اكتشاف إشارات راديوية من كوكب عملاق خارج المجموعة الشمسية
اكتشاف إشارات راديوية متكررة من كوكب Beta Pictoris b العملاق يفتح آفاق جديدة لفهم الحقول المغناطيسية الكوكبية ويؤكد أن الإشارات طبيعية وليست من حضارة فضائية تابع التفاصيل على وورلد برس عربي.

عندما تلتقط أطباق الراديو إشارات متكررة قادمة من كوكبٍ خارج مجموعتنا الشمسية، يتبادر إلى ذهن أي قارئ سؤالٌ واحد: هل هذا اتصالٌ من حضارةٍ أخرى؟ الإجابة هذه المرّة حاسمة، لكنها لا تقلّ إثارةً عن الفرضية التي استُبعدت. فقد رصد فريق بحثي بقيادة كيفن أورتيز سيبايوس، طالب الدراسات العليا في مركز هارفارد-سميثسونيان للفيزياء الفلكية، انفجارات راديوية متكررة وسريعة صادرة عن الكوكب الغازي العملاق Beta Pictoris b، الواقع على بعد 64 سنة ضوئية من الأرض، وبكتلة تقارب 10 أضعاف كتلة كوكب المشتري. الرصد، الذي تحقّق عبر مصفوفة MeerKAT الراديوية في جنوب أفريقيا، يُعدّ أول عملية كشف راديوي مباشر لا لبس فيه من كوكبٍ خارج المجموعة الشمسية.
تقول سوزان إيغرين، أستاذة الفيزياء الفلكية في جامعة أكسفورد: «لطالما بحث الفلكيون عن إشارات راديوية قادمة من الكواكب الخارجية منذ فترة». وتضيف: «كانت هناك عمليات رصد أولية وغير مباشرة من قبل، لكن هذا هو أول رصدٍ مباشر ومقنع فعلاً، ونأمل أن يمهّد الطريق لمزيدٍ من الاكتشافات».
كيف ميّز الباحثون الكوكب عن نجمه؟
عند التقاط الإشارة لأول مرة، لم يكن واضحاً ما إذا كان مصدرها الكوكب نفسه أم نجمه المضيف Beta Pictoris. لحلّ هذا الإشكال، استعان الفريق البحثي بمواضع ثوابت في السماء لا تتحرك: مجموعة من الكوازارات (أجرام مجرّية نشطة بعيدة جداً) استُخدمت كنقاط مرجعية ثابتة لمقارنة صور الكوكب والنجم في مجال الراديو. أظهرت هذه المقارنة أن الانبعاثات تنشأ فعلياً من الكوكب لا من النجم. وكتب الباحثون في دراستهم: «لم يسبق لأي رصد راديوي أن حُدِّد موقعه بشكل قاطع على كوكبٍ خارج المجموعة الشمسية بدل نجمه المضيف». الدراسة نُشرت كنسخة أولية (preprint) على arXiv، ولم تخضع بعد لمراجعة الأقران — وهو تحفّظٌ منهجي ينبغي التذكير به قبل التعامل مع النتائج كإجماع علمي نهائي.
أورورا كوكبية لا رسالة فضائية
بعد تحديد مصدر الإشارة، انتقل السؤال إلى طبيعتها الفيزيائية. تشرح إيغرين أن هناك عمليتين طبيعيتين معروفتين يمكن أن تُنتجا انبعاثاً راديوياً من الكواكب الخارجية: «الأولى هي إعادة الاتصال المغناطيسي، حين يدور الكوكب قريباً جداً من نجمه فيتفاعل حقله المغناطيسي مباشرة مع حقل النجم. والثانية هي الشفق القطبي، كما نشهده على الأرض وعلى كواكب أخرى في المجموعة الشمسية مثل زحل، لكن بقوة أكبر بكثير، حين تصطدم جسيمات مشحونة نشيطة قادمة من النجم بالغلاف الجوي العلوي للكوكب». وتضيف: «هذا التأثير الثاني هو ما يعتقد مؤلفو الدراسة أنهم رصدوه». وحسماً لأي التباس محتمل حول طبيعة الإشارة، تختصر إيغرين الأمر بعبارة واضحة: «هذا ليس فضائيين بالتأكيد!».
