تحديات صناعة السيارات الأوروبية وسط صعود السيارات الصينية
توقف إنتاج Fiat 500 في إيطاليا يعكس أزمة صناعة السيارات الأوروبية وسط منافسة صينية متصاعدة وارتفاع أسعار الوقود. تعرفات جديدة قادمة على السيارات الهجينة قد تغير قواعد اللعبة بينما فولكسفاغن تعيد ترتيب مصانعها لمواجهة التحديات وورلد برس عربي.

في مدينة تورينو الإيطالية، لن تعمل خطوط تجميع سيارة Fiat 500 الكهربائية والهجينة خلال الأسبوعين الأخيرين من أكتوبر. قرّرت Stellantis تعليق الإنتاج في مصنع Mirafiori، وهو قرارٌ يبدو للوهلة الأولى تفصيلاً تشغيلياً، لكنّه في الحقيقة عرَضٌ لأزمةٍ أعمق تعصف بصناعة السيارات الأوروبية بأكملها. فبحسب ما نقلته صحيفة Corriere della Sera يوم الأربعاء، قد لا يتجاوز إنتاج Fiat 500 هذا العام 60 ألف وحدة، مقابل هدفٍ أصلي كان مُقرَّراً عند 100 ألف وحدة. الفارق بين الرقمين ليس إحصاءً جافّاً، بل ساعات عملٍ ضائعة وأجوراً مهدَّدة في أحد أعرق مصانع السيارات الإيطالية.
السبب المباشر لهذا التباطؤ لا ينفصل عمّا يجري خارج المصانع الأوروبية: منافسة صينية متصاعدة، وأسعار وقودٍ أوروبية ترتفع بحدّة، تدفع المستهلكين نحو خياراتٍ أرخص وأكثر كفاءة، لكنّ جزءاً كبيراً من هذا الطلب الجديد لا يذهب إلى المصانع الأوروبية نفسها.
لماذا تتصدّر السيارات الصينية السوق الأوروبية رغم التعرفات؟
منذ عامَين، فرض الاتحاد الأوروبي تعرفاتٍ جمركية على السيارات الكهربائية بالبطارية المصنَّعة في الصين، في محاولةٍ لحماية صناعته المحلية. لكنّ الصانعين الصينيّين وجدوا مخرجاً: أعادوا توجيه استراتيجيّاتهم نحو السيارات الهجينة القابلة للشحن (Plug-in Hybrid)، وهي فئةٌ لا تخضع لهذه التعرفات الجوهرية. النتيجة جاءت واضحةً في بيانات شركة Dataforce الألمانية المتخصّصة، التي رصدت رقماً قياسياً في مبيعات العلامات الصينية بأوروبا الشهر الماضي، إذ استحوذت هذه العلامات على 12% من مبيعات السيارات الجديدة في القارة خلال أغسطس.
يعلّق يوليان ليتزينغر، المحلّل في Dataforce: "حتى لو كانت حصّتها السوقية منخفضةً نسبياً مقارنةً بأسواقٍ أخرى، فإنّ الحجم الهائل للسوق الألمانية يجعل هذه الخطوة جذّابةً للغاية". وبحسب ما نقلته صحيفة Handelsblatt الألمانية، باتت السيارات الصينية تمثّل نحو 6.4% من سوق السيارات الجديدة في ألمانيا، أكبر سوق أوروبية على الإطلاق وهي نسبةٌ قد تبدو متواضعة، لكنّها تعني مئات الآلاف من الوحدات في سوقٍ بهذا الحجم.
في الوقت نفسه، سجّل الطلب على السيارات الكهربائية والهجينة في أوروبا قفزةً بنسبة 27% خلال أغسطس، بينما ارتفعت مبيعات السيارات الجديدة إجمالاً بنسبة 4.6%. لكنّ تقرير Bloomberg يشير إلى حقيقةٍ أكثر دلالة: لولا السيارات الكهربائية الجديدة والهجينة القابلة للشحن، لكانت مبيعات أغسطس قد تراجعت تراجعاً كبيراً. بمعنى آخر، الصناعة الأوروبية تعيش على نموٍّ لا تصنعه بالكامل بيدها.
هذا الواقع دفع المفوّضية الأوروبية إلى الإعداد لتدابير محتملة تتعلّق بالأمن الاقتصادي، إذ يُتوقَّع أن تفرض لاحقاً هذا العام تعرفاتٍ جديدة على السيارات الهجينة والهجينة القابلة للشحن أي إغلاق الثغرة نفسها التي استغلّها الصانعون الصينيون بعد تعرفات السيارات الكهربائية بالبطارية.
فولكسفاغن تعيد رسم خريطة مصانعها
