وورلد برس عربي logo

الذكاء الاصطناعي الشخصي ومستقبل الدفع للمستهلكين

الذكاء الاصطناعي الشخصي يتقدم لكن المستهلكين يدفعون قليلاً فقط مقابل خدماته رغم التطور الكبير. هل يمكن لهذه التكنولوجيا المكلفة أن تحقق ربحية مستدامة؟ اكتشف التفاصيل والتحديات الاقتصادية في وورلد برس عربي.

مخططان بيانيان يظهران زيادة تدريجية في نسبة الأسر الأمريكية التي تدفع مقابل اشتراكات الذكاء الاصطناعي ومتوسط الإنفاق الشهري عليها حتى مايو 2026.
التصنيف:تكنولوجيا
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

تعود مساعدات الذكاء الاصطناعي الشخصية إلى واجهة الأخبار التقنية هذا الأسبوع، لكنّ العودة هذه المرة تحمل سؤالاً اقتصادياً أكثر إلحاحاً من سؤال الابتكار: من سيدفع فعلياً ثمن هذه الخدمات؟ فبين مساعد Muse الذي أطلقته Meta برفقة تميمته الشبيهة بالدمية المحشوة Jolly، ومساعد Dots الذي أصدرته OpenAI بالأمس بحلّةٍ كرتونية، وشركة Instinct التي بلغت قيمتها السوقية 10 مليارات دولار من خلال تنفيذ المهام اليومية للمستخدمين، يبدو أنّ سباقاً جديداً على جيب المستهلك قد بدأ. غير أنّ الأرقام التي يكشفها تقرير حديث تشي بأنّ هذا الجيب أضيق ممّا تتصوّره الشركات.

تتولى Instinct مهامّ من قبيل حجز تذاكر السفر وتأمين حجوزات المطاعم وإلغاء الاشتراكات غير المرغوبة، في إطار ما يُروَّج له بوصفه "الذكاء الاصطناعي الوكيلي" (Agentic AI) القادر على أداء مهامّ يومية بموثوقية تضاهي الإنسان. لكنّ المفارقة أنّ مختبرات الذكاء الاصطناعي الكبرى، رغم التحسّن المطّرد في قدرات نماذجها، باتت أكثر حذراً تجاه الرهان على المستهلك الفردي، وتتجه بثقلها التجاري نحو العقود المؤسسية والتوسّع قطاعاً بقطاع.

كم يدفع المستهلك فعلياً؟

يقدّم تقرير "حالة الأسواق" (State of Markets) الصادر نصف السنوي عن شركة رأس المال الجريء Andreessen Horowitz، والمستند إلى بيانات من تقرير بحثي أصدرته شركة PNC هذا الصيف، صورةً أكثر تواضعاً بكثير من الضجيج التسويقي. فحتى شهر مايو، لم يكن يدفع مقابل خدمات الذكاء الاصطناعي سوى 2.2% من المستهلكين، وكان متوسط إنفاق من يدفعون منهم لا يتجاوز 31 دولاراً شهرياً. والأهمّ أنّ الرسوم البيانية الواردة في التقرير تُظهر نمواً تدريجياً شبه خطّي في معدّلات الدفع والإنفاق، بمعنى أنّ التحسينات النوعية الكبرى في النماذج لم تترجم إلى قفزات موازية في استعداد الناس للدفع. يضرب مقال التقرير مثالاً لافتاً على هذه الفجوة: القفزة الأداتية الكبيرة بين نموذجي GPT-5.2 و Astra تكاد لا تظهر في الرسم البياني لسلوك الدفع، وكأنّ المستهلك لا يكافئ التطوّر التقني بمحفظته.

يعلّق التقرير على هذا الواقع بعبارة دالّة: "لا يزال الأمر في مرحلة مبكرة جداً حين يتعلق الأمر بنضوج تبنّي واستخدام الذكاء الاصطناعي". وهي عبارة تختصر حذر المستثمرين أنفسهم، لا المستهلكين فقط.

ولتوضيح حجم الفجوة بين الطموح والواقع، يستعين التقرير بمقارنة رياضية بسيطة: لو افترضنا أنّ خدمة ذكاء اصطناعي استقطبت قاعدة مستخدمين مشابهة لقاعدة Netflix التي بلغت 325 مليون مشترك، عند سعر 34 دولاراً للمشترك الواحد، لبلغت الإيرادات السنوية نحو 11 مليار دولار فقط. وهذا الرقم، رغم ضخامته الظاهرية، لا يتجاوز ثُلث التكاليف التشغيلية لشركة OpenAI وحدها. بعبارة أخرى، حتى تشبّع سوقي على غرار أضخم خدمات البث في العالم لن يكفي لتغطية كلفة تشغيل مساعد ذكاء اصطناعي واحد.

