وورلد برس عربي logo

الحيوانات نشأت قبل الأحافير بفترة طويلة على الأرض

دراسة جديدة تكشف أن الحيوانات قد تكون نشأت قبل أقدم أحفورة معروفة بمئات الملايين من السنين خلال حقبة تجمّد الأرض الشديدة. اكتشافات تكشف أسرار أصول الحياة وتعيد رسم تاريخ التطور على كوكبنا في وورلد برس عربي.

تجسيد لحياة بحرية بدائية تعود لفترة النيوبروتيروزويك يظهر كائنات مجهرية تشبه الإسفنجيات قبل ظهور أول أحافير حيوانية معروفة.
إعادة تخيل فنية لقاع البحر في ناميبيا بغرب أفريقيا قبل 543 مليون سنة. (حقوق الصورة: متحف التاريخ الطبيعي، جامعة أكسفورد / مايتي فوسيلز.)
التصنيف:علوم
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

تشير دراسةٌ جديدة إلى أنّ الحيوانات قد تكون نشأت على كوكب الأرض قبل مئتي مليون سنة من أقدم أثرٍ أحفوري معروف لها، أي في فترةٍ قد تتداخل مع واحدةٍ من أعنف حقب التجمّد في تاريخ الكوكب، المعروفة بـ«كرة الثلج الأرضية» (Snowball Earth). النتيجة، المنشورة في مجلة Science Advances يوم الجمعة 2 أكتوبر، لا تستند إلى اكتشاف أحفورةٍ جديدة، بل إلى إعادة حسابٍ لما يُعرف بـ«الساعة الجزيئية» (Molecular Clock)، وهي تقنيةٌ تقيس الفروقات الوراثية بين الكائنات الحيّة ومعدّلات تغيّر الحمض النووي عبر الزمن لتقدير متى انفصلت سلالاتها التطوّرية عن بعضها.

وبحسب الباحثين، فإنّ أقدم دليلٍ أحفوري مؤكّد على وجود الحيوانات يعود إلى نحو 574 مليون سنة، بينما تقترح الدراسة الجديدة نافذةً زمنية أبكر بكثير، تمتدّ بين 800 و700 مليون سنة، أي ضمن حقبة النيوبروتيروزويك (Neoproterozoic) التي تغطّي الفترة من مليار سنة إلى 539 مليون سنة مضت. هذا التاريخ المقترح يسبق، أو يتزامن مع، بداية عصر الكريوجينيان (Cryogenian) قبل نحو 720 مليون سنة، حين شهدت الأرض تجمّداتٍ هائلة.

كيف تُقرأ الساعة الجزيئية؟

يشرح الباحثون المبدأ بمثالٍ مبسّط: إذا قورنت سلسلتا الحمض النووي لنوعين من الطيور ووُجد بينهما خمسة تغيّرات وراثية، وكان معدّل التغيّر تغيّراً واحداً كل مليون سنة تقريباً، فإنّ ذلك يشير إلى انفصال تطوّري يعود إلى نحو خمسة ملايين سنة. يقول كارما نانغلو، الأستاذ المساعد في علم الأحياء القديمة التطوّري بجامعة كاليفورنيا في ريفرسايد: «الساعات الجزيئية مفيدةٌ حين لا يتوفّر سجلٌّ أحفوري جيّد لمجموعةٍ أو فترةٍ زمنية محدّدة». غير أنّ دقّة هذه الطريقة تعتمد على نقاط مرجعيةٍ من السجل الأحفوري نفسه لمعايرة معدّل التغيّر، وهنا يكمن جوهر الدراسة الجديدة.

استخدم الباحثون سابقاً طبقة «وينغ آن» (Weng'an Biota) في الصين، التي يعود عمرها إلى نحو 590 مليون سنة، كحدٍّ مرجعي أعلى: فهذه الصخور تحفظ كائناتٍ مجهرية بدقّةٍ استثنائية، لكنّها لا تحتوي على أي أحفورةٍ حيوانية قاطعة، ما جعل الباحثين سابقاً يفترضون أنّ الحيوانات لم تكن موجودة بعد في تلك الحقبة. الاستناد إلى هذا الحد المتأخّر أنتج تقديراتٍ حديثةً نسبياً لنشأة الحيوانات. أمّا حين استُبدلت قيود أقدم، مستمدّة من تشكّلاتٍ صخرية في النرويج وأستراليا وولاية أريزونا الأمريكية، يتراوح عمرها بين 850 و730 مليون سنة تقريباً، فإنّ التقدير تحرّك إلى الوراء بنحو 200 مليون سنة.

