هل يقتل الذكاء الاصطناعي مستقبل الناشرين الرقميين
حكم أمريكي يرفض دعاوى ضد جوجل رغم اعترافه بتضرر ناشرين تعليميين وإعلاميين من ميزة الذكاء الاصطناعي التي تقلل زيارات مواقعهم. القضية تبرز أزمة المحتوى الرقمي والحاجة لتشريعات جديدة تحمي صناع المحتوى من الاستغلال وورلد برس عربي.

حين يفتح مستخدم محرّك البحث هاتفه بحثاً عن إجابةٍ سريعة، نادراً ما يسأل نفسه: من كتب هذا المحتوى الذي تلخّصه خانة "نظرة عامة بالذكاء الاصطناعي" أعلى الصفحة؟ ونادراً ما يفكّر في الصحافي أو المعلّم أو صاحب المنصّة التعليمية الذي أنتج تلك المادة، ثم رأى زوّار موقعه يتضاءلون شهراً بعد شهر. هذا السؤال وجد طريقه أخيراً إلى قاعة محكمةٍ أمريكية، لكنّ الإجابة التي صدرت لم تكن في صالح الناشرين.
رفض القاضي الفدرالي الأمريكي أميت ميهتا (Amit Mehta) دعويَين قضائيّتين رفعتهما منصّة Chegg التعليمية وشركة Penske Media الإعلامية ضدّ Google، متّهمتَين عملاق البحث بممارساتٍ احتكاريةٍ مرتبطة بميزة "النظرة العامة بالذكاء الاصطناعي". والمفارقة أنّ القاضي نفسه لم ينفِ وجود ضررٍ، بل اعترف به صراحةً، قبل أن يخلص إلى أنّ القانون، كما هو مكتوبٌ اليوم، لا يمنحه أداةً لمعاقبة Google عليه.
ما الذي اشتكت منه الشركتان؟
رفعت Chegg دعواها عام 2025، زاعمةً أنّ Google استولت على محتواها التعليمي بشكلٍ غير قانوني، وأنّ نماذج Gemini باتت قادرةً على إعادة إنتاج ذلك المحتوى داخل نتائج البحث نفسها، ما أدّى إلى تراجع حركة الزوّار إلى منصّتها. أمّا Penske Media، التي تملك مطبوعات معروفة مثل Rolling Stone وVariety، فقالت إنّ Google جمعت محتوى مواقعها المفهرسة ضمن نتائج البحث العضوي لتغذية إجاباتها الذكية، من دون أن تترك لتلك المواقع أيّ وسيلةٍ للانسحاب من هذه العملية. بكلماتٍ أخرى: المحتوى يُستخدم، والزوّار يتوجّهون إلى إجابة Google الجاهزة بدل الرابط الأصلي، ولا خيار متاحاً لصاحب المحتوى سوى القبول.
كانت Google قد طلبت في وقتٍ سابق من هذا العام ردّ الدعويَين، قبل أن يصدر القاضي ميهتا قراره بالرفض الكامل لمزاعم الشركتَين.
لماذا رفض القاضي الدعوى رغم اعترافه بالضرر؟
جوهر الحكم يكمن في فكرةٍ قانونية دقيقة: الفرق بين "التوقّع" و"الاتفاق". يقول ميهتا إنّ "المدّعين لم يُقدّموا سوى أنّهم يملكون 'توقّعاً' بأنّ Google سترسل لهم زوّاراً من محرّك البحث إذا أتاحوا محتواهم مجّاناً". لكنّه يضيف: "التوقّع ليس اتفاقاً. إنّه ببساطة الطريقة التي يعمل بها محرّك بحثٍ عام". أي أنّ العلاقة الضمنية التي اعتاد عليها الناشرون مع Google طوال سنوات أتيحوا محتواكم، ونرسل لكم الزوّار لا ترقى، من الناحية القانونية، إلى اتفاقٍ ملزم، خصوصاً أنّه لم يكن هناك أيّ ترتيبٍ رسمي بين Google وبين أيٍّ من Chegg أو Penske. وبما أنّ قانون مكافحة الاحتكار يحتاج إلى علاقةٍ تعاقديةٍ أو ترتيبٍ واضح ليبني عليه الضرر، فقد خلص القاضي إلى أنّ هذا القانون لا ينطبق أصلاً على ما تصفه الشركتان.
