رحلة كيريوسيتي المريخية تستمر وتكشف الأسرار
المركبة Curiosity تتجاوز كل التوقعات بمهمة استكشاف المريخ التي امتدت لأكثر من 14 عاماً، ترسل آلاف الصور والبيانات التي تعيد تشكيل فهمنا للكوكب الأحمر وتكشف أسرار وجود الحياة القديمة عليه وورلد برس عربي يروي التفاصيل.

تجاوزت المركبة الجوّالة Curiosity التابعة لوكالة ناسا (NASA) عتبة 5,000 شروقٍ وغروبٍ مريخي بحلول 30 أغسطس 2026، في محطةٍ رمزية تختصر أكثر من أربعة عشر عاماً من العمل المتواصل على سطح كوكبٍ صُمِّمت المركبة أصلاً لاستكشافه خلال سنتين فقط. الفارق بين الخطة الأصلية والواقع الميداني هو بالضبط ما يستحقّ التوقّف عنده: مركبةٌ يُفترض أن تكون قد أنهت مهمّتها منذ اثنتي عشرة سنة، ما زالت ترسل صوراً وبيانات تُعيد صياغة فهمنا لتاريخ المريخ المائي، ولاحتمالات وجود حياةٍ قديمة على سطحه.
هبطت Curiosity على المريخ في أغسطس 2012 ضمن مهمة "مختبر علوم المريخ" (Mars Science Laboratory)، وناجت منذ ذلك الحين عواصف ترابية عالمية اجتاحت الكوكب أكثر من مرة، وهي عواصف كفيلة عادةً بتعطيل الألواح الشمسية أو تعمية الكاميرات. لم يحدث ذلك؛ فالمركبة تعمل بمصدر طاقةٍ نووي لا يعتمد على ضوء الشمس، وهو ما يفسّر جزئياً صمودها الاستثنائي مقارنةً بمركباتٍ أخرى اعتمدت على الطاقة الشمسية وتوقّفت بعد عواصف مشابهة.
من هبوطٍ محدود بسنتين إلى رحلة تتجاوز 14 عاماً
المسافة التي قطعتها Curiosity تتجاوز 23.6 ميلاً (38 كم) من نقطة هبوطها الأولى، وهي ليست مسافةً مستقيمة بل تسلّقٌ تدريجي: صعدت المركبة أكثر من 3,200 قدم (1,000 متر) على منحدرات جبل شارب (Mount Sharp)، الذي يرتفع بمجمله 3.4 ميل (5.5 كم)، لتصل إلى ما يزيد على نصف ميل داخل سفوحه. كان العلماء يأملون في الأصل بلوغ قاعدة الجبل فحسب؛ أن تتجاوز المركبة ذلك إلى التسلّق الفعلي يُعدّ تجاوزاً واضحاً لسقف التوقّعات الأولى.
على مدار هذه الرحلة، التقطت المركبة أكثر من 780,000 صورة باستخدام 17 كاميرا موزّعة على هيكلها، بمعدّل مئات الصور في كل يوم مريخي (يُعرف محلياً باسم "سول"). هذا الكمّ الهائل من التوثيق البصري ليس زخرفاً علمياً؛ فكل صورة تُشكّل جزءاً من سجلٍّ يُتيح لفرق ناسا تتبّع التغيّرات الجيولوجية والجوية على الكوكب بدقةٍ يصعب تحقيقها عبر الأقمار الصناعية المدارية وحدها. يمكن الاطلاع على تفاصيل هذه الكاميرات عبر صفحة ناسا المخصّصة لكاميرات Curiosity، كما يوفّر موقع رحلة المركبة خريطةً تفاعلية لمسارها الكامل منذ الهبوط.
