انهيار بركان تحت البحر يشعل أكبر موجة تسونامي
كيف تسبب انهيار كالديرا بركان Hunga في توليد أعلى موجة تسونامي مسجلة؟ اكتشف دراسة جديدة تكشف أسرار الانهيار المفاجئ تحت البحر وتحذر من مخاطر الكالديرات الصغيرة على السواحل في وورلد برس عربي.

في عام 1883، حصد بركان كراكاتاو الإندونيسي أكثر من 30,000 روح، ولم تكن الحمم البركانية والرماد هما القاتل الأكبر، بل موجة تسونامي هائلة تولّدت عن الانفجار نفسه. بعد 139 عاماً، وعلى الجانب الآخر من الكرة الأرضية، تكرّر السيناريو بصورةٍ مذهلة حين ضرب بركان Hunga قرب تونغا في 15 يناير 2022، مُطلقاً أعلى موجة تسونامي سُجِّلت على الإطلاق ناتجة عن ثوران بركاني تحت سطح الماء. الفارق أن العلماء هذه المرة أمسكوا بخيوط اللغز: دراسة دولية جديدة نُشرت في مجلة Nature Geoscience تربط بين ضخامة التسونامي وانهيار مفاجئ وسريع لكالديرا (فوّهة) البركان الغارقة في قاع المحيط، وهي نتيجة تحمل تحذيراً واضحاً: كالديرات صغيرة نسبياً قد تُهدّد سواحل قريبة بموجاتٍ كارثية، دون أن نمتلك اليوم خرائط كافية لرصدها.
هذه الفجوة المعرفية ليست تفصيلاً أكاديمياً؛ فالضغط في قاع المحيط عادةً ما يُخفّف من عنف النشاط البركاني، لكن اقتراب مياه البحر من الصهارة الحارة قد يقلب المعادلة ويُفجّر انفجاراتٍ عنيفة. الباحثون أنفسهم يقولون إن "ديناميكيات الثورانات البركانية المُشكِّلة للكالديرا تحت سطح البحر، وبالتالي المخاطر التي تفرضها، غير مفهومة جيداً، بسبب صعوبة الوصول إلى الكالديرات الناتجة ومنتجات الثوران".
كيف تحوّل انهيار "شبيه بالمكبس" إلى أعلى موجة تسونامي مسجّلة؟
ثوران Hunga كان من أقوى الأحداث البركانية في هذا القرن. عمود الرماد والغازات تجاوز 55 كيلومتراً في الارتفاع، ودفع بخار ماء البحر المتصاعد حتى الستراتوسفير، بينما رُصدت موجة الضغط الناتجة عنه حول العالم بأكمله. أما الموجة البحرية، فبلغت ارتفاعاتٍ قُدِّرت بنحو 40 متراً في نطاق 100 كيلومتر من موقع الانفجار رقمٌ غير مألوف لثورانٍ بركاني بحري.
يفسّر الباحثون هذا الحجم غير المتناسب بما حدث تحت السطح: كالديرا Hunga، التي كان قطرها نحو 4 كيلومترات قبل الانهيار، غرقت مسافة كيلومتر واحد تقريباً أثناء الثوران. الكالديرات تتشكّل أصلاً حين يتسبّب تصريف الصهارة في انهيار الأرض التي تعلوها، لكن ما ميّز Hunga هو عمق الانهيار غير المعتاد مقارنةً بقطر الكالديرا الصغير نسبياً ضمن أصغر 177 كالديرا معروفة في العالم بنسبةٍ تُشبه إلى حدٍّ كبير كالديرا بركان Newberry في الولايات المتحدة. حين ينهار قاع البحر بهذه السرعة، فإنه يجرّ معه كتلة كبيرة من المياه العلوية إلى الأسفل، وهذا الانزلاق المفاجئ للمياه هو ما يُشكّل بحسب الفرضية المطروحة عاملاً مضخِّماً للتسونامي.
صنّف الباحثون هذا النوع من الانهيار بأنه "انهيار شبيه بالمكبس" (piston-style collapse)، إذ إن قاع الكالديرا نزل ككتلةٍ واحدة محتفظاً بشكله تقريباً، دون أن ينثني أو يتفتّت، وهو سلوكٌ يختلف عن انهياراتٍ تدريجية أو مجزّأة قد لا تولّد نفس الأثر المفاجئ على عمود الماء.
ماذا كشفت خرائط قاع البحر عن "غرفة الصهارة" المنهارة؟
اعتمد الفريق البحثي على مقارنة خرائط دقيقة لقاع البحر أُجريت بين عامَي 2015 و2016 أي قبل الثوران مع خمس مسوحات ميدانية أُجريت بين أبريل وأكتوبر 2022. أظهرت هذه المقارنة أن غرفة الصهارة (المصدر المغذّي للثوران) كانت تقع على عمق نحو 2 كيلومتر تحت البركان، وامتدّ عرضها بين 4 و5 كيلومترات، بسقفٍ رقيق وواسع بالكاد كان قادراً على تحمّل وزنه بعد تصريف كمياتٍ كبيرة من الصهارة. حسابات الباحثين تشير إلى أن انخفاض الضغط داخل الغرفة بنحو 30 ميغاباسكال ما يعادل تقريباً 300 مرة الضغط الجوي كان كافياً لتحطيم هذا السقف، وأن خسارة ربع كمية الصهارة التي كانت موجودة قبل الثوران فقط كانت قادرة على تفعيل هذا الانهيار.