ماذا يكشف حقل مغناطيسي بقوة 1,250 غاوس؟
استناداً إلى شدة الانبعاثات الراديوية وطبيعتها الأورورية، قدّر الباحثون قوة الحقل المغناطيسي لكوكب Beta Pictoris b بنحو 1,250 غاوس. وللمقارنة، فإن حقل المشتري المغناطيسي، وهو الأقوى بين كواكب المجموعة الشمسية، لا يتجاوز 4.3 غاوس، بينما لا يزيد حقل الأرض على 0.5 غاوس. هذا التفاوت الهائل يضع Beta Pictoris b، وفق بيانات ناسا، في فئة مختلفة تماماً من حيث قوة درعه المغناطيسي.
لكن ما الذي تعنيه قوة هذا الحقل عملياً؟ تشرح إيغرين الوظيفة الأساسية للحقول المغناطيسية الكوكبية: «الحقل المغناطيسي للكوكب يحمي غلافه الجوي من "رياح" الجسيمات المشحونة القادمة من نجمه، والتي قد تحمل معها مادة الغلاف الجوي بعيداً لولا ذلك». وتستشهد بحالة الأرض كمثال: «على الأرض مثلاً، لعب الحقل المغناطيسي دوراً أساسياً في الحفاظ على الغلاف الجوي وحماية الحياة على الكوكب من الإشعاع العالي الطاقة الضار».
غير أن هذا الدرع القوي، في حالة Beta Pictoris b تحديداً، ليس بالغ الأهمية من الناحية العملية. فالكوكب، كما تلاحظ إيغرين، «ضخمٌ جداً وله غلاف جوي سميك، لذا فمن المرجّح أنه قادر على الاحتفاظ بغلافه الجوي حتى من دون حقل مغناطيسي قوي، وهو ليس كوكباً يُتوقع أن يستضيف حياة». الأهمية الحقيقية لهذا النوع من القياسات، حسب إيغرين، تكمن في المستقبل: «لكن في المستقبل قد نتمكن من إجراء قياسات مماثلة لكواكب أصغر حجماً، حيث سيكون تأثير هذا الدرع أكثر أهمية» — أي في الكواكب الأصغر التي قد تكون مرشحة فعلية للسكن.
أفق أوسع مع مصفوفة الكيلومتر المربع
المصفوفة MeerKAT التي أجرت هذا الرصد تُعدّ أداة استكشافية تمهيدية لمشروع أضخم، هو مصفوفة الكيلومتر المربع (Square Kilometre Array)، المتوقع دخولها الخدمة خلال السنوات القليلة المقبلة. وتصف إيغرين هذه المنظومة المقبلة بأنها «ستكون أقوى بكثير» من MeerKAT، مضيفة أنه «سيكون هناك عددٌ أكبر بكثير من الأنظمة الكوكبية التي يمكننا البحث فيها عن هذا النوع من الإشارات».
هذا الرصد، إذن، لا يُغلق ملف البحث عن حياة أو ذكاء خارج الأرض، بل يفتح باباً مختلفاً تماماً: تقنية جديدة لقياس الحقول المغناطيسية لكواكب بعيدة بشكل مباشر، بدل الاستدلال غير المباشر الذي كان سائداً حتى الآن. والسؤال الذي يبقى معلّقاً بانتظار الجيل القادم من التلسكوبات الراديوية هو: كم من هذه الكواكب، الأصغر حجماً والأكثر قابلية للسكن، تملك دروعاً مغناطيسية كافية لحماية أي حياة محتملة على سطحها؟
أخبار ذات صلة

الأضواء القطبية تعود: طيار يوثّق منظراً مذهلاً من ارتفاع 37 ألف قدم

الصين تسعى للهيمنة على القمر: تحذيرات من رئيس ناسا السابق

مهمة فضائية مستقلة بلا تحكم أرضي: شركة تعدين الكويكبات تطلق الأولى عالمياً سنة 2027
