رصد هيدروجين كوني يكشف أسرار الطاقة المظلمة
فريق CHIME الكندي ينجح برصد الهيدروجين الكوني من دون الحاجة لتلسكوبات أخرى مما يفتح آفاقاً جديدة لدراسة الطاقة المظلمة وفهم تمدد الكون بشكل أدق عبر خريطة كاملة للسماء الشمالية في تجربة فلكية فريدة من نوعها على وورلد برس عربي.

رصدٌ فلكي واحد، من دون حاجة إلى تأكيد أي تلسكوب آخر في العالم، قد يفتح الباب أمام طريقة أقل كلفة لدراسة أحد أعقد ألغاز الفيزياء الفلكية المعاصرة: الطاقة المظلمة، تلك القوة التي لا تزال غامضة والمسؤولة عن تسارع تمدّد الكون. هذا ما توصّل إليه فريق بحثي يعمل على تجربة CHIME الكندية، في نتيجةٍ استغرق التحقّق منها سبع سنوات كاملة قبل أن يُعلَن عنها بثقة.
الخبر بحدّ ذاته تقني، لكن دلالته النظامية أوسع من ذلك بكثير: فالرصد الفلكي عالي الدقة يعتمد عادةً على شبكة تلسكوبات متعدّدة تتبادل التأكيد، وهو ما يرفع الكلفة ويطيل الوقت اللازم لنشر أي نتيجة. ما أنجزه فريق CHIME هو كسر هذه القاعدة: رصدٌ ذاتي الاكتفاء، اعتمد على بيانات التلسكوب وحدها.
كيف رصدت CHIME هيدروجيناً عمره مليارات السنين؟
CHIME هي مجموعة من التلسكوبات اللاسلكية تقع بشكل رئيسي قرب مدينة Penticton في مقاطعة British Columbia الكندية، وتقوم يومياً برسم خريطة لكامل السماء الشمالية. قبل هذه الدراسة، كانت أرصاد CHIME بحاجة دائماً إلى تأكيدٍ من تلسكوبات أخرى، وهي خطوة وصفها الباحثون بأنها مكلفة وتستهلك وقتاً طويلاً. لذلك سعى الفريق إلى قياسٍ مستقل لا يتّكئ على أي جهاز خارجي.
الدراسة استندت إلى 94 ليلة من أرصاد CHIME جُمعت عام 2019، وتمكّنت من كشف إشارة راديوية تعود إلى ما بعد الانفجار العظيم (Big Bang) بنحو 3 مليارات سنة، حين كان عمر الكون جزءاً يسيراً من عمره الحالي. وقبل الإعلان عن النتيجة، خضعت الأرصاد لمراجعةٍ مزدوجة دقيقة.
يشرح آرناب شاكرابورتي (Arnab Chakraborty)، الباحث المشارك في الدراسة والزميل ما بعد الدكتوراه في University of Toronto، الأهمية العلمية لهذا النوع من الإشارات بقوله: "الهيدروجين هو العنصر الأكثر شيوعاً في الكون، والمادة الخام التي تتشكّل منها النجوم"، مضيفاً: "انبعاثه الراديوي الخافت يعمل كأثرٍ كوني (tracer)، يكشف كيف توزّعت المادة عبر الفضاء".
أما عن الشكوك التي رافقت عملية التحقّق طوال سنوات، فيقول شاكرابورتي: "عملنا بجهدٍ كبير لنقنع أنفسنا بأن هذا ليس إنذاراً كاذباً"، ليضيف: "بعد كل الاختبارات، بقيت الإشارة قائمة. وهذا ما منحنا الثقة بأننا نرى فعلاً هيدروجيناً حقيقياً من الكون البعيد".
لماذا يهتمّ علماء الفلك بالهيدروجين تحديداً؟
بما أن الهيدروجين يشكّل المادة الخام الأولى للنجوم، فإن تتبّع توزيعه عبر الفضاء يمنح الباحثين أداة لفهم كيفية تمدّد الكون في حقب زمنية مختلفة. هذه هي الفكرة المركزية وراء ربط هذا الرصد بدراسة الطاقة المظلمة: فكلما استطاع العلماء رسم خريطة أدق لتوزّع المادة عبر الزمن الكوني، اقتربوا أكثر من فهم القوة التي تدفع الكون إلى التمدّد بمعدّل متسارع.
