السينما البرازيلية بين دعم لولا وتحديات بولسونارو
بين دعم لولا القوي للسينما البرازيلية وتهديد سياسات بولسونارو لها تكمن معركة حاسمة لصناعة السينما في البرازيل تعرف على كيف تواجه الأفلام الوطنية تحديات سياسية واقتصادية في الانتخابات المقبلة وورلد برس عربي

في صباح الجمعة، قبل يومين من فتح صناديق الاقتراع، رفع المخرج مارسيلو غوميز إصبعَيه على شكل حرف "L" أمام حضور حدث RioMarket في مهرجان ريو السينمائي، فتعالى التصفيق داخل "أرمازين دا أوتوبيا" المكان الذي يطلّ على ميناء المدينة ويستضيف فعاليات سوق المهرجان. الإشارة لم تكن بحاجة إلى شرح: "L" هنا تعني لولا، الرئيس المرشّح الذي كان في تلك اللحظة نفسها يسير على بُعد بضع مئات من الأمتار، وسط حشدٍ من مئات الآلاف اخترقوا طرقات ريو الضيقة، ودخل بعضهم إلى داخل قاعة الحدث السينمائي نفسه.
جلس غوميز إلى جانب الممثل رودريغو سانتورو ومديرة المهرجان إلدا سانتياغو لأكثر من ساعة قبل أن يتسلّل الحديث عن الانتخابات إلى الطاولة. لم تكن محادثة عابرة؛ فالسؤال الذي يشغل صناعة السينما البرازيلية بأكملها هذه الأيام هو: ماذا يحدث لِما بُني خلال السنوات الأخيرة إن تغيّرت الحكومة؟
لماذا يرى صنّاع الأفلام في لولا حليفاً؟
لإلدا سانتياغو إجابة واضحة لا تتردد في تكرارها: "بالنسبة لي، فإن أعظم أداة دبلوماسية أعظم وسيلة تمتلكها الدول والحكومات لفهم بعضها البعض والجلوس إلى طاولة واحدة بمنظور مختلف هي السينما." وتضيف في موضع آخر: "أنظر إلى السينما باعتبارها سلاحاً دبلوماسياً قوياً."
هذا ليس كلاماً مجرّداً. فلولا، الذي اعتاد استضافة عروض منتظمة للأفلام البرازيلية في مقرّ الرئاسة في برازيليا، قاد حكومة خصّصت بعد إعادة انتخابه عام 2022 مبلغ 1.6 مليار ريال برازيلي (298 مليون دولار) لدعم الإنتاج السينمائي والتلفزيوني الوطني. وجّهت هذه الحكومة التمويل الفيدرالي نحو الإنتاج السمعي البصري المحلي، وفتحت له الأسواق المحلية والدولية معاً، عبر حوافز ضريبية ودعمٍ مباشر وحصصٍ لعرض الأفلام البرازيلية في دور السينما.
النتيجة جاءت مرئية على الساحة الدولية خلال العامين الأخيرين: فيلم "I'm Still Here" للمخرج والتر ساليس منح البرازيل أول جائزة أوسكار في تاريخها عام 2025، وفيلم "The Secret Agent" لكليبر ميندونسا فيلهو أعاد البلاد إلى دائرة الاهتمام بعد فوزه بجائزتين في مهرجان كان 2025. دراسة اقتصادية أجرتها مؤسسة Oxford Economics بتكليفٍ من رابطة Motion Picture Association، ونُشرت العام الماضي، قدّرت أن الصناعة السمعية البصرية البرازيلية ولّدت أكثر من 600 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة أي أكثر بنسبة 58% من الوظائف التي تولّدها صناعة السيارات.
