عبّارات كهربائية تغير مستقبل النقل المائي في الفلبين
قارب كهربائي محلي بسعة 40 راكب يفتح باب التحول لشبكة نقل مائي صديقة للبيئة في الفلبين. تجربة نهر باسيغ تطرح فرص وتحديات كهربة العبّارات مع دعم نرويجي وخطط لتطوير عبّارات هجينة تناسب جغرافية البلاد واحتياجاتها. وورلد برس عربي

هل يمكن لمركبٍ سعته 40 راكباً فقط أن يُقنع بلداً بأكمله بتغيير أسطول عبّاراته؟ في نهر باسيغ بمانيلا، يُبحر M/V Dalaray وهو قارب كاتاماران من الألمنيوم بطول 13 متراً، صُمّم وبُني محلياً بتكلفة كهرباء تقارب 45 بيزو فلبيني للكيلومتر الواحد، مقابل ما بين 130 و135 بيزو تُنفَق على وقود الديزل في العبّارات التقليدية. الفارق كبير بما يكفي ليطرح سؤالاً أوسع: هل تستطيع الفلبين، بجغرافيتها المكوّنة من 7,641 جزيرة وخط ساحلي يمتدّ نحو 36,000 كيلومتر، أن تبني شبكة نقلٍ مائي كهربائية على نطاقٍ أوسع من نهرٍ واحد؟
قبل الحماس، تجدر الإشارة إلى أنّ أرقام Dalaray تعكس تكاليف الطاقة فقط، ولا تشمل كامل تكاليف التملّك والتشغيل صيانة البطاريات، استبدالها لاحقاً، والبنية التحتية للشحن. هذا تفصيل يستحق التوقّف عنده كلّما قرأنا مقارنة "كهرباء أرخص من الديزل"، لأنّ الحسبة الكاملة أوسع من فاتورة الكهرباء وحدها.
من صمّم القارب، وكيف يعمل؟
طوّر Dalaray مهندسون من جامعة الفلبين ديليمان (University of the Philippines Diliman)، بدعمٍ من وزارة العلوم والتكنولوجيا الفلبينية. يعمل القارب ببطارية ليثيوم-أيون سعتها 160 كيلوواط/ساعة تُشغّل محرّكين كهربائيين بقدرة 50 كيلوواط لكلٍّ منهما، وينقل حتى 40 راكباً وثلاثة أفراد طاقم. لماذا نجح هذا النموذج تحديداً؟ لأنّ مسار نهر باسيغ يتميّز بمسافةٍ معروفة، ومحطاتٍ ثابتة للشحن، وجدول رحلاتٍ منتظم، وطلب طاقة يمكن التنبؤ به مسبقاً وهذه بالضبط الشروط التي تجعل التشغيل بالبطاريات خياراً منطقياً، لا مغامرة تقنية.
لماذا تحتاج الفلبين إلى العبّارات أصلاً؟
النقل المائي في الفلبين ليس رفاهية بل ضرورة يومية. عبّارات كثيرة تربط مجتمعاتٍ لا تتوفّر لها وصلات طرقية مريحة، بينما تمثّل الممرّات المائية الحضرية في مانيلا الكبرى ومدنٍ أخرى خياراً نقلياً إضافياً يخفّف الازدحام. غير أنّ ما يصلح لنهرٍ محدود المسار لا يصلح بالضرورة للعبّارات التي تقطع مسافاتٍ طويلة، وسط مياهٍ مضطربة، وبأحمالٍ ثقيلة وهي ظروف قد لا تناسب الاعتماد الكامل على البطاريات، ما يجعل الأنظمة الهجينة وتقنيات منخفضة الكربون الأخرى خياراتٍ أكثر واقعية للمسارات الأصعب.
ما الذي تعلّمته الفلبين من عقدٍ كامل من التجربة النرويجية؟
