وورلد برس عربي logo

اكتشاف مقبرة أثرية تكشف أسرار حضارة الإتروسكان

اكتشاف مقبرة أثرية نادرة في فولشي شمال روما تكشف أسرار نخبة الإتروسكان بقطع ذهبية وبرونزية فريدة تعيد رسم التاريخ وتربط بين الماضي والحاضر في رحلة بحث طويلة عن كنوز الحضارة القديمة على موقع وورلد برس عربي.

مقبرة أثرية إتروسكانية عمرها 2700 عام في فولشي بإيطاليا، تكشف عن غرفة دفن حجرية محفوظة رغم محاولات النهب، تعكس تراتبية اجتماعية ونخبة حضارة إتروسكانية.
اكتشف علماء الآثار قبر الحجرة الحجرية في مقبرة بمدينة فولشي القديمة التابعة للحضارة الإتروسكانية. (حقوق الصورة: © مشروع العودة إلى فولشي)
التصنيف:علوم
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في موقع أثري شمال روما، عثر فريق من الباحثين على مقبرة أثرية يعود تاريخها إلى نحو 2700 عام، نجت من محاولات نهبٍ متكرّرة عبر القرون لتُسلّم إلى الباحثين اليوم كنزاً من المقتنيات الجنائزية النادرة، وربما إجابةً عن سؤالٍ ظلّ معلّقاً منذ عام 1889. المكتشَف، المعروف باسم «مقبرة الغرفة الحجرية»، يقع في مدينة فولشي (Vulci) الإتروسكانية القديمة، وقد يعيد رسم صورتنا عن التراتبية الاجتماعية لنخبة هذه الحضارة التي حكمت وسط إيطاليا قروناً قبل أن يبتلعها صعود روما.

ماذا وجد الباحثون تحت السقف المنهار؟

نفّذ فريق أثري أعمال التنقيب في مقبرة الغرفة الحجرية خلال هذا الصيف، ضمن مشروع «العودة إلى فولشي» (Return to Vulci) الذي يشترك في إدارته كريستيان مازيه (Christian Mazet)، الأثري في المتحف البريطاني، إلى جانب فريق من الآثاريين البريطانيين. كشفت الحفريات عن ثلاث غرف دفن تحت سقوفٍ منهارة، تعود جميعها إلى القرن السابع قبل الميلاد، وهي الفترة التي كانت فيها فولشي في أوج ازدهارها.

ورغم أنّ اللصوص حاولوا نهب المقبرة مراراً عبر القرون، فإنّ ما تبقّى فيها كان استثنائياً في غناه: أسلحة، وألواح من الذهب والبرونز، وأجزاء من عربة حربية، ومجوهرات، وملابس، وأحذية من بينها زوج نادر من أحذية نسائية، وهو نوعٌ من القطع نادراً ما يصمد أمام الزمن. أمّا الغرف الجانبية فقد أخرجت (Tripod) برونزي الصنع، مصنوعٌ في جزيرة رودس (Rhodes) قبالة الساحل الجنوبي الغربي لتركيا، إضافة إلى طقم مآدب شبه مكتمل، بعض قطعه لا تزال في مواضعها الأصلية تحت الأرض وهو تفصيل يمنح الباحثين نافذة نادرة على طريقة تنظيم الطقوس الجنائزية داخل الغرفة نفسها، لا فقط على محتوياتها.

هل هذه المقبرة التي بحث عنها جسيل قبل 136 عاماً؟

يعود جذر القصة إلى عام 1889، حين تعرّف الأثري الفرنسي ستيفان جسيل (Stéphane Gsell) على محيط تلٍّ جنائزي (تومولوس) في فولشي، لكنّه لم يتمكّن من الوصول إلى غرفة الدفن نفسها بعدما نفد وقته وتمويله. قدّر جسيل قطر التلّ آنذاك بنحو 102 قدم (31 متراً)، ووصفه في كتاباته بأنّه «كوكوميلا (Cuccumella) جديدة»، في إشارة إلى أكبر تلٍّ جنائزي معروف في فولشي، والذي يبلغ قطره نحو 230 قدماً (70 متراً).

اليوم، يقول فريق «العودة إلى فولشي» إنّه عثر على الغرفة المفقودة داخل التلّ الذي حدّده جسيل. يقول مازيه بثقة: «هذه هي المقبرة. نحن متأكدون تماماً من ذلك». والحساب الأولي لأبعاد الموقع يشير إلى أنّ التلّ الجديد قد يضاهي حجم كوكوميلا أو حتى يتجاوزه، بعد أكثر من قرن، نوعاً من التبرئة المتأخرة.

ماذا يقول هذا الاكتشاف عن نخبة فولشي؟

بالنسبة لمازيه، لا مجال للشكّ في المكانة الاجتماعية لصاحب أو أصحاب هذا الدفن: «لا شكّ في أنّ هذه مقبرة من أعلى طبقة». ويذهب أبعد من ذلك في تقييمه لحجم الاكتشاف: «كلّ شيء يخبرنا أنّها واحدة من أكثر المقابر ضخامةً في فولشي». هذا التقييم لا يستند فقط إلى ثراء القطع المكتشفة، بل إلى حجم البنية الجنائزية نفسها، ومقارنتها بالمعيار المعروف سابقاً وهو تلّ كوكوميلا.