بيانات أخرى صادرة عن جهات مختلفة تؤكد الاتجاه نفسه مع بعض التفاوت في الحجم. فقد رصد بنك أوف أميركا في مارس أنّ نحو 3% من المستهلكين الأميركيين يدفعون مقابل خدمات الذكاء الاصطناعي، بارتفاع نسبته 40% عن العام السابق، وهو نموّ لافت بالنسبة المئوية لكنه ما يزال ضئيلاً بالقيمة المطلقة. كذلك أظهر استطلاع أجرته شركة Menlo في سبتمبر أنّ ربع البالغين يستخدمون الذكاء الاصطناعي يومياً، لكنّ نصف هؤلاء فقط هم من يدفعون فعلياً مقابل الاستخدام.

مارك زوكربيرغ يقدم مساعد الذكاء الاصطناعي Muse مع تميمة Jolly، في عرض يبرز تحديات تكلفة خدمات الذكاء الاصطناعي الشخصية.
Loading image...
حقوق الصورة: مين كونورز/بلومبرغ / جيتي إيمجز

لماذا الذكاء الاصطناعي أغلى من الشبكات الاجتماعية؟

هنا يكمن جوهر المشكلة الاقتصادية: تشغيل خدمات الذكاء الاصطناعي أكثر كلفة بكثير من تشغيل خدمات رقمية خفيفة كالشبكات الاجتماعية أو الحوسبة السحابية، وهو ما يعني أنّ الوصول إلى مئات الملايين من المستخدمين الدافعين — وهو رقم يصعب تحقيقه أصلاً — قد لا يكفي لبلوغ نقطة التعادل. هذا الواقع يفسّر لماذا يقارن كثيرون بين الحماسة الحالية وموجة إطلاق ChatGPT عام 2022؛ فالتقنية تطورت جذرياً منذ ذلك الحين، لكن نموذج الإيرادات المرافق لها لم يتطور بالقدر نفسه.

وهذه ليست مسألة أرقام مجردة فحسب. فحين تُبنى مساعدات شخصية على وعد بإنجاز مهامّ كانت تقليدياً من اختصاص سكرتير أو وكيل سفر أو موظف خدمة عملاء، فإنّ أثرها على سوق العمل يستحق وقفة لا تقلّ أهمية عن أثرها المالي. فإذا فشلت هذه الخدمات في تحقيق ربحية مستدامة من جيب المستهلك الفرد، فإنّ الشركات لن تتردد في البحث عن نموذج إيرادات آخر — وغالباً ما يكون هذا النموذج هو الشركات، لا الأفراد، وهو ما قد يعيد تشكيل طبيعة الوظائف التي تستبدلها هذه الأدوات دون أن يوفّر بالضرورة مصدر دخل موازٍ في المقابل.

الانعطاف نحو المؤسسات: أين الربح الحقيقي؟

في مواجهة هذا الواقع، اختارت OpenAI مساراً بدا، بحسب تغطية CNBC، ناجحاً إلى حدّ بعيد: التوجّه نحو قطاع الأعمال بدل المراهنة على المستهلك الفردي وحده. فقد تضاعفت حجوزات الشركة من العقود المؤسسية منذ يوليو، بحسب ما نقلته Axios عن مصادرها. وحتى إطلاق مساعد Dots نفسه — رغم واجهته الكرتونية الموجّهة ظاهرياً للمستهلك العادي — قُدّم أيضاً بوصفه أداة مفيدة للمهندسين البرمجيين والمبدعين العاملين في الوكالات، وهو مؤشر على أنّ الشركة تُبقي عينها على الزبون المؤسسي حتى في منتجاتها الأكثر "شخصية".

هذا النمط ليس جديداً في عالم الأعمال؛ فبيع خدمات استهلاكية شائعة ومنخفضة الكلفة للشركات بهامش ربح أعلى هو نهج تجاري راسخ منذ عقود. لكنّ ما يميّز Meta عن غيرها هو أنها تملك أداة تسييل إضافية لا تتوفر لمنافسيها بالسهولة نفسها: منظومة الإعلانات المُخصَّصة التي تمنح Muse خيارات تسييل أوسع ووقتاً أطول لإثبات جدواه التجارية قبل الضغط لتحقيق الربحية المباشرة. كما تستكشف الشركة استخدامات مؤسسية لمساعدها Muse، في مسار مواز لما تفعله OpenAI.