في ألمانيا، لا تراقب Volkswagen هذا المشهد من بعيد. فمجلس الإشراف على الشركة تعامل هذا العام مع مشكلةٍ بنيوية: طاقة إنتاجية فائضة تبلغ 100 ألف مركبة سنوياً تفوق ما يستوعبه السوق الاستهلاكي المتوقَّع. الحلّ الذي اعتمدته الشركة هو إعادة توزيع الإنتاج بين مصانعها: تقليص عدد سيارات المحرّك الداخلي في مصنع Wolfsburg، الذي يصنّع حصرياً سياراتٍ تعمل بالمحرّكات التقليدية، مقابل توسيع إنتاج السيارات الكهربائية بالبطارية في مصنعَي Emden وZwickau.
واللافت أنّ مصنع Zwickau نفسه كان حتى وقتٍ قريب موضع نقاشٍ داخل الشركة حول جدواه، إذ اعتُبر فائضاً عن الحاجة، ووصل النقاش إلى حدّ التفكير في إغلاقه أو حتى تحويله لإنتاج معدّاتٍ عسكرية. لكنّ الطلب المتصاعد على السيارات الكهربائية خلال الشهر الماضي أو نحوه قلب هذه المعادلة رأساً على عقب.
يصف مارتن ساندر، عضو مجلس إدارة Volkswagen المسؤول عن المبيعات، هذا التحوّل بقوله: "الطلب على السيارات الكهربائية بالبطارية يتزايد بشكلٍ ملحوظ في ألمانيا وبلدانٍ أوروبية أخرى"، معتبراً إيّاه "نقطة تحوّل في تحوّل صناعة السيارات". ويضيف أنّ هذا التحوّل يقابله "طلبٌ أقلّ على المركبات ذات المحرّكات الداخلية".
تراهن الشركة على طرازَين مُحدَّثَين، ID.3 Neo وID. Tiguan، لتلبية هذا الطلب المتوقَّع، إلى جانب عائلة السيارات الكهربائية الحضرية (Urban Electric Car Family) المبنية على منصّة MEB+، وتضمّ أربعة طرازات: ID. Polo، وCupra Raval، وŠkoda Epiq، وID. Cross، وجميعها تُصنَّع في إسبانيا. وبحسب ما نقله موقع CleanTechnica، تلقّت هذه الطرازات الأربعة أكثر من 100 ألف طلب حجزٍ مسبق، منها أكثر من 40 ألف طلبٍ لطراز ID. Polo وحده. وقد يصل الأمر بـVolkswagen إلى بيع سياراتٍ كهربائية بالكامل أكثر من سياراتها ذات المحرّك الداخلي في السوق الألمانية.
من يدفع ثمن هذا التحوّل الكهربائي؟
الأرقام أعلاه قد تبدو انتصاراً للسيارة الكهربائية، لكنّ السؤال الذي لا يمكن تجاوزه هو: من يستفيد فعلياً من هذا النموّ؟ فالسيارات الكهربائية بالبطارية تحقّق هوامش ربحٍ إجمالية أقلّ من السيارات التقليدية، وما تزال أرباحها دون مستوى أرباح السيارات ذات المحرّك الداخلي المُقارِنة. بمعنى آخر، كلّما باعت الشركات الأوروبية سياراتٍ كهربائية أكثر، ضغطت هذه المبيعات على هوامش ربحها، حتى وهي تحاول اللحاق بمنافسٍ صيني استفاد من ثغرةٍ تنظيمية لم تُسدّ بعد.
وعلى الأرض، تتوزّع كلفة هذا التحوّل على العمّال قبل المساهمين. في Mirafiori، توقّف خطوط الإنتاج لأسبوعَين يعني ساعات عملٍ أقلّ لعمّالٍ ينتظرون استقرار الطلب على Fiat 500. وفي Wolfsburg، حيث يُصنَّع المحرّك الداخلي حصرياً، فإنّ تراجع الإنتاج هناك لصالح Emden وZwickau يطرح سؤالاً مباشراً عن مستقبل الوظائف في المصنع الأقدم للشركة، حتى لو لم تُعلن Volkswagen بعد عن تسريحاتٍ.
المسألة إذن ليست فقط من يقود السيارة الكهربائية في أوروبا، بل من يصنعها، وبأيّ أجر، وفي أيّ مصنع. القرار الذي تُعدّه المفوّضية الأوروبية بشأن تعرفاتٍ جديدة على السيارات الهجينة لاحقاً هذا العام سيحدّد إلى حدٍّ بعيد ما إذا كانت حماية الصناعة المحلية ستترجَم فعلاً إلى حماية وظائف، أم أنّ الفجوة بين هامش الربح المتراجع وضغط المنافسة الصينية ستستمرّ في الانعكاس على خطوط الإنتاج قبل أن تصل إلى صانعي القرار في بروكسل.
أخبار ذات صلة

أريزونا باور سرفيس تسعى لإحياء محطة فور كورنرز الفحمية قبل إغلاقها المقرر

ريفيان تحقق رقماً قياسياً جديداً بفضل طراز R2

سيارة BMW الكهربائية أرخص بـ 4400 دولار من نسختها البنزينية