ما الذي خسرته السينما البرازيلية في عهد بولسونارو؟
لفهم حجم القلق، لا بدّ من العودة إلى السنوات الأربع التي سبقت لولا. حكومة جايير بولسونارو (2019-2022) جاءت بعد حكمٍ قضائي جرّد قطاع السينما من كلّ دعمٍ عام تقريباً، ثم مضت في تقليص ميزانيتَي الوكالة الوطنية للسينما (ANCINE) وصندوق القطاع السمعي البصري (FSA) بنسبة تقارب 43%، وجمّدت الأموال العامة الموجّهة للوكالة الوطنية لمدة 18 شهراً قبل جائحة كوفيد-19. والمفارقة أن تثبيت رئاسة بولسونارو جاء قبل أشهر قليلة فقط من فوز فيلمَي "Bacurau" و"The Invisible Life of Eurídice Gusmão" بجوائز في مهرجان كان أي أن الإنجاز الفني تحقّق رغم المناخ السياسي لا بفضله.
هذه الذاكرة الحيّة هي ما يجعل نتيجة الجولة الأولى من الانتخابات مثيرة لقلقٍ عميق داخل الأوساط السينمائية. فقد حلّ لولا ثانياً بنسبة 45.16% من الأصوات الصحيحة، متأخراً عن فلافيو بولسونارو الذي حصل على 47.03%، والأخير تعهّد علناً بتكرار سياسات والده "شبه كاملة" بل وتشديد بعضها.
ظلّ التحقيقات يرافق فلافيو بولسونارو إلى صناديق الاقتراع
يخضع فلافيو بولسونارو حالياً لتحقيقٍ من الشرطة الفيدرالية بشأن اتهاماتٍ بغسل الأموال والتهرّب الضريبي والفساد، مرتبطة بفيلم "Dark Horse" وهو عملٌ سيرة ذاتية باللغة الإنجليزية عن الرئيس السابق جايير بولسونارو، من بطولة جيم كافيزيل. تدرس السلطات تمويلاً يقارب 61 مليون ريال برازيلي (12 مليون دولار) قدّمه دانيال فوركارو، مالك بنك Banco Master، الذي يقبع حالياً في السجن بتهم احتيال مالي بملايين الريالات، بعد أن اعتُقل في بداية مارس إثر إشارة قاضٍ إلى ما وصفه بـ"مؤشر قوي" على محاولة رشوة شملت مديراً سابقاً في البنك المركزي. رسائل مسرّبة كشفت أن فلافيو بولسونارو كان يتفاوض مباشرة مع فوركارو على الدفعات المالية للفيلم.
في مفارقة لافتة، تعرض دور السينما البرازيلية هذه الأيام أفلاماً أُنتجت أصلاً لتوثيق حقبةٍ بدت أنها انتهت، لا لتُقرأ كنذير. فيلم "Dragons" للمخرج ميغيل أنتونيس راموس يتتبّع كيف صنعت الصور أسطورة بولسونارو السياسية، من بداياته على يوتيوب وصولاً إلى فترة حكمه. "144 Apocalypse Not" لجواو باولو كوينكا يروي رحلة برّية أعقبت تغريدة ساخرة عن بولسونارو أدّت إلى 144 دعوى قضائية ومئات الآلاف من تهديدات القتل من حركة يمينية متطرّفة داخل الكنيسة الإنجيلية. أما "Anatomy of Chaos" لداندارا فيريرا، فيستند إلى إمكانية وصولٍ نادرة إلى مجلس الشيوخ البرازيلي لتوثيق لجنة التحقيق في التعامل الحكومي مع جائحة كوفيد-19 وما شابه من تقصير. جمهور هذه الأفلام كان يراها سابقاً انعكاساً لبرازيل يستعدّ الجميع لتجاوزها؛ اليوم، يشاهدها الجمهور الأول وكأنها نبوءة.
من "صوت لولا" إلى صباح الكآبة
قبل يومٍ واحد من الانتخابات، صعد المخرج كريم عينوز إلى خشبة مهرجان ريو السينمائي أثناء تقديم فيلمه "Rosebush Pruning"، وأعلن تأييده العلني للولا، وقاد هتافاً مناصراً له، وتحدّث عن الدور الذي لعبته السياسات العامة في مسيرته .