الأدلة الطبقية عزّزت فرضية أن الانهيار حدث أثناء الثوران، لا بعده كما قد يُظن. مسحٌ زلزالي بحري أُجري بعد نحو 3 أشهر من الانفجار كشف عن رواسب انهياراتٍ أرضية متداخلة أسفل، وضمن، وفوق طبقات المواد البركانية الفتاتية (pyroclastic)، وهو تناوبٌ في الترسيب يدلّ على أن جدران الكالديرا كانت تتساقط في الوقت الذي كانت المواد البركانية تتراكم فيه. الأرقام تعكس حجم التغيّر: كان قاع الكالديرا قبل الثوران يقع على عمق 150 إلى 200 متر تحت سطح البحر، بينما بلغت الأعماق بعد الثوران 850 متراً في بعض المواضع، مع تراكم رسوبيات بركانية غطّت القاع بما يصل إلى 150 متراً. السطح المنهار نفسه استقرّ عند نحو 1,000 متر تحت سطح البحر، ومثّل انهيار قاع الكالديرا بمفرده حجماً يُقدَّر بـ 6.85 كيلومتر مكعّب.
كما رصد الفريق تدرّجاتٍ (شرفاتٍ متحدة المركز) على الجدارين الشرقي والجنوبي للكالديرا، تنحدر نحو الداخل وتفصل بينها منحدرات يبلغ ارتفاعها بين 100 و150 متراً. هذه الشرفات تشير إلى وجود صدوعٍ (فوالق) على حافة الكالديرا، وقد تكون هذه الفوالق سمحت لمياه البحر بالتسرّب إلى غرفة الصهارة الضحلة، وهو ما قد يكون غيّر من شدة الانفجار وساهم في انهياراتٍ انزلاقية تحت الماء.
هل الانهيار وحده يفسّر التسونامي؟
رغم متانة الأدلة، يبقى السؤال السببي مفتوحاً بصراحة أعلنها الباحثون أنفسهم: لم تُثبت الدراسة بشكلٍ مباشر أن انهيار الكالديرا هو ما تسبّب في التسونامي، بل حدّدت الانخساف السريع للكالديرا كأحد العوامل المحتملة التي ضخّمت الموجة. هذا التمييز مهمّ لأي قارئ يتابع الشأن العلمي: وجود ترابطٍ زمني ومكاني قوي بين ظاهرتين لا يُغلق الملف السببي تلقائياً، بل يفتح المجال لمزيدٍ من الأبحاث التي تُحدّد الآلية بدقة.
بؤر خطر مجهولة على امتداد قوس تونغا-كرمادك وما بعده
يكتسب هذا اللغز أهمية أكبر حين ننظر إلى محيط Hunga الجيولوجي. البركان يقع ضمن قوس تونغا-كرمادك الذي يحتوي على 74 بركاناً بحرياً على الأقل، منها 20 مُصنَّفاً كمجمّعات كالديرا. بركانا Tofua وFonuafoʻou القريبان يتشابهان مع Hunga في الشكل والبنية وتركيب الصهارة وحجم الكالديرا أي أنهما مرشّحان محتملان لسلوكٍ مماثل. المشكلة أن أغلب الكالديرات البحرية حول العالم لا تزال بلا مسوحات تفصيلية، أو خرائط كاملة، أو بيانات عالية الدقة، ما يجعل تقييم خطرها الفعلي على السواحل القريبة أمراً بالغ الصعوبة حالياً.
ما مكّن الباحثين من دراسة Hunga بهذا العمق هو حظّه النادر من التوثيق: جزيرة جديدة تشكّلت خلال ثورانٍ سابق بين عامَي 2014 و2015، وأُجريت خرائط تفصيلية لقاع البحر عامَي 2015 و2016، واستُخدمت صور أقمار صناعية تجارية لتوفير بيانات سطح الأرض، مع معايرة هذه البيانات عبر أداة القياس بالليزر ICESat-2 التابعة لناسا. هذا المستوى من التغطية قبل الثوران وبعده هو ما جعل المقارنة الدقيقة ممكنة أساساً وهو مستوى تفاصيل لا يتوفّر لمعظم البراكين البحرية الأخرى في العالم.
الباحثون يختمون دراستهم بدعوةٍ صريحة: "دراستنا تُبرز الحاجة الملحّة لخرائط عالية الدقة ومتكرّرة لقاع البحر"، من أجل "تعزيز أنظمة الإنذار المبكر بالتسونامي وحماية البنية التحتية الحرجة تحت سطح البحر، خصوصاً في المناطق التي لم تُمسح بشكلٍ كافٍ مثل جنوب غربي المحيط الهادئ". هذه الدعوة تتجاوز السياق الجغرافي الضيّق لتونغا؛ فأي منطقة ساحلية قريبة من براكين بحرية غير مرصودة بدقة تعيش، عملياً، في منطقة عمياء إنذاراتية. المسألة هنا ليست توفّر التكنولوجيا فأدواتٌ كالتصوير الزلزالي البحري وأقمار الرصد مثل ICESat-2 موجودة وتعمل بل توفّر الإرادة والموارد لتكرار هذه المسوحات على امتداد أقواس بركانية بحرية أقل شهرة من Hunga، قبل أن يتحوّل أحدها إلى مفاجأة أخرى بحجم كراكاتاو أو تونغا.
أخبار ذات صلة

الأضواء القطبية تعود: طيار يوثّق منظراً مذهلاً من ارتفاع 37 ألف قدم

الصين تسعى للهيمنة على القمر: تحذيرات من رئيس ناسا السابق

كشف الفلكيون عن موجات راديوية من كوكب خارجي للمرة الأولى