عشر صورٍ ترسم سيرة الرحلة
اختارت ناسا عشر صورٍ اعتبرتها الأكثر دلالة من أرشيف المركبة، وهي تتوزّع زمنياً على نحوٍ يروي تطوّر المهمة نفسها. في 19 فبراير 2014 (سول 548)، التقطت Curiosity منظراً لجبل شارب في الأفق، في وقتٍ كانت المركبة لا تزال بعيدة عن سفوحه. بعد أكثر من عام، وتحديداً في 15 أبريل 2015 (سول 956)، سجّلت أول صورةٍ ملوّنة لغروب الشمس على المريخ، كاشفةً ظاهرةً لافتة: السماء المريخية تبدو عادةً بلونٍ يميل إلى الأصفر والبرتقالي بفعل تشتّت الغبار الجوي للضوء الأحمر والأصفر، لكن عند اقتراب الشمس من الأفق يصبح اللون الأزرق هو الأقوى ظهوراً، عكس ما يحدث على الأرض تماماً.
في 19 يناير 2016 (سول 1128)، ابتكرت المركبة "سيلفي" ذاتياً بجانب كثيب "ناميب" (Namib Dune) الواقع ضمن حقل كثبان باغنولد (Bagnold Dune Field) قرب جبل شارب، وذلك بدمج 57 صورةً التقطتها كاميرا مثبّتة على ذراعها الآلية. لم تكتفِ المركبة بالتصوير؛ إذ أخذت عيّنات من رمال الكثيب وخدشت سطحه بعجلاتها لدراسة تركيبه. وبعد أقلّ من عامين، في 17 سبتمبر 2017 (سول 1819)، صوّرت المركبة صخرةً في منطقة "فيرا روبين ريدج" (Vera Rubin Ridge) بعد أن نظّفت الغبار عنها؛ حدّد الجيولوجيون لاحقاً أنها تحتوي على هيماتيت دقيق الحبيبات مع شقوقٍ مملوءة بكبريتات الكالسيوم، وهي المعطيات التي قادت العلماء لاحقاً إلى اكتشاف مواد شبيهة بالياقوت مطمورة داخل صخور مريخية أخرى.
من بين أكثر الصور إثارةً للفضول، تلك التي التقطتها المركبة في 7 مايو 2022 (سول 3466) لفتحةٍ صخرية شبه مربّعة الشكل يبلغ ارتفاعها 3 أقدام، تشبه "باباً" صغيراً منحوتاً في جرفٍ صخري، تشكّلت بفعل تقاطع شقوقٍ عمودية مع طبقاتٍ أفقية من الصخر، مع وجود قطعةٍ صخرية ساقطة قريباً منها. أما في 27 يناير 2023 (سول 3724)، فقد رصدت المركبة سحابةً مضيئة ليلاً (noctilucent) تشكّلت على ارتفاعٍ كبير في الغلاف الجوي بعد غروب الشمس؛ وهي ظاهرةٌ نادرة الحدوث على المريخ، يعتقد العلماء أنها تتألف من ثاني أكسيد الكربون لا من الجليد المائي، فيما يشير لونها المتلألئ إلى تجانس أحجام جسيمات الجليد المكوّنة لها.
في اليوم التالي مباشرةً، أي في 28 يناير 2023 (سول 3725)، صوّرت Curiosity نيزكاً حديدياً-نيكلياً أُطلق عليه اسم "كاكاو" (Cacao)، بقطرٍ يقارب قدماً واحدة، واستخدمت المركبة ليزراً لتبخير جزءٍ منه وتحليل تركيبه الكيميائي. بقاء نيازك كبيرة الحجم من الحديد على سطح المريخ يُفسَّر ببرودة الكوكب وجفافه مقارنةً بالأرض، وهو ما يمنحها فرصة نجاةٍ أطول من التآكل؛ كما أن وجود نيازك حديدية بهذا الحجم يشير إلى أن الغلاف الجوي للمريخ كان في الماضي أكثر كثافة مما هو عليه اليوم، وفق ما تناولته ورقة بحثية حول النيازك المريخية.
