كشف الأسرار النووية في الفضاء وحماية الأقمار الاصطناعية
مع تزايد المخاوف من الأسلحة النووية في الفضاء خاصة الروسية يقترح باحث من MIT تقنية لرصد النووي في المدار وحماية الأقمار الصناعية من خطر كارثي قد يهدد الاتصالات والاقتصاد العالمي تابع التفاصيل عبر وورلد برس عربي

قرابة ستّة عقود مرّت على توقيع معاهدة الفضاء الخارجي عام 1967، التي حظرت صراحةً نشر الأسلحة النووية في مدار الأرض، دون أن يمتلك العالم حتى اليوم أيّ وسيلة موثوقة للتحقّق من احترام هذا الحظر. الآن، يقترح باحثٌ من معهد MIT حلّاً تقنياً قد يسدّ هذه الثغرة التي طالت عقوداً وهو اقتراحٌ يكتسب أهمية استثنائية في ضوء المخاوف المتصاعدة من تطوير روسيا لسلاح نووي مضادّ للأقمار الاصطناعية.
ثغرة عمرها ستون عاماً
تحظر المادة الرابعة من معاهدة الفضاء الخارجي على الدول الأطراف وضع أسلحة نووية أو أسلحة دمار شامل في المدار حول الأرض. وقّعت عليها الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي عام 1967 في خضمّ سباق التسلّح، غير أنّ النصّ القانوني لم يُرفَق قطّ بآليةٍ تقنية للتحقّق من الامتثال. بعبارةٍ أخرى: لا أحد يستطيع اليوم أن يُثبت أو ينفي بشكلٍ قاطع ما إذا كان قمرٌ اصطناعيٌّ ما يحمل رأساً حربياً نووياً.
هذا هو الفراغ الذي يسعى عمل Areg Danagoulian، الفيزيائي في معهد MIT، إلى ملئه. يقترح Danagoulian تجهيز قمرٍ اصطناعي بمستشعرٍ قادر على رصد انبثاق النيوترونات الصادرة عن المواد النووية، مستعيناً بالبروتونات عالية الطاقة المحبوسة في حزام الإشعاع الأرضي. حجم هذا المستشعر لا يتجاوز حجم موسوعة مكتبية، ومداه يبلغ نحو 4 كيلومترات مع أسبوعٍ تقريباً من المراقبة المستمرة، فيما تتسارع عملية الكشف كلّما اقترب القمر الراصد من الهدف المشتبه به.
درسٌ من 1962: حين أطفأت قنبلةٌ نووية أضواء هونولولو
لفهم الخطر الحقيقي الذي تُعالجه هذه الدراسة، لا بدّ من العودة إلى التاسع من يوليو 1962، يوم أجرت الولايات المتحدة تجربة Starfish Prime: تفجيرٌ نووي بقوة 1.45 ميغاطن على ارتفاع 400 كيلومتر فوق المحيط الهادئ. كانت النتائج صادمةً حتى للقائمين على التجربة أنفسهم؛ فقد تضرّر 8 من أصل 24 قمراً اصطناعياً كانت في المدار آنذاك، من بينها Telstar 1 و Ariel 1، وظلّت الإشعاعات تُلوّث الفضاء القريب من الأرض نحو خمس سنوات. على الأرض، انطفأت 300 مصباح في شوارع هونولولو وتفعّلت أجهزة الإنذار ضدّ السرقة في المدينة دون سببٍ ظاهر.
يصف عالم الفلك John Barentine هذه التجربة بأنّها كانت "من أوائل الأمثلة التي بدأنا فيها نفهم الطرق التي يترابط بها الفضاء الخارجي والبيئة الأرضية". وفي الفترة ذاتها، أجرى الاتحاد السوفيتي سلسلة تجارب Project K بين عامَي 1961 و1962، أسفرت عن انقطاعات في الكهرباء والاتصالات في كازاخستان.
الفضاء اليوم: بيئةٌ أكثر هشاشةً بما لا يُقاس
المشهد الفضائي عام 1962 كان يضمّ 24 قمراً اصطناعياً فحسب. اليوم، تتجاوز الأجسام المرصودة في الفضاء 48,000 جسمٍ تعود لأكثر من 190 دولة. هذا الازدحام يُضاعف من خطورة أيّ تفجير نووي في المدار تضاعفاً هائلاً.
تُشير الدراسات إلى أنّ تفجيراً نووياً واحداً على ارتفاعٍ مناسب قادرٌ على تعطيل شبه كامل للأقمار الاصطناعية غير المحصّنة في المدار المنخفض خلال أسابيع إلى أشهر. التقديرات الاقتصادية لمثل هذا السيناريو مقلقةٌ للغاية: قد تبلغ الأضرار المباشرة نحو 500 مليار دولار، فيما قد يتجاوز الأثر الاقتصادي الإجمالي 3 تريليونات دولار. ويُفاقم من هذا الخطر أنّ معظم الأقمار الاصطناعية الحديثة تعتمد على مكوّنات إلكترونية رخيصة التكلفة ومتاحة تجارياً، وهي بطبيعتها شديدة الحساسية للإشعاع النووي.
