اكتشاف الأقزام البنية الأقل كتلة في حضانة نجمية قريبة
كشف تلسكوب جيمس ويب عن تسعة أقزام بنية جديدة في حضانة نجمية قريبة وهي الأقل كتلة التي تُرصد حتى الآن ما يفتح آفاقاً لفهم الحدود بين النجوم والكواكب في الكون عبر رصد متكامل مع أشعة تشاندرا السينية وورلد برس عربي

كشف تلسكوب جيمس ويب الفضائي عن واحدة من أضخم "البانوراما" التي التقطها حتى الآن، لكنّ ما يستحقّ التوقّف عنده ليس اتساع المشهد بقدر ما هو اكتشاف تسعة أجرام سماوية جديدة، بعضها لا يتجاوز كتلته ضعف كتلة كوكب المشتري بقليل وهي أجسام يصفها العلماء بـ"النجوم الفاشلة"، ويُرجَّح أنها الأقزام البنية الأخف كتلةً التي رُصدت على الإطلاق.
المشهد الذي التقطه ويب بالأشعة تحت الحمراء القريبة يصوّر IC 348، وهي حضّانة نجمية تُعدّ من بين الأقرب إلى الأرض ضمن الحضّانات المعروفة. تظهر في الصورة نجوم فتيّة متناثرة بين سحبٍ داكنة وأخرى مضيئة من الغاز والغبار، مع تركّز ملحوظ لهذه النجوم الفتيّة قرب مركز الإطار. النجوم الساطعة في المنتصف تُظهر أشواكاً ضوئية مميزة، وهي ظاهرة بصرية تنتج عن التصميم الهندسي لمرايا التلسكوب ونظامه الضوئي، وليست خاصية فيزيائية للنجوم نفسها.
ماذا يحدث في الزاوية العلوية اليمنى من الصورة؟
في هذا الجزء من IC 348، ترصد الصورة نجوماً ما تزال في طور التكوّن، تُعرف بالنجوم الأوّلية، وهي تُطلق تيارات من المادة إلى محيطها. هذه النفّاثات المحاطة بالغبار تصطدم بسحب الغاز والغبار المجاورة، فتتشكّل منها أجسام مضيئة تُعرف علمياً باسم أجسام هيربيغ-هارو، يمكن أن تمتد لتريليونات الأميال في الفضاء. هذه المرحلة تمثّل طوراً مختلفاً تماماً عن طور النجوم الفتيّة المكتملة الظاهرة في وسط الصورة، ما يجعل من IC 348 مختبراً طبيعياً لمقارنة مراحل تكوّن النجوم المتعاقبة داخل حضّانة واحدة.
هذا التفاوت في الأعمار والكتل يعكس التنوّع الكبير في مصائر النجوم: فبعضها، وهي النجوم الضخمة، قد ينفجر كمستعرٍ أعظم (سوبرنوفا) بعد ملايين قليلة من السنين فقط، في حين أنّ الأقزام الحمراء وهي أصغر النجوم وأكثرها شيوعاً في الكون يمكن أن تبقى مشتعلة لمليارات السنين.
كيف عُثر على الأقزام البنية التسعة؟
لم يأتِ اكتشاف هذه الأجرام دفعة واحدة، بل عبر مسار رصدي ممتدّ عبر أداتين مختلفتين من أدوات ويب. ففي 2024، أجرت كاميرا NIRCam مسحاً لجزء من منطقة IC 348، وحدّدت 39 جرماً مرشّحاً لأن يكون من فئة الأقزام البنية. وفي العام التالي، جاء دور مطياف NIRSpec لفحص 15 من هذه المرشّحات فحصاً أدقّ بالتحليل الطيفي، وانتهى هذا الفحص إلى تأكيد تسعة منها كأعضاء جدد فعلاً في العنقود النجمي، أي أنها ليست خلفية أو أجساماً عارضة، بل جزء أصيل من الحضّانة.
الأهمّ أنّ أخفت هذه الأجرام كتلةً تُقدَّر بنحو ضعفي كتلة المشتري فقط، وهو ما يجعلها بحسب المعطيات المتاحة الأقزام البنية الأقلّ كتلةً المرصودة حتى الآن. وهذا يضعنا أمام سؤال ما يزال مفتوحاً في علم الفيزياء الفلكية: ما هو الحدّ الأدنى الممكن فعلياً لحجم وكتلة القزم البنّي؟ الأجرام المكتشفة في IC 348 تُستخدم الآن كمرجع رصدي يساعد الباحثين على تضييق هذا الهامش، دون أن يُحسم الجواب بعد.
الأقزام البنية نفسها تحتلّ موقعاً وسطاً بين الكواكب الغازية العملاقة على شاكلة المشتري والنجوم الحقيقية. تتكوّن، كما تتكوّن النجوم، من انهيار سحابة جزيئية من الغبار والغاز تحت تأثير الجاذبية، لكنّ نواتها لا تصل أبداً إلى الحرارة اللازمة لإشعال تفاعل اندماج الهيدروجين إلى هيليوم وهو بالضبط الفارق الفاصل الذي يميّز النجم عن القزم البنّي. لهذا السبب تُوصف هذه الأجرام أحياناً بأنها "نجوم فاشلة".
لماذا يهمّ رصد Chandra بالأشعة السينية؟
إلى جانب صورة ويب بالأشعة تحت الحمراء، التقط مرصد Chandra التابع لناسا مؤخراً صورةً لمنطقة IC 348 وأجرام كونية أخرى مجاورة بالأشعة السينية البنفسجية. هذا التزامن بين أداتين مختلفتين تماماً في طيف الرصد الأشعة تحت الحمراء من ويب والأشعة السينية من Chandra يتيح للباحثين قراءة الحضّانة النجمية من زوايا متكاملة: الأولى تكشف الغبار والنجوم الفتيّة الباردة نسبياً، والثانية تلتقط الانبعاثات عالية الطاقة الناتجة عن النشاط النجمي الأكثر عنفاً.
ما يقدّمه هذا المزيج من الأرصاد ليس مجرّد صورة أكثر تفصيلاً لحضّانة نجمية قريبة، بل نافذة على واحدة من أكثر الأسئلة إلحاحاً في رصد الأجرام الخافتة: أين ينتهي تعريف "النجم" وأين يبدأ تعريف "الكوكب"؟ الأقزام البنية التسعة المكتشفة حديثاً في IC 348 لا تُجيب عن هذا السؤال بشكل نهائي، لكنها تدفع حدود الرصد خطوة إضافية نحو فهم أدقّ لهذا الحيّز الغامض بين الفئتين.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX مهمة سرية لقوات الفضاء الأمريكية من كاليفورنيا

صاروخ Rocket Lab يحمل قمراً راداريّاً يابانياً الليلة

تلسكوب ناسا الجديد: مشروع بمليار دولار في وقتٍ قياسي