ترافقت الدراسة الأساسية مع دراسة مكمّلة بحثت في أماكن وجود الهيدروجين في الكون، وقدّرت أن نحو 2% من الهيدروجين موجود بصورة "متعادلة ذرّياً" (neutrally atomic) أي أن الذرّة تحتوي على بروتون واحد وإلكترون واحد من دون أي شحنة كهربائية إجمالية. ووفق شبير شيخ (Shabbir Shaikh)، الباحث المشارك في الدراستين والزميل ما بعد الدكتوراه في School of Earth and Space Exploration التابعة لـ Arizona State University، فإن هذا التقدير "متّسق إلى حدٍّ كبير" (broadly consistent) مع قياسات تلسكوبات أخرى وهي ملاحظة مهمة لأنها تمنح النتيجة الجديدة سنداً مقارناً من خارج منظومة CHIME نفسها، حتى وإن لم تكن الدراسة الأساسية بحاجة إليه.
أين تُنشر النتيجة، ومن أسهم فيها؟
نُشرت الدراسة الرئيسية، التي تحمل عنوان "Detection of the Cosmological 21 cm Signal in Autocorrelation at z ∼ 1 with the Canadian Hydrogen Intensity Mapping Experiment"، في مجلة The Astrophysical Journal، وأُعلن عنها يوم الاثنين الموافق 28 سبتمبر. وتشير قوائم المراجع إلى أن البحث صدر ضمن المجلّد 1009، العدد 2، المقالة رقم 159، في عددٍ صدر عام 2026 من المجلّة، وهو ما يعكس الطبيعة التراكمية لعمليات المراجعة العلمية قبل النشر النهائي.
شارك في إعداد البحث عددٌ من الباحثين إلى جانب شاكرابورتي، من بينهم Amiri وBandura وCliche وDobbs وForeman وGray وHalpern وHill وHinshaw وHöfer وJoseph وKruger وLandecker وVan Lieshout وMacEachern وMasui وMena-Parra وMiller وWulf، في عملٍ جماعي يعكس حجم التحقّق العلمي الذي تطلّبه هذا الإعلان.
يمكن الاطلاع على تفاصيل الدراسة الأساسية عبر موقع مجلة The Astrophysical Journal، وعلى الدراسة المكمّلة الخاصة بتوزيع الهيدروجين الكوني عبر هذا الرابط، كما أصدرت الجامعة بياناً تفصيلياً حول النتيجة عبر موقع University of British Columbia الإخباري.
ما الذي يخطّط له الفريق لاحقاً؟
لدى تجربة CHIME سبع سنوات إضافية من الأرصاد لم تُحلَّل بعد، وهذا ما يخطّط الفريق لدراسته في المرحلة المقبلة. إذا تكرّرت النتيجة عبر تلك السنوات، فقد يعني ذلك أن الرصد الذاتي بات أداة موثوقة بما يكفي لتخفيف الاعتماد على شبكات التلسكوبات المتعدّدة في أبحاث مستقبلية حول تمدّد الكون وهو تحوّلٌ منهجي أكثر منه اكتشافاً عابراً، قد يعيد ترتيب أولويات تمويل هذا النوع من الأبحاث في السنوات القادمة.
أخبار ذات صلة

أطلقت شركة سبيس إكس أول مهمة رواد فضاء أمريكية تتبنى الرقم "المنحوس" 13 منذ عصر أبولو.

إطلاقات متتالية: SpaceX تُطلق 3 صواريخ في 13 ساعة اليوم

SpaceX جاهزة لإطلاق بعثة ناسا Crew-13 إلى محطة الفضاء الدولية في أكتوبر
