شركة ناشئة تكسر قيود إنتاج الصواريخ الاعتراضية
شركة ناشئة تحقق قفزة في صناعة الصواريخ الاعتراضية بتكلفة منخفضة وإنتاج سريع لمواجهة نقص الصواريخ في الجيش الأمريكي. استثمار سيليكون فالي يعكس تحول في دعم التكنولوجيا الدفاعية وفرصة لتغيير قواعد اللعبة في السوق الدفاعي وورلد برس عربي

في وقتٍ تتحدّث فيه واشنطن علناً عن نقصٍ في مخزونها من الصواريخ الاعتراضية، وتُقدَّر وتيرة إنتاج الخصوم المحتملين بما يفوق الإنتاج الأمريكي بمئة ضعفٍ أو أكثر، جاء استثمارٌ بقيمة 25 مليون دولار في شركةٍ ناشئة عمرها سنةٌ واحدة ليضع إصبعه على واحدةٍ من أكثر الفجوات حساسيةً في الصناعة الدفاعية العالمية. الشركة هي Furientis، ومن يقود الجولة هذه المرّة ليس صندوقاً دفاعياً متخصّصاً، بل Benchmark، أحد أبرز صناديق رأس المال المُجازف في وادي السيليكون (Silicon Valley)، في أوّل رهانٍ له على شركةٍ دفاعية بحتة.
من هي Furientis، ولماذا الآن؟
تأسّست Furientis قبل عامٍ واحدٍ فقط على يد Brody Franzen، نائب كبير المهندسين السابق في Virgin Galactic والذي عمل لاحقاً في Castelion، شركة الصواريخ الفرط صوتية التي بلغت قيمتها السوقية 13 مليار دولار، وAris Simsarian، الذي قاد سابقاً اختبارات محرّكات الصواريخ في Virgin Orbit. يحمل اسم الشركة دلالةً لاتينية تعني "الغضب"، وهو اختيارٌ لا يبدو عشوائياً بالنظر إلى الهدف المعلن: صواريخ اعتراضية متوسّطة المدى تُصنَّع بسرعة وبتكلفةٍ معقولة، في وقتٍ يُعاني فيه الجيش الأمريكي نقصاً حقيقياً في هذا النوع من العتاد.
المسار الذي قطعته الشركة خلال عامٍ واحد لافتٌ بمعايير القطاع الدفاعي التقليدي. ففي مايو، أعلنت Furientis جولة تمويلٍ تأسيسية مبكرة (Pre-seed) بقيمة 5 ملايين دولار فقط، استخدمتها لتصنيع نماذج أوّلية وإجراء اختباراتٍ ميدانية كلّ أسبوعين تقريباً في موقع White Sands بولاية نيو مكسيكو. وبحلول الوقت الذي دخل فيه Benchmark على خطّ الاستثمار، كانت الشركة قد أتمّت اثنتي عشرة عملية إطلاقٍ وحصلت على عقدٍ مموَّلٍ من البنتاغون لتوريد صواريخ اعتراضية متوسّطة المدى. ووفق شخصٍ مطّلعٍ على أوضاع الشركة، بلغت قيمتها السوقية 125 مليون دولار.
يقول Chetan Puttagunta، الشريك العام في Benchmark: "ما حقّقته الشركة بجولةٍ تأسيسية مبكرة فقط كان أمراً استثنائياً بكلّ المقاييس"، مضيفاً: "لقد صنّعوا نماذج أوّلية بخمسة ملايين دولار فقط، وكانوا قد نجحوا بالفعل في تنفيذ اثنتي عشرة عملية إطلاق بحلول الوقت الذي استثمرنا فيه".
فجوة الإنتاج: لماذا يُنتج الخصم مئة ضعف؟
الرقم الذي يختصر أزمة القطاع بأكمله جاء على لسان فرانتزين (Franzen) نفسه: "نحن نُفاق في الإنتاج بمعدّلٍ يتجاوز مئة ضعف". فبينما تتلقّى البحرية الأمريكية ما بين 300 و500 صاروخٍ اعتراضي سنوياً بحسب تقديره، تدعي الصين إنتاج 3000 صاروخٍ مضادٍّ للسفن شهرياً. والمشكلة ليست في الكمّية وحدها، بل في الكلفة أيضاً؛ فالصواريخ "الفائقة الدقّة" (exquisite)، كما وصفها فرانتزين، يمكن أن تصل كلفة الواحد منها إلى نحو 3 ملايين دولار، وهو رقمٌ يجعل مجاراة وتيرة إنتاجٍ كتلك التي تزعمها بكين أمراً شبه مستحيلٍ ضمن الموازنات الدفاعية الحالية."