اختبارٌ ميداني في منغوليا

الاختراق الأهمّ في الدراسة جاء من فحص أكثر من 140 عيّنة من طبقة «خيسين» (Kheseen Biota) في منغوليا، التي يفوق عمرها طبقة وينغ آن بأكثر من 40 مليون سنة. وباستخدام المجهر الإلكتروني الماسح، عثر الفريق على أحافير مجهرية، من بينها كائناتٍ كروية دقيقة وبنىً شبيهة بالأجنّة تحتوي خلايا داخلية. لكن رغم هذا الحفظ الاستثنائي، لم يتمكّن الباحثون من تصنيف أيٍّ من هذه الأحافير كحيوانات، في حين تشير أدلّةٌ أخرى إلى أنّ الحيوانات كانت موجودةً فعلاً في أماكن أخرى من الأرض حين تشكّلت هذه الطبقة.

تفصيل مجهر إلكتروني لما يشبه خلية حيوانية بدائية من طبقة خيسين في منغوليا، يبرز أهمية إعادة تقييم نشأة الحيوانات قبل 700 مليون سنة خلال حقبة النيوبروتيروزويك.
Loading image...
صورة مجهر إلكتروني لحفرية مجهرية من نوع أستروكابسوديس وينغانينسيس، من مجتمع خيسين البيولوجي في منغوليا.

هذه النقطة تحديداً هي ما يفنّد الافتراض القديم، بحسب روس أندرسون، الأستاذ المشارك في التاريخ الطبيعي بجامعة أكسفورد والمُشارك في الدراسة: «طبقة خيسين تكسر الحجّة القائلة إنّ الأحافير المجهرية الاستثنائية لوينغ آن تعني أنّنا كنّا سنرى أحافير حيوانية في تلك المجموعة لو كانت موجودةً فعلاً في ذلك الوقت». ويضيف: «أحافير خيسين محفوظةٌ بالقدر نفسه من الجودة، ومع ذلك تبقى الحيوانات غائبةً عنها، رغم أنّنا نعلم أنّها كانت موجودةً في تلك المرحلة».

غيابٌ لا يعني انعداماً

يبقى السؤال الذي يطرحه كل باحثٍ في هذا الحقل: لماذا لا نجد أحافير حيوانية من حقبة النيوبروتيروزويك رغم وجود طبقاتٍ محفوظةٍ جيداً؟ الإجابة، كما يوضح كارما نانغلو، قد لا تتعلّق بغياب الحيوانات بل بغياب الظروف الملائمة لتحوّلها إلى أحافير، أو بكون الباحثين يبحثون في الأماكن الخطأ: «اللعبة أساساً هي معرفة مدى تقدّم نشأة الحيوانات عن أول اكتشافٍ أحفوري لها، وما الذي حدث في ذلك الصندوق الأسود التطوّري بين نشأتها الفعلية وبين أول نافذةٍ أحفورية نحصل عليها». ويضيف في موضعٍ آخر: «الأحافير نفسها مخفيّةٌ بتعريفها عن النظر العام، وهناك عالمٌ أكثر خفاءً من ذلك، وله إمكاناتٌ كبيرة ليخبرنا عن أصول الحيوانات».

تدعم هذا الاتجاه أدلّةٌ كيميائية حيوية (Biomarkers) أُشير إليها في أبحاثٍ سابقة كمؤشراتٍ تتّسق مع وجود الإسفنجيات منذ 650 مليون سنة على الأقل، أي ضمن النافذة الزمنية التي تقترحها الدراسة الحالية.