تكتسب هذه المعطيات أهميتها من موقع فولشي في الخريطة الأثرية لجنوب إتروريا (Southern Etruria)، حيث عُرفت مقبرة المدينة بأنّها أنتجت آلاف المقابر الثرية خلال أعمال التنقيب في القرن التاسع عشر. الفارق هذه المرة أنّ الاكتشاف يربط بشكل مباشر بين سجلٍّ أرشيفي قديم نشره غسيل في وقته وبين موقعٍ فعلي على الأرض، وهو ما يندر أن يتحقق في علم الآثار بهذه الدقة.

كذلك، فإنّ وجود قطعة برونزية مستوردة من رودس داخل المقبرة يعزّز ما هو معروف بالفعل عن انخراط فولشي في شبكات تجارية وثقافية واسعة عبر البحر المتوسط، بما يتجاوز حدود شبه الجزيرة الإيطالية، في مرحلة كانت فيها الحضارة الإتروسكانية لا تزال في ذروة نفوذها قبل أن يبدأ أفولها في القرن الرابع قبل الميلاد مع صعود الحضارة الرومانية.

ما الذي لا نعرفه بعد؟

يبقى الكثير مجهولاً عن الإتروسكان أنفسهم؛ فلغتهم لا تزال مفهومة جزئياً فقط حتى اليوم، وأغلب ما نعرفه عن مجتمعهم يأتي من المواقع الأثرية نفسها لا من نصوص مكتوبة موثوقة. من هذه الزاوية، فإنّ كل اكتشاف من طراز مقبرة الغرفة الحجرية لا يضيف قطعاً أثرية فحسب، بل يسدّ ثغرات في فهمنا لحضارة تركت أثراً عميقاً في وسط إيطاليا قبل أن تُطوى صفحتها تدريجياً.

حالياً، غُطّيت المقبرة والتلّ الجنائزي المحيط بها للحفاظ عليهما، فيما تقرّر استئناف أعمال البحث في عام 2027. حتى ذلك الحين، ستبقى الأسئلة حول هوية صاحب المقبرة الدقيقة، وموقعها الفعلي ضمن التراتبية الاجتماعية لفولشي، مفتوحة أمام مزيدٍ من التنقيب والتحليل.

أخبار ذات صلة

Loading...
ديناصور مدرّع من نوع Nipponopelta yezoensis مع صفائح عظمية على ظهره، يمثل اكتشافًا نادرًا في آسيا مرتبطًا بهجرة الديناصورات عبر جسر بيرينغ.

اكتشاف ديناصور مدرّع نادر في اليابان يشير إلى هجرة عبر جسر أرضي قبل 100 مليون سنة

كشف جديد يبرز ديناصور مدرّع نادر في آسيا يحمل اسم Nipponopelta yezoensis ويؤكد هجرة الديناصورات عبر جسر بيرينغ القديم. اكتشف المزيد عن هذا الاكتشاف الثوري الآن!
علوم
Loading...
اقتراب نجم من ثقب أسود عملاق مع تمزقه وتحوله إلى خيط بلازما ملتف حول الثقب، يمثل حدث التمزق المدّي وانبعاث النفّاثات.

ثقوب سوداء ضخمة: "الفواق" الكوني يتّبع نمطاً واحداً

تُكشف دراسة جديدة لغز إطلاق النفاثات في الحفر السوداء عبر كتلتها، موضحةً قاعدة فيزيائية واحدة تحكم هذا السلوك الكوني. اكتشف المزيد عن أسرار التمزق المدّي وتأثيره على المجرات الآن!
علوم
Loading...
جهاز الحوسبة الكمّية الياباني "شونكاي" يستخدم الذرّات المحايدة لتشغيل كيوبتات في درجة حرارة الغرفة، مع نظام متكامل للتحكم والقراءة.

اليابان تشغّل أول حاسوب كمي والعلماء يخططون لتوسيعه إلى 10 آلاف كيوبت

اكتشف كيف يغير الحاسوب الكمّي الياباني "شونكاي" قواعد اللعبة باستخدام الذرّات المحايدة والتشغيل في درجة حرارة الغرفة. تابع معنا رحلة الابتكار والتقدم نحو حوسبة كمّية متقدمة وعملية. اقرأ المزيد الآن!
علوم
Loading...
قمرة قيادة طائرة بوينغ 787 تحلق على ارتفاع 37,000 قدم فوق شمال مانيتوبا مع عرض الشفق القطبي الأخضر المضيء في السماء الليلية.

الأضواء القطبية تعود: طيار يوثّق منظراً مذهلاً من ارتفاع 37 ألف قدم

تشهد سماء شمال مانيتوبا عروضاً مبهرة من الشفق القطبي هذا الخريف، مع نشاط شمسي مستمر وتأثير الاعتدال الخريفي الذي يعزز الرؤية. اكتشف أسرار هذا الموسم الساحر وكن أول من يشاهد الظاهرة!
علوم
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية