اكتشاف أول مايكروبليزار يخفي أسرار الفضاء القريب
اكتشاف أول مايكروبليزار في درب التبانة يجمع ثقبًا أسودًا ونجمًا مرافقًا مع نفّاثات فائقة السرعة باتجاه الأرض ويكشف فقاعة عملاقة تصدر أشعة جاما قوية فرصة نادرة لدراسة تسريع الجسيمات في الفضاء عبر وورلد برس عربي.

يُذكّرنا الفضاء أحياناً بأنّ أقرب الظواهر الكونية إلينا قد تكون الأصعب اكتشافاً. فقد أعلن فريقٌ بحثي دولي عن رصد أوّل «مايكروبليزار» (microblazar) في مجرّة درب التبّانة، وهو نظامٌ يضمّ ثقباً أسود بكتلة نجمية يُطلق نفّاثاتٍ (jets) بسرعةٍ قريبة من سرعة الضوء باتّجاه الأرض مباشرة. الجسم، المعروف باسم IRAS 18293−0941، ظلّ مختبئاً لعقودٍ خلف سُحبٍ كثيفة من الغاز والغبار البينجمي، قبل أن تكشفه سلسلةٌ من الأرصاد الراديوية عالية الدقّة. الدراسة، التي قادها الباحث Josep Martí من جامعة Jaén الإسبانية، متاحةٌ حالياً كمسودّة بحثية أوّلية (preprint) على منصّة arXiv، وقد قُبلت للنشر في مجلّة Astronomy & Astrophysics المُحكَّمة.
كيف اكتُشف نظامٌ كان "مخفياً في وضح النظر"؟
يقول Josep Martí، رئيس فريق البحث: «كلّ شيءٍ في IRAS 18293−0941 كان مخفياً في وضح النظر. يقع النظام خلف كميةٍ من الغبار تجعله غير مرئيٍّ عملياً في الصور الضوئية الاعتيادية. جرى تصنيفه ضمن الفهارس الفلكية منذ عقود، ثم نُسِيَ إلى حدٍّ كبير». هذه العبارة تلخّص جوهر المفارقة العلمية هنا: نظامٌ يقع على مسافةٍ تُقدَّر بنحو 12,00 سنة ضوئية من الأرض أي قريبٌ نسبياً بمقاييس المجرّة ظلّ بعيداً عن الرصد المباشر بسبب كثافة الغبار البينجمي المحيط به.
يتكوّن النظام من ثقبٍ أسود بكتلة نجمية ونجمٍ مرافق ضخم، يدور حول الثقب الأسود كلّ 11 يوماً أرضياً. اكتُشفت هذه الدورة المدارية عبر ملاحظة تذبذب سطوع النجم، الذي كشف عن فترةٍ مدارية دقيقة قدرها 11.4 يوماً. يسحب الثقب الأسود موادّ من النجم المرافق، ويُوجّهها نحو قطبيه قبل أن تنفلت على شكل نفّاثتَين متعاكستَين تتحرّكان بسرعةٍ قريبة من سرعة الضوء.
ما يجعل هذا النظام استثنائياً هو زاوية رصده: فمداره يظهر لنا بشكلٍ يكاد يكون مواجهاً بالكامل (face-on)، ما يعني أنّ إحدى النفّاثتَين تتّجه تقريباً مباشرةً نحو الأرض، بينما تبتعد الأخرى في الاتجاه المعاكس تماماً وتبقى غير قابلة للرصد المباشر. رصدت الأرصاد الراديوية الأولى النفّاثة الأحادية الجانب، لكنّ التأكيد الحاسم جاء لاحقاً من شبكة European VLBI Network (اختصاراً EVN)، وهي شبكة تلسكوبات راديوية عالية الدقّة استبعدت احتمال أن يكون مصدر النفّاثة مجرّةً بعيدة تقع في الاتجاه نفسه وهو احتمالٌ كان يُثير التباساً حقيقياً في تفسير البيانات.
يشرح Benito Marcote، الباحث في Joint Institute for VLBI بهولندا: «كانت هذه هي اللحظة التي أصبحت فيها النتيجة راسخة. الدقّة التي حقّقها تحديد موقع EVN، إلى جانب الموقع المعروف للنجم من قمر Gaia الصناعي، أكّدا أنّ النفّاثة تنتمي إلى النظام النجمي». استخدام بيانات الموقع الدقيق من قمر Gaia لتحديد الإحداثيات النجمية كان إذاً حلقة الوصل التي حسمت الجدل حول مصدر الإشارة.
فقاعةٌ بعرض 100 سنة ضوئية وأشعّة جاما فائقة الطاقة