حذرٌ علمي لا يُغفَل

ورين لول داربين، الباحث الرئيسي في الدراسة والطالب في مرحلة الدكتوراه بجامعة فرجينيا تك (وكان طالباً جامعياً في أكسفورد وقت إجراء البحث)، يُحذّر من استعجال الاستنتاج: «الأحافير الجسدية للحيوانات من ما قبل عصر الإدياكاران لا تزال بعيدة المنال، وهذا التحليل لا يُثبت أنّ الحيوانات كانت موجودةً قبل 800 مليون سنة». لكنّه يضيف: «في المقابل، تُظهر تحليلاتنا بالساعة الجزيئية إلى أيّ مدى يمكن أن يمتدّ تاريخها التطوّري إلى الوراء».

ويختصر روس أندرسون حدود الدراسة بوضوح: «إلى أن تتوفّر تلك الأدلّة، يبقى تاريخ ميلاد المملكة الحيوانية الدقيق غير مؤكّد». فالفارق بين «احتمال النشأة» و«إثبات الوجود» يظلّ جوهر النقاش العلمي هنا، تماماً كما يختلف الإجماع الطبي عن الفرضية البحثية قيد الاختبار في أي تخصّص علمي آخر.

يخطّط الفريق البحثي الآن للبحث في صخورٍ أخرى من حقبة النيوبروتيروزويك، ذات بيئاتٍ وظروف حفظٍ مختلفة، عسى أن تكشف يوماً ما إن كانت الحيوانات قد نجت بالفعل من موجات التجمّد القطبي التي اجتاحت الأرض خلال الكريوجينيان، أو إن كانت نشأتها الحقيقية لا تزال حبيسة ذلك «الصندوق الأسود» الذي لم يُفتح بعد.

أخبار ذات صلة

Loading...
نظام Power Tower للطاقة الشمسية بارتفاع 20 مترًا لتوليد كهرباء مستدامة في القطب الجنوبي للقمر لدعم قاعدة ناسا Artemis.

برج الطاقة الضخم من Blue Origin لتعزيز الكهرباء الشمسية على القمر

تسعى Blue Origin إلى تمكين وجود بشري مستدام على القمر عبر نظام Power Tower للطاقة الشمسية، المصمم للعمل في ظروف القطب الجنوبي القمري. اكتشف كيف سيغير هذا الابتكار مستقبل القواعد الفضائية وكن جزءاً من الرحلة.
علوم
Loading...
ميلت ويندلر في غرفة تحكم ناسا أثناء إدارة مهمة أبولو 13 عام 1970، يظهر وهو يرتدي سماعة رأس ويركز على مراقبة الرحلة الفضائية.

ميلت ويندلر: مدير الرحلة بـ NASA الذي أنقذ أبولو 13 يرحل عن 94 عاماً

ميلت ويندلر قاد إنقاذ أبولو 13 في لحظة حرجة، محولاً أزمة فضائية إلى نجاح تاريخي. تعرف على قصة البطل الذي شكّل مستقبل مهمات ناسا. اكتشف التفاصيل الآن!
علوم
Loading...
منظر تخيلي للأرض القديمة مع براكين نشطة ومحيطات تعكس دورات الفوسفور التي ساعدت في استدامة الأكسجين وحياة معقدة.

كيمياء المحيطات القديمة تُرشد البحث عن الحياة في العوالم الأخرى

كيف حافظت الأرض على الأكسجين في غلافها الجوي بعد مليارات السنين؟ اكتشف دراسة جديدة دور دورة الفوسفور في المحيطات القديمة التي دعمت استدامة الحياة المعقدة. تابع القراءة لتعرف التفاصيل!
علوم
Loading...
رائد فضاء مستلقٍ على جهاز طرد مركزي قصير نصف القطر لاختبار الجاذبية الاصطناعية للحفاظ على صحة العظام والعضلات خلال رحلات الفضاء الطويلة.

هل يمكن إنشاء جاذبية اصطناعية على متن سفينة فضائية؟

رحلة المريخ تواجه تحديات صحية بسبب انعدام الوزن وتأثيره على العظام والعضلات والرؤية. الجاذبية الاصطناعية قد تكون الحل، لكن التطبيق يواجه عقبات تقنية ومالية. اكتشف كيف يمكن تحقيق ذلك وابقَ على اطلاع!
علوم
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية