هابل يتحدى الزمن ويكشف أسرار الكون البعيد
تلسكوب هابل يكمل 200 ألف دورة حول الأرض ويتحدى عمره الافتراضي برصد عناقيد مجرية واستخدام العدسات الجاذبية لقياس توسع الكون بدقة عالية. اكتشف كيف يواصل هابل كشف أسرار الفضاء رغم تحديات الزمن في وورلد برس عربي.

في 19 سبتمبر الماضي، وبينما كان يرصد عنقوداً مجرّياً بعيداً، أتمّ تلسكوب هابل الفضائي دورته رقم 200,000 حول الأرض. الرقم بحدّ ذاته لافت، لكنّ ما يستحقّ التوقّف عنده أكثر هو أنّ هذا الجهاز، الذي صُمِّم أصلاً للعمل خمس عشرة سنة فقط، يواصل بعد أكثر من 36 عاماً على انطلاقه تقديم بياناتٍ علمية تُستخدم اليوم في محاولة فهم توسّع الكون نفسه. هذه المفارقة بين العمر الافتراضي المخطَّط له والعمر الفعلي المُحقَّق هي جوهر القصة، وليست مجرّد إحصائية احتفالية.
كيف يساعد عنقودٌ مجرّي بعيد في قياس توسّع الكون؟
عند بلوغه هذا المَعلَم، كان هابل منشغلاً برصد عنقود المجرّات المعروف باسم MACS J0417، وهو جسمٌ ثقيل الكتلة يعمل كعدسة جاذبية طبيعية. الفكرة العلمية هنا دقيقة: كتلة العنقود الهائلة تُحني الضوء القادم من أجسامٍ تقع خلفه، وتُكبّره، بحيث يمكن أن يسلك الضوء مساراتٍ مختلفة قبل أن يصل إلى مرآة التلسكوب. هذه الخاصية بالذات هي ما يجعل العنقود مرشّحاً مثالياً لرصد المستعر الأعظم (سوبرنوفا) البعيد المسمّى "أثينا" (Athena)، إذ يُتوقَّع أن يظهر ضوء الانفجار أكثر من مرة، بفواصل زمنية قد تمتدّ أشهراً أو سنوات، تبعاً للمسار الذي يسلكه كل شعاع حول العنقود.
الفائدة العلمية من رصد هذه الظهورات المتكرّرة مزدوجة: فهي تتيح رسم خريطة أدقّ لتوزيع الكتلة داخل عنقود MACS J0417 نفسه، كما يمكن أن تُسهم في تنقيح القياسات الخاصة بمعدّل تمدّد الكون وهو أحد أكثر الأسئلة إثارةً للجدل في علم الكونيات المعاصر، والذي لا تزال القياسات المختلفة تُنتج له أرقاماً متباينة بعض الشيء بحسب الطريقة المُتّبعة.
رقمٌ يتجاوز كل التوقعات الهندسية
حين أُطلق هابل على متن مكوك الفضاء Discovery في أبريل 1990، كانت خطة عمله الأصلية محدودة بخمس عشرة سنة. اليوم، وبعد أكثر من ست وثلاثين عاماً، يكون التلسكوب قد قطع مسافة تتجاوز 5 مليارات ميل (8 مليارات كيلومتر) حول الأرض، وأجرى أكثر من 1.7 مليون عملية رصد للكون. هذه الأرقام ليست وليدة اللحظة؛ فقد بلغ هابل دورته المئة ألف في عام 2008، وسجّل مليون رصدٍ علمي في 2011، قبل أن يواصل تراكم الإنجازات وصولاً إلى الاحتفال بمرور 35 عاماً على وجوده في المدار، ثم إتمام الدورة الـ200 ألف الآن.
هذه الوتيرة من الإنتاجية العلمية المستمرة تعكس تصميماً هندسياً استثنائياً بكل المقاييس. فهابل يدور على ارتفاع نحو 300 ميل (483 كيلومتراً) فوق سطح الأرض، بسرعة تقارب 17,000 ميل في الساعة (27,000 كيلومتر في الساعة)، ما يجعله يُكمل نحو 15 دورة حول الأرض يومياً، بمعدّل دورة كاملة كل 95 دقيقة تقريباً. وموقعه في مدارٍ منخفض يضعه فوق معظم طبقات الغلاف الجوي للأرض، وهو ما يُجنّبه التشويش البصري الذي يعاني منه أي تلسكوبٍ أرضي، ويتيح له رصد أطوال موجية متعددة من الأشعة فوق البنفسجية إلى الضوء المرئي ووصولاً إلى الأشعة تحت الحمراء القريبة بدقةٍ يصعب تحقيقها من على سطح الكوكب.
جهازٌ يشيخ لكن لا يتوقّف
الصورة ليست خالية من التحدّيات. آخر مهمة صيانة بشرية لهابل جرت في عام 2009 على يد رواد فضاء، ولا تُخطّط ناسا (NASA) حالياً لأي مهمة صيانة إضافية. ومنذ ذلك الحين، بات التلسكوب يعتمد على تعويض الأعطال بدلاً من إصلاحها ميدانياً؛ ففي عام 2024 اضطُرّ لمواصلة عمله بجيروسكوب واحدٍ فقط يعمل بكفاءة، وهو ما لم يمنعه من التقاط، في عام 2025، فسيفساءَ ضخمة لمجرّة أندروميدا (Andromeda) بدقة 2.5 مليار بكسل، في مؤشرٍ إضافي على أنّ الشيخوخة التقنية لا تعني بالضرورة تراجع القيمة العلمية.
ما يجعل هذا الأداء أكثر دلالة هو أنّ الجاذبية الأرضية تعمل ببطء لكن بثبات: الاحتكاك الجوي يخفّض مدار هابل تدريجياً، وهو مسارٌ حتمي لأي جسمٍ في مدارٍ منخفض حول الأرض على المدى الطويل. غير أنّ ناسا لا تتوقّع دخول التلسكوب الغلاف الجوي قبل منتصف عقد الثلاثينيات من هذا القرن على أقرب تقدير، وتخطّط لعملية تخلّصٍ مُتحكَّم بها حين يحين الوقت، بدلاً من ترك الأمر لدخولٍ عشوائي وغير محسوب.
بين هذا وذاك، تتوقّع الوكالة أن يظلّ هابل منتِجاً علمياً خلال العقد المقبل، أي أنّ ما تبقّى من عمره الافتراضي المتوقَّع قد يفوق ضعف ما كان مخطَّطاً له عند الإطلاق بأشواط. وبينما يواصل رصد ظواهر مثل العدسات الثقالية حول عناقيد المجرّات البعيدة، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما ستحمله السنوات القليلة القادمة من اكتشافاتٍ إضافية، قبل أن يُطوى ملفّ أحد أكثر الأجهزة العلمية إنتاجيةً في تاريخ استكشاف الفضاء.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX مهمة سرية لقوات الفضاء الأمريكية من كاليفورنيا

صاروخ Rocket Lab يحمل قمراً راداريّاً يابانياً الليلة

تلسكوب ناسا الجديد: مشروع بمليار دولار في وقتٍ قياسي