أما Instinct، التي بنت نموذج عملها على تنفيذ المهام اليومية للأفراد، فتعتمد استراتيجية مختلفة: اقتطاع نسبة من عمليات الشراء التي تتم عبر مساعدها، مع الاستفادة من ميزة تشغيلية مفترضة تتمثل في تجنّب الكلفة الباهظة لتدريب نموذج ذكاء اصطناعي "حدودي" (Frontier Model) خاصّ بها، وهو ما يمنحها هامشاً مالياً أكبر مقارنة بشركات تتحمّل كلفة تطوير النماذج من الصفر.

يبقى Muse و Instinct، بحسب ما يُلاحظ، أقلّ تركيزاً على التسييل المباشر في المرحلة الحالية مقارنة بمنافسيهما، وهو ما يمنح الشركتين مساحة تجريبية أوسع، لكنه لا يُجيب على السؤال الأصعب: هل سيتحمّل المستهلك، في نهاية المطاف، الكلفة الحقيقية لهذه التقنية، أم أنّ فاتورة الذكاء الاصطناعي ستُحال بالكامل إلى موازنات الشركات؟ الإجابة، كما تشير الأرقام حتى الآن، تميل بوضوح نحو الخيار الثاني — وهو ما يعني أنّ مسار تطور هذه الصناعة في الأشهر المقبلة سيُقاس أقلّ بعدد المستخدمين الأفراد، وأكثر بعدد العقود المؤسسية الموقّعة.

أخبار ذات صلة

Loading...
شعار شركة OpenAI على خلفية مظلمة مع تأثير ضوئي برتقالي، يرمز إلى الجدل القانوني حول مسؤولية الشركة عن اختراق إلكتروني باستخدام الذكاء الاصطناعي.

منظمة خيرية تقاضي OpenAI: "الذكاء الاصطناعي فعله" ليست عذراً

تتصاعد قضية قانونية ضد OpenAI بعد اختراق منصة Hugging Face، حيث ترفض المنظمة قبول ذريعة الذكاء الاصطناعي المستقل. اكتشف كيف تسعى الدعوى لمنع الوصول غير المصرح به وحماية الأمن السيبراني. تابع التفاصيل الآن!
تكنولوجيا
Loading...
شخصية كرتونية لطيفة ترتدي سماعات رأس وتستخدم حاسوبًا محمولًا في مكتب مرتب، تمثل مساعد الذكاء الاصطناعي Muse من Meta.

Meta تطعن في ادعاء أن Muse قرأت رسائل المستخدمين الخاصة دون إذن

هل يمكن لتطبيق Muse من Meta قراءة رسائلك الخاصة دون إذنك؟ جدل كبير يثير مخاوف الخصوصية وسط تأكيدات الشركة بنظام أمني محكم. اكتشف التفاصيل واحكم بنفسك قبل التثبيت. اقرأ المزيد الآن!
تكنولوجيا
Loading...
تصميم فني لسيارات حديثة يعكس جمع البيانات ومشاركتها مع شركات إعلانات وتتبّع وتأثيرها على خصوصية السائقين.

سيارتك وتطبيقها الذكي يسلّمان بياناتك إلى شركات التكنولوجيا

هل تعلم أن سيارتك الحديثة تجمع بياناتك الشخصية وترسلها لشركات إعلانات وتأمين دون علمك؟ اكتشف كيف تحمي خصوصيتك وتفادي مخاطر تسريب معلوماتك. تابع القراءة لتعرف المزيد.
تكنولوجيا
Loading...
رئيسة AMD وفاي-فاي لي مؤسِّسة World Labs توقعان اتفاق استحواذ بقيمة 8.2 مليار دولار لتعزيز تقنيات الذكاء الاصطناعي والروبوتات.

AMD تستحوذ على World Labs وتصعّد المنافسة مع Nvidia

تستعد AMD لاستثمار 8.2 مليار دولار للاستحواذ على World Labs لتعزيز موقعها في سوق الذكاء الاصطناعي والروبوتات. اكتشف كيف ستغير هذه الصفقة مستقبل تقنيات نماذج العالم وسباق الرقائق. تابع التفاصيل الآن!
تكنولوجيا
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية