عودة البشر إلى القمر برحلة أرتيميس 2 المذهلة
شاهد تفاصيل إطلاق مهمة أرتيميس 2 التي أعادت البشر إلى مدار القمر بعد عقود بكاميرات متخصصة تكشف أسرار هندسية مذهلة. خطوة حاسمة نحو استكشاف القمر وبناء مستقبل فضائي جديد مع وورلد برس عربي.

أعادت وكالة ناسا الأمريكية للفضاء (NASA) إلى الواجهة أحد أكثر مشاهد استكشاف الفضاء إثارةً في العقود الأخيرة، بعدما أفرجت عن لقطات فيديو متخصّصة لإطلاق مهمة أرتيميس 2 (Artemis II)، وهي المهمة التي أعادت البشر إلى مدار القمر لأول مرة منذ نهاية برنامج أبولو (Apollo) عام 1972. اللافت في هذه اللقطات ليس فقط جمالها البصري، بل ما تكشفه من تفاصيل هندسية دقيقة لم تكن مرئية للعين المجرّدة ولا لكاميرات التصوير التقليدية.
انطلق صاروخ نظام الإطلاق الفضائي (Space Launch System - SLS) في الأول من أبريل من منصة الإطلاق رقم 39 ب (Launch Complex-39B) في مركز كينيدي للفضاء التابع لناسا بولاية فلوريدا، حاملاً على متنه أربعة رواد فضاء: ريد وايزمان (Reid Wiseman)، وفيكتور غلوفر (Victor Glover)، وكريستينا كوخ (Christina Koch) من ناسا، إلى جانب الكندي جيرمي هانسن (Jeremy Hansen). استمرّت المهمة عشرة أيام، طاف خلالها مركبة أوريون (Orion) حول القمر قبل أن تعود إلى الأرض، في أول رحلة مأهولة لهذه المركبة على الإطلاق.
ماذا كشفت الكاميرات المتخصّصة؟
اعتمدت ناسا في توثيق الإطلاق على عشرات الكاميرات الهندسية الموزّعة عند قاعدة منصة الإطلاق وعلى متن طائرات مسيّرة، بالإضافة إلى نظام SCIFLI، وهو اختصار للتصوير الجوي المُعايَر علمياً أثناء الطيران. وغطّت هذه المنظومة نطاقاً واسعاً من الأطياف: الضوء المرئي، والأشعة تحت الحمراء القريبة (NIR)، والأشعة تحت الحمراء قصيرة الموجة (SWIR)، والأشعة تحت الحمراء متوسطة الموجة (MWIR)، إلى جانب الأشعة تحت الحمراء التقليدية.
الهدف من هذا التعدّد ليس تقنياً بحتاً؛ فالكاميرات العادية عجزت عن التقاط كل تفاصيل الإطلاق، إذ يطغى وهج محركات الصاروخ على أي تفاصيل أخرى قد تكون مفيدة للمهندسين. لذلك لجأ فنيّو ناسا إلى تقنيات تصفية الطول الموجي لتخفيف سطوع ألسنة اللهب، ما سمح برصد لحظات دقيقة مثل اشتعال المحركات، وفصل الداعمين الصاروخيين الصلبين، ومسار الصاروخ وهو يغادر الغلاف الجوي للأرض تدريجياً. من يرغب في مشاهدة هذه اللقطات كاملةً يمكنه الاطّلاع عليها عبر أرشيف ناسا المرئي لمهمة أرتيميس 2.
هذا الاهتمام العام باللحظة لم يكن مفاجئاً: أكثر من 300 ألف شخص توافدوا إلى منطقة "الساحل الفضائي" (Space Coast) في فلوريدا لمشاهدة الإطلاق مباشرة، موزَّعين على عشرات المواقع حول مركز كينيدي والمدن المجاورة له، في مشهدٍ يعكس حجم الترقّب لعودة الإنسان إلى الفضاء العميق بعد غياب دام أكثر من خمسة عقود.
أرتيميس 2 كاختبارٍ لا كوجهة
من الناحية العلمية، لم تكن أرتيميس 2 مهمة استعراضية بقدر ما كانت اختباراً نظامياً شاملاً لمركبة أوريون، خصوصاً أنظمة دعم الحياة التي ستعتمد عليها الأطقم البشرية في المهمات اللاحقة. وبما أنها أول مهمة مأهولة ضمن برنامج أرتيميس، فقد شكّلت نقطة تحوّل ضرورية قبل الانتقال إلى مراحل أكثر تعقيداً تتضمّن هبوطاً فعلياً على سطح القمر.
فبعد نحو ستة أشهر من عودة رواد أرتيميس 2 من رحلتهم حول الجانب البعيد للقمر، تتجّه أنظار ناسا الآن إلى محطتين مقبلتين: أرتيميس 3، المقرَّر إطلاقها في منتصف عام 2027، وأرتيميس 4، المستهدَفة في عام 2028.
ما الذي يميّز أرتيميس 3؟
ستحمل أرتيميس 3 على متنها طاقماً جديداً يضمّ راندي بريسنيك، وفرانك روبيو، وأندرو دوغلاس من ناسا، إلى جانب الإيطالي لوكا بارميتانو من وكالة الفضاء الأوروبية (European Space Agency). ورغم أن هذه المهمة ستقضي وقتاً أطول في الفضاء نحو أسبوعين مقارنةً بعشرة أيام لأرتيميس 2 إلا أنها لن تقطع مسافة أبعد من سابقتها.
الفارق الجوهري يكمن في طبيعة المهمة نفسها: ستنطلق أوريون هذه المرة إلى مدار الأرض فقط، لتلتقي هناك بمركبتين تجاريتين للهبوط على القمر تعاقدت معهما ناسا، هما ستارشيب (Starship) التابعة لشركة SpaceX، وبلو مون (Blue Moon) التابعة لشركة Blue Origin. وستُجري أوريون عمليتي التقاء وإرساء منفصلتين مع كل مركبة على حدة، في اختبارٍ للتوافق التشغيلي بين المركبة الأم ونظامَي الهبوط المختلفين وهي خطوة تقنية حاسمة قبل أن تتولى إحدى هاتين المركبتين مهمة إنزال رواد فعليين على سطح القمر ضمن أرتيميس 4، والتي ستكون أول هبوط بشري مأهول في إطار البرنامج بأكمله.
هذا التسلسل التدريجي من رحلة مدارية حول القمر، إلى اختبار الالتقاء مع مركبات هبوط تجارية، فهبوط فعلي يعكس منطق إدارة المخاطر الذي تتبعه الوكالات الفضائية الكبرى حين تتعامل مع أنظمة بشرية معقّدة. فبرنامج أرتيميس بأكمله يستهدف في نهاية المطاف إقامة قاعدة دائمة على سطح القمر خلال ثلاثينيات هذا القرن، وما جرى توثيقه بهذه الكاميرات المتخصّصة ليس سوى الخطوة الأولى المرئية في مسارٍ طويل لا يزال أمامه محطات حاسمة قبل أن يطأ إنسانٌ سطح القمر من جديد.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX مهمة سرية لقوات الفضاء الأمريكية من كاليفورنيا

صاروخ Rocket Lab يحمل قمراً راداريّاً يابانياً الليلة

تلسكوب ناسا الجديد: مشروع بمليار دولار في وقتٍ قياسي