الجزء الأكثر إثارة في هذا الاكتشاف ليس النفّاثة القريبة منّا، بل أثر النفّاثة البعيدة التي تبتعد عن الأرض ولا يمكن رصدها مباشرة. فقد رصد التلسكوب الراديوي MeerKAT، الموجود في جنوب أفريقيا، تأثيرات هذه النفّاثة غير المرئية على محيطها: نفّاثةٌ خلقت فقاعةً بعرض 100 سنة ضوئية داخل الغاز والغبار البينجمي المحيط بالنظام.
على حافة هذه الفقاعة، توجد "بقعةٌ ساخنة" (hotspot) تُسرّع الجسيمات وتُسخّن الغبار المحيط، وتجعل غاز الهيدروجين يتوهّج، كما تُصدر أشعّة جاما عالية الطاقة. والمثير أنّ كلّ فوتون من أشعّة جاما هذه يحمل طاقةً تعادل عشرة أضعاف طاقة الجسيم المُسرَّع داخل مصادم الجسيمات الكبير (Large Hadron Collider، أو LHC)، وهو أقوى منشأة تسريع جسيمات على سطح الأرض. أمّا النفّاثة نفسها فتحمل طاقةً تعادل 500,000 ضعف الطاقة التي تُشعّها الشمس.
ما يمنح هذا الاكتشاف قيمته العلمية الخاصة هو الانفصال المكاني بين "محرّك" التسريع و"هدفه": فمُسرِّع الجسيمات والمنطقة التي تُنتج الإشعاع المرئي يفصل بينهما ما يُقارب عشرات الفرسخات الفلكية (parsecs). يصف Pedro Luque-Escamilla، عضو الفريق البحثي من جامعة Jaén، هذه الميزة بقوله: «الأناقة هنا أنّ محرّك التسريع والهدف جسمان مختلفان، يفصل بينهما عشرات الفرسخات الفلكية. النفّاثة تقوم بالتسريع، والسحابة هي التي تتوهّج». بعبارةٍ أخرى، يمكن للفلكيّين هنا دراسة عملية تسريع الجسيمات ومكان حدوث الإشعاع الناتج عنها كظاهرتَين منفصلتَين قابلتَين للرصد المستقل وهي فرصةٌ نادرة في علم الفلك عالي الطاقة.
لماذا يهمّ هذا الاكتشاف علم الفلك عالي الطاقة؟
يميّز الفلكيّون بين البليزار (blazar) والمايكروبليزار من حيث كتلة الثقب الأسود المُشغِّل للنظام. فالبليزار التقليدي يُغذّيه ثقبٌ أسود فائق الكتلة، تتراوح كتلته بين ملايين ومليارات أضعاف كتلة الشمس، وعادةً ما توجد هذه الأنظمة في مراكز مجرّاتٍ بعيدة. أمّا المايكروبليزار فيُغذّيه ثقبٌ أسود بكتلة نجمية لا تتجاوز بضع مئات أضعاف كتلة الشمس. وقد جرت النظرية القائلة بوجود أنظمة "المايكروكوازار" (microquasars) داخل مجرّة درب التبّانة منذ نحو ثلاثة عقود، لكنّ IRAS 18293−0941 يمثّل أوّل مثالٍ مؤكَّد من هذا النوع يُوجّه نفّاثته نحونا مباشرة، ما يجعله أقرب مختبرٍ طبيعي متاح لدراسة سلوك هذه الأنظمة عن قرب.
قرب هذا النظام من الأرض، مقارنةً بالبليزارات فائقة الكتلة البعيدة التي تُرصَد عادةً على مسافات مجرّية هائلة، يفتح الباب أمام دراسة تطوّر الأنظمة الشبيهة بالبليزار بتفاصيل يصعب الحصول عليها من مسافاتٍ كونية أبعد. كما يوفّر فرصةً لفهم آلية انتقال طاقة نفّاثات الثقوب السوداء إلى المادة المحيطة بها، وهي عملية تُعتقد أنّها تلعب دوراً في تشكيل المجرّات على مقاييس زمنية أطول بكثير.
يبقى السؤال المفتوح الآن: هل يُخبّئ درب التبّانة أنظمةً مشابهة أخرى ظلّت غير مكتشفة بفعل حجب الغبار البينجمي، كما كان حال IRAS 18293−0941 لعقود؟ الإجابة تتوقّف على مدى قدرة الشبكات الراديوية عالية الدقّة، مثل EVN وMeerKAT، على مواصلة مسح المناطق الكثيفة من مجرّتنا بحثاً عن إشاراتٍ مماثلة كانت، ببساطة، بانتظار من يلتفت إليها.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX مهمة سرية لقوات الفضاء الأمريكية من كاليفورنيا

صاروخ Rocket Lab يحمل قمراً راداريّاً يابانياً الليلة

تلسكوب ناسا الجديد: مشروع بمليار دولار في وقتٍ قياسي