لكن الأمل الذي ساد "أرمازين دا أوتوبيا" قبل فتح الصناديق تبدّد سريعاً. صباح الإثنين، حلّ الحزن والكآبة مكانه. المنتجة المخضرمة باولا كوزنزا، رئيسة شركة Trema للإنتاج، لخّصت ما خلّفته حقبة بولسونارو (2019-2022): شلل كامل في القطاع السمعي البصري، وتقليصات في تمويل الجامعات العامة والبحث العلمي، وأكثر من 700 ألف وفاة بسبب الجائحة. تقول كوزنزا: "عودة محتملة إلى السلطة للمجموعة نفسها التي حكمت البلاد بين عامَي 2019 و2022 هي كارثة." وتضيف بتفصيلٍ أوسع: "المرشّح اليميني المتطرّف يُشكّك في شرعية الإبداع الفني، والمعرفة الأكاديمية، والعلم، وحرية ممارسة الصحافة، ليصبح تهديداً فعلياً للديمقراطية. التجربة السابقة تركت إرثاً يتمثّل في شللٍ تام لقطاع السمعي البصري، وتقليصاتٍ في تمويل الجامعات العامة والبحث العلمي، وحصيلة تجاوزت 700 ألف وفاة بسبب الجائحة. السياسات الثقافية العامة ينبغي أن تكون سياسات دولة، لكنها في البرازيل تبدو وكأنها سياسات حكومة."
المخرج مارسيلو غوميز، صاحب إشارة "L" التي افتتحت المشهد، يختصر الرهان الاقتصادي بقوله إن الصناعة تحمل "أهمية اقتصادية كبيرة للبرازيل"، ويضيف: "إنها صناعة معترف بها دولياً، وحصدت عدة جوائز كبرى في السنوات الأخيرة. تغيير محتمل نحو حكومة لا تقدّر الثقافة يمكن أن يعرّض كلّ ذلك للخطر."
أما المخرج ريكاردو ألفيس جونيور، الذي يُعرض فيلمه "The French Teacher" في ريو بعد عرضٍ أوّل لاقى استحساناً في سان سيباستيان، فقد وصف نفسه بأنه "حزين"، وقال: "الليلة الماضية لا يمكن أن تُرى إلا كفيلم رعب، بمشاهدة تقدّم اليمين المتطرّف في الكونغرس ومجلس الشيوخ وحكومات الولايات." ويضيف محذّراً من المرحلة المقبلة: "انتخاب لولا في الجولة الثانية أمرٌ أساسي لإقامة حاجز أمام التدمير الكامل للحقوق المكتسبة، سواء في التعليم أو حقوق الإنسان أو الثقافة. المشروع الذي يطرحه اليمين المتطرّف هو تدمير شامل. ثمة ما هو أسوأ حتى من عام 2018 قادم، حين تعرّض الإنتاج الفني لهجومٍ شديد."
الآن تتّجه البرازيل، إحدى أكبر دول السينما في العالم، نحو جولةٍ ثانية تُوصف بأنها من أكثر الاستحقاقات توتراً وأهمية في تاريخها الانتخابي الحديث. وبين كادرٍ احتفالي صُوّر في "أرمازين دا أوتوبيا" وكادرٍ آخر حمل قلق صباح الإثنين، يبقى السؤال معلّقاً: هل ستظلّ السياسات الثقافية في البرازيل سياسة دولة تتجاوز صاحب الكرسي، أم ستبقى رهينة كل دورة انتخابية؟
أخبار ذات صلة

تقييم «Krux»: صورة قاسية لحياة القرية الألمانية في أفق الحرب العالمية الثانية

أندرو جارفيلد قد يفوز بالأوسكار عن دوره كسام ألتمان في "Artificial"

أفلام «مينوتور» و«فيورد» و«ديغول» تتصدر برنامج الدورة الثلاثين لمهرجان الفيلم الأمريكي الفرنسي"
