اكتشاف ديناصور بأربعة أجنحة يكشف سر الطيران المستقل
اكتشاف ديناصور رباعي الأجنحة في الصين يعيد الجدل حول تطور الطيران ويؤكد أن الطيران تطور بشكل مستقل لدى مجموعات مختلفة من الديناصورات. تعرف على كيف استخدم Norellraptor أجنحته الأربعة في صيد فرائسه في وورلد برس عربي.

هل نشأ الطيران عند الديناصورات مرة واحدة في سلفٍ مشترك، أم أنّ الطبيعة اخترعته أكثر من مرة بمسارات مختلفة كلياً؟ هذا السؤال، الذي ظلّ محلّ جدلٍ بين علماء الحفريات لعقود، عاد إلى الواجهة مع وصفٍ علمي جديد لديناصور رباعي الأجنحة اكتُشف في الصين، تحمل بنيته التشريحية أدلّةً تدعم فرضية أنّ الطيران الخفّاق تطوّر بشكلٍ مستقلّ عند طائفة "الميكرورابتور" من جهة، وعند أسلاف الطيور من جهةٍ أخرى.
من هو Norellraptor barsboldi؟
العيّنة، التي أُطلق عليها اسم Norellraptor barsboldi، عُثر عليها في تشكيلة جيوفوتانغ في شمال شرق الصين، وهي طبقة جيولوجية يعود تاريخها إلى ما بين 145 و100 مليون سنة، أي إلى العصر الطباشيري المبكر. الفرد المكتشَف كان صغيراً نسبياً؛ إذ لم يتجاوز عمره ثلاث سنوات عند موته، بينما بلغ طوله 21 بوصة (57 سنتيمتراً) فقط.
يمتلك N. barsboldi أربعة أجنحة، وأسناناً مفترسة حادّة الانحناء، ومخالب تتناسب مع نمط حياة مفترس. وبحسب عالم الحفريات الفقارية سكوت هارتمان من جامعة University of Wisconsin-Madison، فإنّ هذا الكائن كان على الأرجح يتغذّى على الثدييات البدائية والزواحف والبرمائيات وصغار الديناصورات، لا على الفرائس الكبيرة. يقول هارتمان في وصفٍ لافت: "لم يكن ليهاجم أيّ ديناصورات كبيرة. سيكون الأمر أشبه بأن تهاجم البعوض البوارج الحربية".
وينتمي N. barsboldi إلى مجموعة الميكرورابتور، وهي مجموعة قريبة وراثياً من الطيور لكنّها ليست سلفاً مباشراً لها؛ إذ تنتمي الطيور إلى طائفةٍ مجاورة تُعرف باسم Avialae. ومن أشهر ممثّلي هذه الطائفة الأركيوبتركس ، الذي عاش في أواخر العصر الجوراسي قبل نحو 150 مليون سنة. وتُظهر السجلّات الأحفورية وجود الريش في كلٍّ من الميكرورابتور والحيوانات المبكرة المجنّحة ضمن Avialae، ما يجعل المقارنة بين المسارين التطوّريَّين ممكنة ومثمرة علمياً.
كيف قرأ الباحثون التاريخ التطوّري في العظام؟
قام أندريا كاو وزملاؤه بوصف N. barsboldi وتحليل سماته التطوّرية ضمن دراسةٍ أوسع، نُشرت نتائجها يوم الثلاثاء (29 سبتمبر) في مجلة Nature Communications، تحت عنوان "التجميع المستقل لجهاز الطيران في سلالة ديناصورات غير طيرية". ويضمّ فريق الدراسة كلّاً من Wang, X.، وJi, Y.، وCau, A.، وKundrát, M.، وLiu, Y.، وWang Y.، وJi, Q.
استعرض الباحثون 194 تغيّراً تشريحياً موثّقاً عبر تطوّر الميكرورابتور، وتبيّن أنّ نحو 30% من هذه التغيّرات ظهرت أيضاً بشكلٍ مستقلّ في سلالة الطيور. من بين السمات المشتركة: الريش، والزوائد العظمية الملتحمة بالأضلاع، وعظام الطرف الأمامي القوية نسبياً، إضافةً إلى عظم الزند (ulna) الأطول من عظم العضد وهو العظم الذي يتحمّل الوزن الأساسي في الجناح. لكنّ اللافت في الدراسة ليس فقط تشابه السمات، بل أنّ ترتيب ظهورها كان مختلفاً بين المجموعتين، وهو ما يُقرأ عادةً في علم الأحياء التطوّري كدليلٍ قوي على التطوّر المتقارب لا على الوراثة من سلفٍ مشترك.
