لحظة عبور صاروخ أمام الشمس تفتح أسرار الكون
إطلاق تلسكوب Nancy Grace Roman الفضائي من فلوريدا ليس مجرد حدث علمي بل لحظة نادرة تجمع الفلك والتصوير في مشهد عبور صاروخ أمام الشمس. اكتشف كيف رصد المصورون هذه اللحظة الفريدة ورحلة التلسكوب إلى حافة الكون مع وورلد برس عربي.

في الثلاثين من أغسطس 2023، لم يكن المشهد مجرّد إطلاق صاروخ آخر من شاطئ فلوريدا. كان ثمّة من جلس في موقف سيارات متجر في مدينة Titusville، على بُعد نحو 19 كيلومتراً من منصّة الإطلاق، يُصوّب عدسته نحو الشمس في انتظار لحظةٍ نادرة: أن يعبر صاروخٌ فضائي أمام قرص الشمس كظلٍّ عابر في الفضاء. هذا ما حدث فعلاً، وهو ما جعل إطلاق تلسكوب Nancy Grace Roman الفضائي التابع لـ NASA حدثاً يستحقّ التوقّف عنده — ليس فقط لأهمّيته العلمية، بل لأنّ اللحظة نفسها كانت تجمّعاً نادراً بين الفلك والتصوير الفوتوغرافي والمجازفة المحسوبة.
رحلة إلى حافة الكون: ما هو تلسكوب Roman؟
أقلع صاروخ SpaceX Falcon Heavy في تمام الساعة 07:26:49 صباحاً بتوقيت الساحل الشرقي الأمريكي (11:26:49 بتوقيت غرينتش)، من منصّة الإطلاق LC-39A في مركز Kennedy Space Center بولاية فلوريدا، حاملاً على متنه تلسكوب Nancy Grace Roman الفضائي في مهمّةٍ ستُعيد رسم حدود ما نعرفه عن الكون.
التلسكوب — الذي يُعدّ من أبرز المراصد الفضائية التابعة لـ NASA — لم يُصمَّم ليحلّ في مدارٍ قريب من الأرض، بل سيستقرّ في نقطةٍ مداريّة تبعد قرابة مليون ميل عن كوكبنا. الهدف من هذا الموقع البعيد: التقاط أوسع مشاهد للكون لم تُسجَّل من قبل، ورسم خرائط للكواكب الخارجة عن منظومتنا الشمسية (exoplanets)، والتحقيق في ظاهرتَي المادة المظلمة (dark matter) والطاقة المظلمة (dark energy) اللتين تُشكّلان معظم مادة الكون وطاقته، وتبقيان من أكبر الألغاز في الفيزياء الحديثة.
ما يزيد هذا الإطلاق ندرةً أنّ Falcon Heavy — الصاروخ ذو الثلاثة معزّزات — يُطلَق بتواترٍ أقلّ بكثير من نظيره Falcon 9، مما يجعل كلّ إطلاق له حدثاً بحدّ ذاته. يُضاف إلى ذلك أنّ نافذة الإطلاق كانت «آنيّة» (instantaneous)، أي أنّ التوقيت كان مقيّداً بالثانية بلا هامش للتأخير — وهو ما يزيد من الضغط التشغيلي على فرق الإطلاق.
قرار في آخر لحظة: الرهان على العبور الشمسي
في الساعة السادسة والنصف تقريباً من صباح ذلك اليوم، كان Josh Dinner، الكاتب المتخصّص في رحلات الفضاء لدى Space.com، يقف في موقع الصحافة بـ Kennedy Space Center. أمامه خياران: أن يبقى حيث هو ويشهد الإطلاق من الموقع الرسمي، أو أن يقطع نحو 25 دقيقة بالسيارة نحو موقف سيارات متجر Hobby Lobby في Titusville — وهو الموقع الوحيد الذي يتيح التقاط الصاروخ وهو يعبر قرص الشمس في لحظة عبورٍ شمسي نادرة.
لم يكن القرار سهلاً. كانت توقّعات الطقس قبل يوم من الإطلاق — في إحاطة المهمّة التي جرت في 29 أغسطس 2023 — تُشير إلى أنّ احتمال الظروف الملائمة للإطلاق لا يتجاوز 50%. أن تُخاطر بترك الموقع الرسمي وتقطع المسافة، ثم يُلغَى الإطلاق أو تحجب الغيوم الشمس — هذا سيناريو يعرفه كلّ مصوّر فضائي محترف.