"لهذا السبب أسّسنا الشركة"، يقول Franzen، في إشارةٍ إلى أنّ إدراكهما لحجم هذا النقص هو ما دفع به وبشريكه إلى إطلاق Furientis بعد أن أخذت الحرب في أوكرانيا، ثمّ النزاع في إيران، تستنزف مخزون الصواريخ لدى الجيش الأمريكي بوتيرةٍ سريعة. هذا الاستنزاف، كما يصفه مراقبو القطاع، هو ما قلب موازين اهتمام المستثمرين خلال سنواتٍ قليلة، بعد أن كان الاستثمار في الشركات الدفاعية يُنظر إليه تقليدياً بوصفه مسألةً أخلاقيةً مثيرةً للجدل، وبعد أن كانت جداول العقود الحكومية وبطء حسمها يُنفّران رأس المال المُجازف من الدخول في هذا الميدان أصلاً.
ماذا يعني هذا لسوق العمل والتصنيع؟
خلف لغة الصواريخ والعقود، تكمن قصّةٌ تصنيعية تستحقّ وقفةً منفصلة. فالنموذج الذي تتبنّاه Furientis يقوم على تصميم أنظمةٍ يمكن تجميعها بسرعةٍ من مكوّناتٍ متوفّرة بسهولةٍ في السوق، لا من قطعٍ مصمّمة خصّيصاً وفق دوراتٍ تصميمية طويلة كما هو حال الشركات الدفاعية الكبرى التقليدية على غرار Raytheon وLockheed Martin، اللتين تواجهان اليوم ضغوطاً حقيقية لتحديث خطوط إنتاجهما. هذا الفارق في الفلسفة الصناعية ليس تفصيلاً تقنياً، بل هو ما يُحدّد نوعية فرص العمل التي قد يخلقها هذا القطاع الناشئ: مصانع أخفّ وزناً، ودورات توظيفٍ أسرع، وحاجةً إلى مهاراتٍ في التجميع السريع بدل الاعتماد الحصري على خطوط إنتاجٍ متخصّصةٍ بطيئة.
تطمح الشركة، التي تتّخذ من لوس أنجلوس مقرّاً لمنشأتها، إلى إنتاج ألف نظامٍ سنوياً في كلّ مصنعٍ تابعٍ لها، وهو هدفٌ طموحٌ إذا ما قورن بالأرقام الفعلية الحالية التي تستقبلها البحرية الأمريكية سنوياً. ومع أنّ أسعار هذه الأنظمة لم تُحدَّد بدقّة، إلا أنّها تُوصَف بأنّها تمثّل كسراً من كلفة الصواريخ الاعتراضية التقليدية، وهو ما يعني فعلياً زيادة المخزون الدفاعي ضمن سقوفٍ موازنية صارمة لا تحتمل مزيداً من الإنفاق على الوحدة الواحدة. ومن الواضح أنّ الشركة لا تسعى إلى مجاراة أفضل أداءٍ ممكن للصواريخ الاعتراضية، بل إلى سدّ فجوة العدد بكلفةٍ يمكن تحمّلها، وهذا بحدّ ذاته رهانٌ على أنّ الكمّية، لا الدقّة المطلقة، هي ما يحتاجه الجيش الأمريكي في المرحلة الراهنة.
هل يتّسع السوق لمزيدٍ من اللاعبين؟
لا تقف Furientis وحدها في هذا الحقل؛ إذ أشار Franzen إلى أنّ شركاتٍ أخرى من بينها Anduril وCastelion وShield AI تعمل أيضاً على تطوير صواريخ اعتراضية قابلة للإنتاج الكثيف. وهذا التزاحم، بدل أن يُقلق Benchmark، يبدو أنّه يشجّعه على مزيدٍ من الاستثمار في القطاع. يقول Puttagunta: "أعتقد أنّ هناك فرصةً لمزيدٍ من الشركات في هذا القطاع"، في إشارةٍ إلى أنّ ازدهار الاستثمار الدفاعي، الذي بدأ قبل نحو أربع سنواتٍ مع الغزو الروسي لأوكرانيا، لا يزال في مرحلته المبكرة.
السؤال الذي يبقى مفتوحاً هو ما إذا كانت شركةٌ ناشئةٌ بعمر سنةٍ واحدة، ومصنعٌ واحدٌ حتى الآن، قادرةً فعلاً على الوصول إلى هدف الألف نظامٍ سنوياً وسدّ فجوةٍ تُقدَّر بمئة ضعفٍ أمام خصومٍ تتّسع قدراتهم الصناعية بوتيرةٍ لا تنتظر أحداً. الإجابة، على الأرجح، لن تُقاس بجولة تمويلٍ جديدة، بل بعدد الصواريخ التي ستخرج فعلاً من خطوط الإنتاج في لوس أنجلوس خلال السنوات القليلة المقبلة.
أخبار ذات صلة

استعد ذكريات أول رحلة مدارية لمركبة ستارشيب (Starship)

هل GPT-6 Astra فعلاً ذكاء عام؟ OpenAI تؤكد دخولنا العصر الجديد

إطلاق ستارشيب من فلوريدا: SpaceX تستعدّ للمحاولة الأولى من منصّة 39A