يقول Brian Weeden، مدير السياسات المدنية والتجارية في Center for Space Policy and Strategy التابع لـ Aerospace Corp، إنّ هشاشة الأقمار الاصطناعية الحديثة أمام الإشعاع النووي هي "أكبر مصدر قلق" في نظره. ويُلاحظ Thomas González Roberts، الأستاذ المساعد في Georgia Institute of Technology، أنّ انخفاض تكاليف الإطلاق جعل الفضاء في متناول جهاتٍ غير حكومية تفتقر إلى أساطيل ضخمة من الأقمار، ما يُغيّر موازين الحوافز والمخاطر.
Kosmos-2553: الشبهة الروسية وسياسة الإنكار
المخاوف لا تبقى في عالم الافتراض النظري. ففي عام 2022، أطلقت روسيا القمر الاصطناعي Kosmos-2553 في مدارٍ يتميّز بمستويات إشعاعية مرتفعة، وهو خيارٌ غير مألوف لقمرٍ عادي. وفي عام 2024، أعلن مسؤولون أمريكيون أنّ هذا القمر قد يكون سلاحاً نووياً مضادّاً للأقمار الاصطناعية، في حين نفت روسيا هذه الاتهامات. ما زاد من الريبة أنّ Kosmos-2553 أظهر حركاتٍ متذبذبة وغير منتظمة، أثارت تساؤلاتٍ جدية حول طبيعة حمولته.
في هذا السياق، يبدو وصف Roberts دقيقاً: "ثمّة أمثلة نادرة جداً على أضرارٍ نووية في الفضاء، لأنّ الأمر سيّئٌ بشكلٍ واضح. هذه الأسلحة ليست مصمّمةً فعلاً للاستخدام، في رأيي". ويُوضّح أنّ الأمر "الأكثر جاذبيةً لدولةٍ خارجة عن النظام ككوريا الشمالية. أمّا بالنسبة لدولةٍ فضائية كروسيا فهو أقلّ جاذبية لا يعني ذلك أنّها لن تفعله، لكنّ سلبيات هذا النوع من الهجمات هائلة".
ويُضيف Roberts في سياقٍ آخر أنّ مشغّلي الأقمار الاصطناعية "يُصابون بالهلع حقاً حين يقضي قمرٌ آخر وقتاً طويلاً بجوارهم، إذ قد يظنّون أنّه يتجسّس عليهم".
حين تسبق السياسة التقنية
الاقتراح التقني لـ Danagoulian واعدٌ من حيث المبدأ، لكنّ المسار من النموذج البحثي إلى التطبيق الفعلي يمرّ عبر حقلٍ ألغامٍ دبلوماسي وسياساتي. يُلخّص Weeden المعضلة بوضوح: "في تجربتي، التحدّيات السياساتية هي دائماً الأصعب مقارنةً بالتحدّيات التقنية".
هذه الملاحظة ليست تقليلاً من شأن الإنجاز التقني، بل هي تشخيصٌ دقيق لواقع التحقّق في الفضاء. فحتى لو أُنتج المستشعر وأُطلق في المدار، يبقى السؤال: من يملك صلاحية التفتيش؟ وما الإجراء القانوني حين يُكشف عن انتهاك؟ وكيف تتصرّف الدول في غياب آليةٍ دولية ملزمة؟
معاهدة 1967 وُضعت في عالمٍ كانت فيه القوى الفضائية لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، وكانت الأقمار الاصطناعية ترفاً استراتيجياً لا بنيةً تحتيةً حيوية. اليوم، تعتمد عليها الاتصالات والملاحة والرصد الجوّي والأنظمة المالية والبنية التحتية الحيوية في دول العالم كافة، بما فيها دول المنطقة العربية التي باتت تستثمر بشكلٍ متصاعد في قطاع الفضاء.
الفجوة بين نصّ المعاهدة وواقع الفضاء المعاصر تزداد اتساعاً مع كلّ عملية إطلاق جديدة. والسؤال الذي يطرحه بحث MIT ليس فقط "هل يمكننا الكشف عن الأسلحة النووية في الفضاء؟" بل السؤال الأعمق: هل تمتلك المنظومة الدولية الإرادة لبناء نظام تحقّقٍ فعلي قبل أن يُجبرها حادثٌ كارثي على ذلك؟
أخبار ذات صلة

تطرح Nscale اختباراً جديداً لشهية وول ستريت على الرهانات المركّزة على الذكاء الاصطناعي

رئيس Goodfellas: Hazanavicius استخدم الذكاء الاصطناعي لتقليص ثمانية أيام إنتاج في فيلمه الحربي

الذكاء الاصطناعي في الصيف: لا تنخدع بالضجيج التسويقي