لكنّ ميهتا لم يُغلق الملف ببرودةٍ قانونيةٍ بحتة؛ إذ كتب: "المحكمة لا تستخف بالأضرار التي يدعيها المدّعون"، مضيفاً: "كما أنها ليست غافلة عن الوضع الصعب الذي يواجه الناشرون اليوم، والتداعيات المترتبة على الصحفيين والمعلمين وغيرهم من صناع المحتوى عبر الإنترنت، الذين تستولي Google على محتواهم وتعيد استخدامه دون تعويض". ثم ختم حكمه بجملة تختصر فلسفته القضائية: "المحكمة ملزمة بتطبيق القانون كما هو مكتوب، لا كما تعتقد المحكمة أو أي طرف آخر أنه ينبغي أن يكون".
ماذا يعني هذا لسوق الصحافة والتعليم الرقمي؟
هذا الحكم ليس مجرّد نزاعٍ قانوني بين شركتَين وGoogle، بل مؤشّرٌ على أزمةٍ أوسع تطال كلّ من يعيش من محتوًى رقمي: الصحافي الذي يكتب تقريراً استقصائياً، والمعلّم الذي يبني منصّةً تعليمية، وصاحب الموقع المتخصّص الذي يعتمد على الزوّار العضويّين كمصدر دخلٍ وحيد. حين تتراجع حركة المرور بسبب إجاباتٍ جاهزة يقدّمها الذكاء الاصطناعي مباشرةً في صفحة البحث، فإنّ الخسارة ليست رقماً إحصائياً فحسب، بل دخلاً إعلانياً يتبخّر، ووظائف تختفي تدريجياً من غرف الأخبار والمنصّات التعليمية الصغيرة. ميهتا نفسه أقرّ بهذا الأثر الاقتصادي، لكنّه ذكّر بأنّ "الضرر الاقتصادي الذي تتكبّده شركةٌ ما لا ينتج بالضرورة عن سلوكٍ غير قانوني" — وهو تذكيرٌ بأنّ قسوة السوق لا تعني بالضرورة مخالفةً للقانون.
واللافت أنّ القاضي نفسه سبق أن نظر في قضية وزارة العدل الأمريكية (DOJ) طويلة الأمد ضدّ Google في مجال البحث، ووجد حينها أنّ الشركة خالفت القانون فعلاً، وإن لم تحصل الحكومة على العقوبات القاسية التي طالبت بها. هذا يعني أنّ ميهتا ليس قاضياً متساهلاً مع Google بشكلٍ عام، بل قاضٍ يرى أنّ أدوات مكافحة الاحتكار الحالية ببساطة لا تغطّي نوع الضرر الذي يسبّبه الذكاء الاصطناعي التوليدي للناشرين. وكما قال بوضوح، فإنّ "قانون مكافحة الاحتكار لا يمكن أن يكون بديلاً عن العمل التشريعي" — أي أنّ الحلّ، إن وُجد، يجب أن يأتي من الكونغرس لا من المحاكم.
الأنظار تتّجه الآن نحو أوروبا ولندن
بينما تبدو التحدّيات القانونية المقبلة أمام المحاكم الأمريكية صعبةً من دون تشريعٍ جديد خصوصاً أنّ المشرّعين كانوا بطيئين في التكيّف مع عصر الذكاء الاصطناعي تنظر المفوضية الأوروبية حالياً في الأسئلة ذاتها، وتُظهر حتى الآن نظرةً أكثر تشدّداً تجاه ممارسات شركات التقنية الكبرى. أمّا في المملكة المتحدة، فقد سبق أن أمرت السلطات Google بتوفير خيار انسحابٍ من ميزات الذكاء الاصطناعي للمواقع التي ترغب في البقاء ضمن نتائج البحث العضوي العادية وهو بالضبط ما طالبت به Penske ولم تحصل عليه أمام القضاء الأمريكي.
في الوقت نفسه، تستكشف Google برنامج مدفوعاتٍ مباشرة للمواقع التي تساهم محتواها في إجابات الذكاء الاصطناعي، لكن التجربة التجريبية لهذا البرنامج، بحسب ما يُتداول، لا تلقى ترحيباً من الناشرين أنفسهم. يمكن الاطّلاع على نصّ الحكم الكامل في قضية Penske وChegg ضدّ Google، الذي يرسم بوضوح حدود ما يستطيع القضاء فعله، وحدود ما ينتظر الناشرين والصحافيّين والمعلّمين من تحرّكٍ تشريعيٍّ لم يأتِ بعد.
أخبار ذات صلة

• آبل تُعدّل صلاحيات الوصول للقرص الصلب لمنع تجاوزات برمجيات الذكاء الاصطناعي

أمازون تستثمر مليار دولار لتهدئة غضب مراكز البيانات... فتثير غضباً أكثر

الولايات المتحدة تعتقل مديراً تنفيذياً متهماً بتهريب 300 مليون رقائق إنفيديا إلى الصين
