القمر يحفظ أسرار النجوم في تربة صامتة
يحتفظ القمر بسجل كوني نادر لحوادث انفجارات النجوم عبر ملايين السنين بفضل غياب العوامل الجوية والتكتونية. نموذج رياضي جديد يساعد العلماء على قراءة هذه الذاكرة الفضائية بدقة أكبر استعداداً لمهمات Artemis القادمة وورلد برس عربي.

تحمل تربة القمر، في طبقاتها الصامتة، ذاكرةً كونيةً لا يستطيع كوكبنا الاحتفاظ بها؛ فبينما تمحو العمليات الجيولوجية على الأرض معظم آثار الانفجارات النجمية القديمة، يظل سطح القمر أرشيفاً أميناً لتاريخ المجرة على مدى ثمانين إلى مئة مليون سنة أو أكثر. اليوم، بات العلماء أقرب من أي وقت مضى إلى قراءة هذا الأرشيف بدقة، بفضل نموذج رياضي جديد طوّرته العالِمة Emily Costello من جامعة University of Hawaii at Mānoa، ونُشرت نتائجه في 14 أغسطس 2024 في مجلة Physical Review Letters.
القمر يحفظ ما تمحوه الأرض
حين تنفجر نجوم ضخمة في نهاية حياتها، تُرسل نحو الفضاء وابلاً من النظائر المشعة بسرعاتٍ هائلة، تستقر في نهاية المطاف على أسطح الكواكب والأقمار. وعلى الأرض، لا تتجاوز موثوقية هذه السجلات عشرة ملايين سنة، إذ تطمسها عمليات التعرية والتكتونية. أما القمر، الخالي من الغلاف الجوي والرياح والمطر وحركة الصفائح، فيحتفظ بهذه البصمات الكونية لفترات أطول بكثير.
غير أن ثمة عائقاً: ظاهرة «تحريك التربة بالاصطدامات» (impact gardening)، إذ تتسبب النيازك الصغيرة والكويكبات في خلط طبقات التربة القمرية المعروفة بـ«الريغوليث» (regolith) باستمرار، مما يُعقّد قراءة التوزيع العمقي للنظائر المشعة ويجعل تفسير السجل الكوني أمراً عسيراً.
نموذج يوازن قوى متشابكة
تصف Costello نموذجها بأنه يعالج هذه التعقيدات في آنٍ واحد: "لنمذجة تحريك التربة بالاصطدامات، علينا الموازنة بين شبكة معقدة من الآليات الفيزيائية، تشمل الضغط الناجم عن الاصطدامات، والحفر، والتحلل الإشعاعي، والتجوية الفضائية، وكلها تعمل في آنٍ واحد ضمن نموذج متصل أنيق."
وتُضيف أن النموذج يُعامل تحريك التربة القمرية باعتباره تنافساً بين قوتين: الدفن والحفر. وقد اختُبرت تنبؤاته مقارنةً بقياسات فعلية؛ فطابقت توزيعات تركيز الحديد-60 في عيّنات مهمات Apollo، وكذلك في رواسب أعماق البحار على الأرض. كما تنبّأ النموذج بملفات الدفن لنظائر مشعة أخرى من بينها البلوتونيوم-244 واليود-129 والهافنيوم-182 والكوريوم-247.
تقول Costello: "حين شاركتُ نتائج النموذج لأول مرة، فوجئ زملائي بمدى التطابق بين النموذج والقياسات. هذا المستوى من الدقة بين الملاحظات التجريبية ونموذج فيزيائي أمرٌ مثيرٌ وملحوظ."
ذاكرة النجوم وبوابة Artemis
رصد الباحثون ذروتين لنشاط المستعرات العظمى القريبة: الأولى قبل 2.3 مليون سنة، والثانية قبل 7.3 مليون سنة. وتُشير هذه البيانات إلى أن المجموعة الشمسية مرّت بمراحل نشاط نجمي مكثّف في محيطها الكوني، وهو ما يمكن للقمر وحده أن يوثّقه بدقة تتجاوز ما تتيحه سجلات الأرض.
وتُلخّص Costello الرهان العلمي الكبير بعبارة تجمع الشعر والعلم: "أجد الأمر بالغ الجمال؛ أن تُستخدم بقايا نجوم غابرة لاستكشاف التاريخ الشاسع لجوارنا الأرضي-القمري، إذا امتلكنا معرفة قراءة غبار النجوم."
مع الاستعداد لمهمات Artemis القادمة، التي ستُعيد عيّنات من أعماق أكبر في التربة القمرية، يرى الباحثون أن النموذج سيكون أداةً أساسية لفكّ شفرة الطبقات المختلطة. وكما تقول Costello: "فهم فيزياء خلط الريغوليث يضمن أنه حين يعود رواد الفضاء بأعمدة حفر أعمق، نستطيع قراءة الطبقات المتشابكة بشكل صحيح لإعادة بناء تاريخ رحلة مجموعتنا الشمسية عبر المجرة." السؤال لم يعد إن كان القمر يحمل هذا التاريخ، بل متى نبدأ قراءته.
أخبار ذات صلة

SpaceX تنقل معزّز Super Heavy الضخم إلى منصة الإطلاق قبل رحلة Starship المدارية الأولى

كيف تُهندس الثقوب السوداء فائقة الكتلة مجراتٍ بأكملها؟

تغيّرات الدماغ في سن اليأس: دراسة بالتصوير تكشف تأثيراً مؤقتاً على الشيخوخة
