الصين وناسا تتسابقان نحو القطب الجنوبي للقمر
تأجيل مهمة صينية إلى القمر يفتح الباب أمام ناسا للسباق نحو القطب الجنوبي القمري حيث الموارد الثمينة والتقنيات المستقبلية. صراع فضائي يحمل تداعيات جيوسياسية وأمنية تؤثر على العالم والمنطقة العربية وورلد برس عربي.

تأجيل مهمة صينية إلى الفضاء قد يبدو خبراً تقنياً عابراً، لكنّ تصريحات مدير وكالة ناسا جاريد آيزاكمان (Jared Isaacman) هذا الأسبوع تكشف أنّ وراء هذا التأجيل رهاناً استراتيجياً أوسع بكثير من مجرّد صاروخ يتأخّر عن موعده: مَن سيضع قدمه أوّلاً على القطب الجنوبي للقمر، ولماذا يهمّ ذلك بقية دول العالم، بما فيها المنطقة العربية التي تراقب عن كثب صعود الصين كقوة فضائية منافسة للولايات المتحدة.
أعلنت الصين الشهر الماضي تأجيل إطلاق مهمّتها القمرية «تشانغ آه 7» (Chang'e 7) إلى مطلع العام المقبل، من دون تقديم تفسير مفصّل لأسباب هذا التأجيل. وبدلاً من أن يُقرأ الخبر في بكين كخسارة، رحّب به آيزاكمان علناً، معتبراً أنّه يمنح ناسا فرصة إضافية للوصول إلى المنطقة القطبية الجنوبية للقمر قبل الصين. جاء تصريحه مساء الأربعاء خلال مؤتمر «Off World» في هيوستن، في كلمةٍ تناولت مباشرةً السباق القمري بين البلدين وتداعياته العالمية.
لماذا يتنافس البلدان على البقعة نفسها بالضبط؟
يقول آيزاكمان بوضوح: «هما يستهدفان الموقع نفسه بالضبط في القطب الجنوبي للقمر». فالمهمّة الصينية كانت تستهدف في الأصل فوهة شاكلتون (Shackleton crater)، وهي منطقة تحتوي على ما يُعرف بـ«المصائد الباردة» (cold traps) مناطق مظلمة بشكل دائم على طول حوافّها المرتفعة، تراكمت فيها على مدى مليارات السنين كمياتٌ محتملة من الجليد المائي ومواد أخرى ذات قيمة علمية واقتصادية. وليس القطب الجنوبي للقمر منطقةً شاسعة تحتمل توزيع الأولويات؛ فكلٌّ من ناسا والصين يركّز على عددٍ محدود نسبياً من الأميال المربعة فيه، وهو ما يجعل التنافس مباشراً وحادّاً وليس مجرّد سباقٍ رمزي.
هذا التركّز الجغرافي يثير قلق مسؤولين أميركيين من احتمال أن تفرض الصين "مناطق حظر" حول مهماتها الروبوتية والبشرية، بما يحدّ من قدرة دول أخرى على الوصول إلى مواقع استراتيجية. وقد عبّر آيزاكمان عن ذلك بصراحة حين قال: «ربما نجونا من كارثة قبل أسبوعين مع مهمّة تشانغ آه 7، لأنّها كانت ستذهب إلى فوهة شاكلتون». وأضاف موضحاً طبيعة المخاطر التقنية للمهمّة الصينية: «تحتوي على مركبات جوّالة (rovers)، وطائرات قافزة (hopper drones) وهي تقنية طوّرناها نحن أيضاً لكن لم تكن جاهزة قبل ثمانية أشهر وكان يمكن أن تحرمنا من الوصول إلى بعض أكثر المواقع إثارة للاهتمام».
ما علاقة كل هذا بالمريخ؟
يرى آيزاكمان أنّ اهتمام الصين بالقطب الجنوبي للقمر ليس غاية في ذاته، بل محطّة على طريق أبعد. يقول: «يريدون التفاعل مع الجليد المائي، ويريدون أن يتقنوا المهارات اللازمة للوجهة التالية التي سيسعون إليها في لحظتهم الشبيهة بلحظة نيل أرمسترونغ إلّا أنّها لن تكون على القمر، بل على المريخ». بعبارة أخرى، القمر بالنسبة لبكين حقل تجارب لتقنيات استخراج الموارد والاستيطان طويل الأمد، تمهيداً لهدفٍ أكبر هو الكواكب الأبعد.