لكنّ Dinner قرّر المجازفة، وكذلك فعل David Diebold، المصوّر الفضائي من Space Scout. وحين سُئل عن الدافع، لخّص الأمر في أربع كلمات: "No guts, no glory" — لا مجازفة، لا مجد.
العدسة والشمس: كيف يُخطَّط لمثل هذه اللقطات؟
التصوير الفلكي للعبور الشمسي ليس مجرّد حظٍّ وتوقيت جيّد؛ إنّه علمٌ قائم بذاته. استعان Dinner ومصوّرون آخرون من بينهم Andrew McCarthy من Consider the Cosmos و Max Evans من NASA Space Flight، بثلاثة أدوات رقمية متخصّصة لتحديد الموقع والتوقيت المثالَين:
- FlightClub.io: برنامج لتوقّع مسار الصاروخ
- PhotoPills: تطبيق لتخطيط جلسات التصوير الفوتوغرافي
- The Photographer's Ephemeris: تطبيق لحساب موضع الشمس والقمر في أي موقع وزمان
بعد تحديد الموقع الأمثل — موقف Hobby Lobby على بُعد نحو 12 ميلاً (19 كم) من منصّة الإطلاق — جرى ضبط الكاميرا بدقّة متناهية. استخدم Dinner كاميرا Canon EOS R5 Mark II مزوّدة بعدسة RF100-400mm F5.6-8 وفلتر شمسي واقٍ. الإعدادات التقنية كانت: سرعة غالق 1/20000 ثانية، فتحة عدسة F16، مع تكبير العدسة إلى أقصاها عند 400mm — إعداداتٌ تُتيح تجميد حركة الصاروخ أمام الشمس في كسرٍ من الثانية.
ندرة هذه اللقطة لا تعود فقط إلى صعوبة التنفيذ التقني، بل إلى أنّ العبور الشمسي لصاروخٍ يتطلّب تزامناً دقيقاً بين ثلاثة متغيّرات: موضع الشمس في الأفق في تلك اللحظة تحديداً، ومسار الصاروخ بعد الإطلاق، وموقع المصوّر على الأرض. أيّ اختلالٍ في أيٍّ منها يُفوّت اللحظة إلى الأبد.
ما الذي يعنيه هذا للمتابع العربي؟
قد يبدو الأمر للوهلة الأولى مجرّد خبر فضائي أمريكي. لكنّ مهمّة تلسكوب Nancy Grace Roman تمسّ أسئلةً كونيةً تتجاوز الحدود الجغرافية: كيف تشكّل الكون؟ ما طبيعة المادة المظلمة التي لا نراها لكنّها تُشكّل نحو 27% من كتلة الكون؟ وما الطاقة المظلمة التي تُسرّع تمدّد الكون وتُمثّل نحو 68% من محتواه؟ هذه الأسئلة ليست حكراً على مجتمعٍ علمي بعينه، بل هي في صميم الفضول الإنساني المشترك.
ما يلفت النظر كذلك هو الجانب المتعلّق بالتصوير الفلكي الميداني: ثمّة مجتمعات عربية ناشئة من هواة الفلك والتصوير الليلي — في المغرب ومصر والأردن والإمارات — تتابع هذه الأحداث بشغفٍ حقيقي، وتجد في أدوات مثل PhotoPills و FlightClub.io مرجعاً عملياً لتخطيط جلساتها التصويرية.
أمّا على صعيد الدرس الأشمل، فإنّ قصّة Josh Dinner وزملائه تُذكّر بأنّ العلم والفنّ يلتقيان أحياناً في موقف سيارات، في لحظةٍ لا تُعاد، تستدعي مجازفةً مدروسة لا تهوّراً أعمى. الصاروخ يُطلَق مرّةً واحدة، والشمس لن تكون في الموضع ذاته غداً — وهذا بالضبط ما يجعل هذه اللحظات تستحقّ الرصد والتوثيق.
تلسكوب Roman لم يصل بعد إلى وجهته النهائية على بُعد مليون ميل من الأرض حين كُتبت هذه السطور، لكنّ البيانات الأولى التي سيُرسلها ستُعيد — على الأرجح — طرح أسئلةٍ أكثر ممّا ستُجيب عنها. وهذا، في نهاية المطاف، هو ما يدفع البشر إلى بناء صواريخ وتصويب عدساتٍ نحو الشمس.
أخبار ذات صلة

SpaceX تنقل معزّز Super Heavy الضخم إلى منصة الإطلاق قبل رحلة Starship المدارية الأولى

كيف تُهندس الثقوب السوداء فائقة الكتلة مجراتٍ بأكملها؟

تغيّرات الدماغ في سن اليأس: دراسة بالتصوير تكشف تأثيراً مؤقتاً على الشيخوخة