النرويج تسبق العالم في هذا المجال بأكثر من عقد. دخلت عبّارة MF Ampere الخدمة عام 2015 كأول عبّارة سياراتٍ كهربائية بالكامل، وبعد سبع سنواتٍ أصبحت MF Medstraum أول عبّارة ركّاب كهربائية سريعة. اليوم تُشغّل النرويج نحو 180 عبّارة كهربائية على أكثر من 100 مسار، ضمن منظومة صناعية متكاملة تضمّ شركاتٍ مثل Hyke لتصنيع المراكب، وZinus لأنظمة الشحن، وZeabuz للملاحة الذاتية، إلى جانب Kongsberg وMaritime Robotics في مجال الأتمتة البحرية، وZEM المتخصّصة في تقنيات البطاريات. الدرس الأهم هنا ليس تقنياً بحتاً: النرويج لم تُكهرب محرّكات فقط، بل بنت شبكةً كاملة من المركب والبطارية والشاحن ومصدر الكهرباء والمسار والجدول ونموذج الأعمال وهو ما يختلف جذرياً عن كهربة سفنٍ تقضي أياماً في عرض البحر.
هذا التبادل بين البلدين لم يكن عرضياً. ففي نوفمبر 2025 استضافت مانيلا أول مؤتمر للعبّارات الكهربائية بين النرويج والفلبين، بمشاركة شركات نرويجية ووكالات وشركات تشغيل وبناء سفنٍ فلبينية. وأعقب ذلك زيارةً استكشافية استمرّت أربعة أيام قام بها مسؤولون فلبينيون في القطاع البحري إلى النرويج، نظّمتها السفارة الملكية النرويجية في مانيلا بالتعاون مع Innovation Norway وMaritime Cleantech. تضمّنت الزيارة معاينة مواقع عبّاراتٍ عاملة، وجلسات عرضٍ تقديمي، ولقاءاتٍ مع مشغّلين وشركات تكنولوجيا، بهدف فهم السياسات النرويجية للعبّارات الكهربائية وظروف السوق وآلية تشغيل الشبكة.
ضمّ الوفد الفلبيني ممثلين عن وزارة النقل (DoTr)، وهيئة النقل البحري (Marina)، وشركة Archipelago Philippine Ferries Corp، وشركة AD&V للاستشارات والتعهيد، إضافة إلى Follosco Morallos & Herce والبنك الدولي. ولافتٌ أنّ الدفع نحو النقل العام الكهربائي في الفلبين تركّز حتى الآن بشكلٍ رئيسي على المركبات البرّية، ما يجعل هذا التبادل خطوةً نحو فتح ملفّ النقل المائي الكهربائي رسمياً.
ما الذي يمكن أن يُبنى الآن؟
من بين محاور مؤتمر مانيلا: الدفع الكهربائي والهجين، والشحن، وتصميم المركبات، والملاحة الذاتية. وقد أثمر ذلك عن اقتراحٍ مشترك لتطوير عبّارة كهربائية-هجينة مصمَّمة خصيصاً للظروف الفلبينية، إلى جانب اتفاقٍ لبناء نموذجٍ أولي يجمع رابطة الفلبين للعبّارات الساحلية والداخلية، وشركة IMP Shipyard and Port Services، وZEM. يُذكَر أنّ مشروع TrAM – وهو مبادرة أوروبية بدعمٍ من الاتحاد الأوروبي لتطوير نقلٍ بحري كهربائي معياري (modular) يمثّل مرجعاً تقنياً محتملاً لهذا النوع من التطوير التدريجي.
يبقى السؤال المفتوح: أيّ المسارات الفلبينية تشبه نهر باسيغ قصيرة ومتكرّرة وقابلة للتنبؤ وأيّها أقرب إلى عبورٍ طويل وسط مياهٍ صعبة يحتاج حلولاً هجينة؟ الإجابة لن تأتي من استيراد تجربة النرويج كما هي، بل من تكييفها مع كل عنصرٍ من عناصر الشبكة: المركب، البطارية، الشاحن، مصدر الكهرباء، والمسار، والجدول، ونموذج العمل نفسه. الفلبين ليست بحاجة إلى نسخة طبق الأصل من النرويج، بل إلى قراءةٍ دقيقة لخرائطها المائية الخاصة قبل أن تقرّر أين تبدأ.
أخبار ذات صلة

BYD تستهدف السوق اليابانية بسيارات مخصّصة

جاكو J5 ظاهرة المبيعات الاقتصادية في أستراليا

مكاتب العائلات الثرية تتسابق نحو استثمارات الذكاء الاصطناعي
