مصدرٍ بآخر، بل تصحيحٌ في طريقة قياس الطاقة نفسها. المحاسبة القائمة على الطاقة النهائية تقيس الطاقة التي تصل إلى المستهلك، لا العمل المفيد الناتج عنها. مجموعات الدفع الكهربائي تهدر طاقةً أقلّ من محركات الاحتراق، والمضخّات الحرارية تُنتج وحدات حرارة متعدّدة لكلّ وحدة كهرباء مشتراة. هذا الفرق في الكفاءة يعني أنّ نسبة 25% الحالية للكهرباء من الطاقة النهائية تُخفي حجماً فعلياً من "العمل" أكبر مما تشير إليه الأرقام المجرّدة وهي نقطةٌ تناولها تحليلٌ منفصل حول قياسات الطاقة الخاطئة التي تُستخدم للتوجيه السياسي.
الفجوة بين الكلفة المتوقّعة والكلفة الفعلية
الإشارة الأضعف في هذا الملف، والتي قد تفسّر جانباً كبيراً من التصحيح، هي فجوة التكلفة. التحليلات الهولندية السابقة كانت تقدّر تكلفة الهيدروجين المتجدّد بنحو 1.70 إلى 4.70 يورو للكيلوغرام قرب عام 2030. الواقع كان مختلفاً: متوسط عروض المزاد الأوّل لبنك الهيدروجين الأوروبي في 2026 بلغ نحو 9.80 يورو للكيلوغرام أكثر من ضعف السقف الأعلى للتقديرات القديمة. أمّا تقديرات 2040 المعدَّلة نفسها، فتضع الكلفة عند نحو 6.70 إلى 6.80 يورو للكيلوغرام، وهو مستوى لا يزال بعيداً عن التوقّعات المتفائلة التي بُنيت عليها الخطة الأصلية.
هذه الفجوة السعرية تفسّر لماذا يتراجع الطلب الحالي على الهيدروجين، البالغ نحو 130 بيتاجول أو ما يعادل 1.1 مليون طن سنوياً يتركّز أساساً في التقطير والأمونيا والكيماويات عن الوصول إلى الرقم الذي كانت تصوّره الرؤية القديمة عند 460 بيتاجول، أي نحو 3.8 مليون طن سنوياً. الحالة المرجعية الجديدة عند 200 بيتاجول تعني نحو 1.7 مليون طن سنوياً، أي زيادة بنسبة 54% عن الاستهلاك الحالي فقط، لا الانفجار الذي كان متوقّعاً سابقاً. وتشير الخطة إلى أنّ إنتاج المصافي يُتوقّع أن ينخفض بنحو النصف، وأنّ الأمونيا المتجدّدة تفقد تنافسيتها تدريجياً أمام الواردات، بينما يتحوّل إنتاج الوقود التخليقي أكثر نحو مناطق ذات كلفة إنتاجٍ أقل.
من يتحمّل كلفة البنية التحتية إذا لم يظهر الطلب؟
هنا تكمن المعادلة الأخطر بالنسبة لصنّاع السياسة، وليس فقط لمحلّلي الطاقة: تمويل بنية الهيدروجين التحتية الأنابيب، التخزين، محطات الاستيراد يقوم على توقّعات مستقبلية لعدد الزبائن وحجم التدفّق. إذا تأخّر الطلب فقط، يمكن توزيع كلفة الشبكة المبكرة على مستخدمين لاحقين. أمّا إذا كان التراجع في الطلب دائماً وليس مؤجّلاً، فإنّ هذه المعادلة تنهار: لا يمكن معالجة انخفاضٍ بنيوي بالأدوات المصمّمة لتأخيرٍ زمني.
وهنا يكمن السبب الذي يجعل بعض المحلّلين، بما فيهم مؤلّفي تحليل TFIE، يعتبرون تحديث 2026 خطوة كبيرة إلى الأمام مقارنةً بخطة 2023، لكنّه لا يزال، في تقديرهم، غير كافٍ من حيث التقليص. الخطة نفسها تعترف بأنّ الطلب قد ينخفض عن سقف 200 بيتاجول، وتحدّد أسباباً محتملة: تراجع الولايات التنظيمية الملزمة، أو كلفة إنتاج هولندي مرتفعة، أو استمرار موجة الكهربة، أو فشل ظهور نشاطٍ صناعي جديد كان مفترضاً في السيناريو. الخطة تضع 200 بيتاجول كحالة مرجعية أساسية و300 بيتاجول كسقفٍ تصاعدي لكنّ غياب سيناريو تنازلي واضح ومُقنَّن يبقى الثغرة التي يشير إليها التحليل المتخصّص. بالمقابل، تحتفظ الخطة بموقفٍ واضح: الهيدروجين مرفوض كبديلٍ مؤقّت أو بنيوي للحرارة الصناعية المنخفضة والمتوسطة، لكنّه يبقى ضرورياً في الكيمياء الصناعية القائمة، ومحتمل الجدوى في تطبيقاتٍ أخرى حيثما كانت الكلفة المسلَّمة قابلة للتحمّل.
ثلاثة مسارات تبدو منطقية لتطوّر الطلب الهولندي على الهيدروجين بين الآن وعام 2040: الأرجح، استقرار الطلب قرب مستوى الحالة المرجعية عند 200 بيتاجول، مع تعديلاتٍ طفيفة صعوداً أو نزولاً بحسب مسار كلفة الإنتاج المحلي والمنافسة مع الواردات. المحتمل، انزلاقٌ نحو ما دون 200 بيتاجول إذا استمرّت موجة الكهربة في الصناعة والنقل بمعدّلٍ أسرع من المفترض، أو إذا تعثّرت الولايات التنظيمية الأوروبية الملزمة باستخدام الهيدروجين. الأقلّ احتمالاً، بلوغ السقف التصاعدي عند 300 بيتاجول، وهو مشروطٌ بظهور نشاطٍ صناعي جديد لم يتحقّق بعد في الحسابات الحالية. أيّ من هذه المسارات يتحقّق سيحدّد، إلى حدٍّ كبير، من سيتحمّل كلفة البنية التحتية التي بُنيت على افتراضاتٍ صار جزءٌ منها مهجوراً بالفعل وهو سؤالٌ يتجاوز هولندا إلى كل خطط الهيدروجين الأوروبية التي بُنيت على منطقٍ مشابه. التحليل الكامل لهذا التحوّل متاحٌ في قراءة تفصيلية لتقليص هولندا لتوقّعات الهيدروجين.
أخبار ذات صلة

ثورة الطاقة الشمسية غير المرئية في أفريقيا

شحن السفن والطائرات في الموانئ والمطارات الأوروبية: مسارات تسريع الكهربة

ضيق المساحات يدفع مطوّري الطاقة الشمسية للابتكار