يقول رُوي پاي ، عالم الحفريات في معهد علم الحفريات الفقارية والإنسان القديم التابع للأكاديمية الصينية للعلوم ، والذي لم يشارك في الدراسة: "هذا يُظهر أنّ الميكرورابتورات اكتسبت سماتٍ متقاربة مع المراحل التطوّرية المبكرة للطيور الحقيقية، وإن كان ذلك عبر مسارٍ تطوّري مختلف، وهو ما يدعم فرضية أنّ الطيران الخفّاق تطوّر بشكلٍ مستقلّ عند الديناصورات غير المنتمية إلى Avialae وعند الطيور". ويضيف پاي أنّه "من المعقول توقّع أنّ هذه الديناصورات الآكلة للّحوم غير المنتمية إلى Avialae كانت قادرةً على سلوكياتٍ مماثلة لتلك التي تُظهرها الطيور الحديثة".
من جانبه، يعلّق هارتمان، الذي لم يشارك هو الآخر في الدراسة: "أنا سعيدٌ جداً بأنّهم توصّلوا إلى استنتاج أنّه ربّما كانت هناك أصولٌ مستقلّة للطيران بين مجموعاتٍ مختلفة. أتّفق معهم بشدّة".
فماذا كانت تفعل الأجنحة الأربعة فعلياً؟
يبقى السؤال الأكثر إثارةً للفضول: كيف كان هذا الكائن يستخدم أجنحته الأربعة؟ يطرح هارتمان عدّة فرضيات سلوكية، مشيراً إلى أنّ الميكرورابتورات ربّما جمعت بين الانزلاق الهوائي والطيران الخفّاق، وأنّها ربّما كانت تنطلق للتحليق بعد الجري نزولاً على منحدر، أو بالقفز من فوق تلالٍ أو منحدرات صخرية. لكنّه يستبعد أن تكون قادرةً على تسلّق الأشجار كما تفعل السناجب لاكتساب الارتفاع، قائلاً: "أشكّ في أنّها كانت تستطيع تسلّق الأشجار كالسنجاب لاكتساب الارتفاع، لأنّ أطرافها الأمامية لا تملك ذلك المدى الحركي".
ويقول في هذا السياق هارتمان: "هناك مجموعة من السمات، مثل عظمة القصّ الكبيرة والمتعظّمة جيداً، التي قد تسمح بعضلاتٍ صدرية أكبر، لذا فمن المرجّح أنّها كانت تمتلك ضربة هبوطية قوية إلى حدٍّ ما، وهي ما يولّد الدفع الذي يبقيها متحرّكةً إلى الأمام".
أمّا الجناحان الخلفيان، فيقترح هارتمان أنّهما ربّما ساعدا على استقرار الطيران، والفرملة، وتنفيذ التفافاتٍ حادّة أثناء التحليق، إضافةً إلى احتمال استخدام الأجنحة في عرض اللياقة أمام الشريك أو في تدفئة البيض. وفي وصفه العام لهذا الكائن يقول هارتمان: "هذه بوضوح مخلوقات مفترسة صغيرة شرسة"، مضيفاً أنّ القدرة على التحكّم الدقيق أثناء الطيران كانت ضروريةً لأسلوب حياتها: "إذا كنتَ تقفز على أشياء أو تنقضّ عليها، فإنّ ذلك النوع من التحكّم يكون مهمّاً جداً. من الأفضل دائماً أن تُفاجئ الحيوانات بالهبوط في المكان الذي خطّطتَ له، لا في مكانٍ لم تخطّط له".
هذا المزيج من الأدلة العظمية والتحليل السلوكي يضع N. barsboldi في موقعٍ خاص ضمن سجلّ تطوّر الطيران؛ فهو لا يُقدَّم كحلقة وسيطة على طريق الطيور، بل كمثالٍ مستقلّ على أنّ الطبيعة جرّبت الطيران أكثر من مرة، بأدواتٍ تشريحية متشابهة ظاهرياً لكن بترتيب تجميعٍ مختلف تماماً. والسؤال الذي يترك الباب مفتوحاً أمام الأبحاث المقبلة هو: كم عدد المرات الفعلي التي "اخترعت" فيها سلالات الديناصورات المختلفة آلية الطيران بشكلٍ مستقلّ، وهل ما زالت الطبقات الأحفورية في مواقع مثل جيوفوتانغ تخفي عيّناتٍ أخرى قد تعيد ترتيب هذه الخارطة التطوّرية من جديد؟
أخبار ذات صلة

السنة الجديدة على المريخ: الكوكب الأحمر يبدأ دورةً جديدة حول الشمس

قبة إسفنجية عملاقة في البرازيل تكشف سرّ الينابيع الحارة المجاورة

اكتشاف معادن حديدية قد تحتفظ بمياه بدائية من نشأة الأرض