ما تكشفه الصخور عن كيمياء المريخ القديمة
لم تكن كل الاكتشافات مخطّطاً لها. ففي يونيو 2024 (سول 4208)، سحقت عجلات المركبة صخرةً بالصدفة أثناء مرورها، فكشف ذلك عن بلوراتٍ صفراء من الكبريت العنصري النقي، بأجزاءٍ بلغ اتساعها نحو 5 بوصات (12.7 سم). كانت هذه أول مرةٍ يُعثر فيها على كبريتٍ نقي على المريخ، علماً أن معادن الكبريت هناك عادةً ما تكون على هيئة كبريتات مركّبة لا عنصرية خالصة. على الأرض، يتشكّل الكبريت النقي عادةً عبر عمليات بركانية أو حرارية مائية، لكن آلية تشكّله في هذه الحالة المريخية لا تزال غير واضحة للعلماء حتى الآن.
هذا الاكتشاف العرضي يُضاف إلى رصيدٍ أوسع من العيّنات التي جمعتها المركبة بشكلٍ ممنهج: 42 عيّنة صخرية جرى حفرها وتحليلها بواسطة مثقابٍ مثبّت على الذراع الآلية للمركبة، يقوم بطحن الصخور إلى مسحوقٍ يُحلَّل بواسطة أجهزةٍ علمية على متن المركبة. واختيار مواقع أخذ العيّنات لا يتم عشوائياً؛ إذ تحرص فرق المهمة على انتقائها بعناية نظراً لمحدودية عدد الكؤوس الخاصة المخصّصة لحفظ العيّنات. تغطّي فسيفساء هذه العيّنات فترةً زمنية تمتدّ من السول 182 إلى السول 4263.
أحدث المحطات الميدانية جاءت في 26 سبتمبر 2025 (سول 4671)، حين صوّرت المركبة تراكيب جيولوجية تُعرف باسم "بوكسورك" (boxwork)، وهي عبارة عن نتوءاتٍ منخفضة وتجاويف متشابكة، تشكّلت حين تسرّبت المياه إلى صخورٍ متشقّقة وثبّتت معادن صلبة داخلها، قبل أن تُزيل مليارات السنين من التعرية الصخور الأليَن المحيطة بها، تاركةً هذه الشبكة الصلبة وحدها ظاهرةً على السطح. كان الباحثون قد لاحظوا تراكيب "بوكسورك" مشابهة سابقاً من خلال صورٍ التقطتها مركباتٌ مدارية، لكن تصويرها عن قربٍ من على سطح المريخ نفسه يمنح العلماء تفاصيل لا تتيحها الصور الفضائية. غادرت Curiosity هذا الموقع في مارس الماضي، ومضت في استكشافاتها بكاميراتها السبع عشرة كما كانت تفعل دوماً.
هذه المحطات مجتمعةً - من الكبريت النقي إلى تراكيب "بوكسورك"، مروراً بالهيماتيت والنيزك الحديدي ليست غايةً في ذاتها، بل أدلّة تصبّ في سؤالٍ واحد ظلّت المهمة تطرحه منذ هبوطها: هل كان المريخ يوماً بيئةً صالحة لدعم حياةٍ ميكروبية؟ الإجابة لا تزال قيد التجميع، قطعةً قطعة، فيما تواصل Curiosity رغم إطاراتٍ تآكلت وتخلّلتها ثقوبٌ كبيرة خلال سنوات الرحلة إرسال ما تلتقطه عدستها الإلكترونيتان من تفاصيل كوكبٍ لا يزال يُفاجئ من يدرسه عن قرب. لمزيد من التفاصيل حول المهمة وأهدافها العلمية الكاملة، يمكن الرجوع إلى الصفحة الرسمية لمهمة Curiosity على موقع ناسا.
أخبار ذات صلة

الأضواء القطبية تعود: طيار يوثّق منظراً مذهلاً من ارتفاع 37 ألف قدم

الصين تسعى للهيمنة على القمر: تحذيرات من رئيس ناسا السابق

كشف الفلكيون عن موجات راديوية من كوكب خارجي للمرة الأولى