ولم يسبق لأي دولة أن نفّذت هبوطاً على أيٍّ من قطبي القمر، إذ تُعدّ المناطق القطبية أصعب تقنياً من المناطق الاستوائية القمرية التي هبطت عليها المهمّات السابقة. وهذا ما يجعل التأجيل الصيني فرصةً حقيقية: فقد يتيح لناسا الوصول إلى القطب الجنوبي أولاً، عبر مركبة "بلو مون مارك 1" (Blue Moon Mark 1) التابعة لشركة Blue Origin، وهي المرشّح الأوّلي لدى ناسا لتنفيذ هذا الهبوط، وستحمل معها مسبارين تابعين للوكالة. ويمكن أن يتمّ إطلاقها في وقت مبكّر يصل إلى ربيع 2027.
في المقابل، تستهدف الصين تحقيق أوّل هبوطٍ بشري مأهول على سطح القمر بحلول عام 2030 أو قبله، وهي تعمل حالياً على تطوير مركبة فضائية مأهولة وصاروخ ومركبة هبوط قمرية مخصّصة لهذا الغرض. ولو تحقّق هذا الهدف، فسيكون تكراراً لإنجازٍ أميركي سبق أن حقّقته مهمّة أبولو عام 1969 لكن هذه المرّة بعلَمٍ مختلف.
لماذا يتحوّل «مَن يهبط أولاً» إلى سؤال أمني وسياسي؟
لا يكتفي آيزاكمان بوصف السباق التقني، بل يذهب إلى أبعد من ذلك في تفسير أبعاده الجيوسياسية. يقول: «هذا سيضع موضع تساؤل كلّ دولةٍ أخرى في العالم»، ثمّ يفصّل نوع الأسئلة التي يثيرها هذا التساؤل: «مَن ضمانات أمنه يجب أن أثق بها؟ هل أثق بالولايات المتحدة وحلف الناتو؟ أم أثق بالصين إذا كانت هي القوة التقنية الصاعدة هنا؟ تقنية مَن يجب أن أشتري؟ عتاد مَن العسكري يجب أن أقتني؟ معايير مَن يجب أن ألتزم بها؟ إلى مَن أستمع في مجال الذكاء الاصطناعي الولايات المتحدة أم الصين؟ كلّ هذا مطروحٌ على الطاولة».
وبحسب آيزاكمان، فإنّ «إذا قصّرتَ في مسألة مَن ينزل أوّلاً على السلّم، فإنّ الأثر يُشعَر به حول العالم». وهو يربط هذا القلق بتاريخٍ أطول من التردّد في السياسة الفضائية الأميركية، قائلاً إنّ إخفاقات هذه السياسة تعود إلى إدارة ريغان، رغم أنّ ناسا أنفقت ما يُقدَّر بـ100 مليار دولار عبر إدارات رئاسية متعاقبة من دون أن تحقّق هذا الإنفاق نتائج ملموسة، على حدّ تعبيره.
في المقابل، لم تبدأ الصين رحلتها الفضائية المأهولة إلا عام 2003، أي بعد أكثر من ثلاثة عقود من إنجاز أبولو الأميركي، لكنّها منذ ذلك الحين وسّعت قدراتها الفضائية بوتيرةٍ جعلتها اليوم بحسب الوصف الوارد في تصريحات آيزاكمان منافساً يضاهي الولايات المتحدة في هذا المجال.
يبقى السؤال معلّقاً على وقع تأجيلٍ صيني واحد: هل يكفي هذا الهامش الزمني الضيّق لتغيير ترتيب مَن يصل أوّلاً إلى القطب الجنوبي للقمر؟ الإجابة لن تحسمها التصريحات، بل مواعيد الإطلاق الفعلية في السنوات القليلة المقبلة بدءاً من مركبة Blue Moon المرتقبة في 2027، وصولاً إلى الموعد الصيني المعلن لهبوطٍ بشري بحلول 2030. وبين هذين الموعدين، ستُرسم ملامح توازنٍ جديد لا يتعلّق فقط بمن يصل أوّلاً إلى القمر، بل بمن يضع قواعد اللعبة لكلّ ما يليه من محطات في اتجاه المريخ.
أخبار ذات صلة

جهاز Mac Studio بمعالج M5 Ultra باهظ الثمن من Apple

مختبر Anthropic البيولوجي يعلن عن اكتشافٍ مهمّ

صاروخ Starship العملاق يستعدّ للإطلاق المداري الأول
