كشف أسرار أصل الأرض من غبار كويكب بينّو
اكتشاف عينة غبار كوني من كويكب بينّو يكشف عن أصل مشترك مع كويكب ريوغو ويعيد رسم خريطة تشكّل الكواكب الصخرية قرب خط الثلج في النظام الشمسي بدور المشتري الحاسم في تشكيل الأرض والكواكب الأخرى عبر مزيج فريد من المواد الأولية في وورلد برس عربي.

في نصف غرامٍ من الغبار الكوني الذي وصل إلى مختبر في زيورخ، وجد الباحثون ما قد يكون أقرب إجابةٍ توصّلنا إليها حتى الآن عن سؤالٍ يُشغل علماء الكواكب منذ عقود: من أيّ خليطٍ من المواد الأولية تشكّلت الأرض وبقية الكواكب الصخرية؟ العيّنة مأخوذةٌ من الكويكب القريب من الأرض بينّو (Bennu)، وتحليلها الجديد، المنشور في 23 سبتمبر في مجلة «ساينس أدفانسز» (Science Advances)، يعيد رسم فهمنا لموقع تشكّل هذا الجرم قبل 4.5 مليار سنة، ولموقعه من الحدود التي فصلت بين مناطق حارّة وأخرى باردة في القرص الغباري الذي وُلدت منه الكواكب.
كيف وصلت العيّنة، وماذا وجد فيها الباحثون؟
بين عامَي 2018 و2021، زارت مركبة NASA أوسايرس-ريكس (OSIRIS-REx) والاسم اختصارٌ لعبارة «أصول، تفسير طيفي، تحديد الموارد، أمن، مستكشف الركام» كويكب بينّو، وعادت في 23 سبتمبر 2023 بحمولةٍ من الركام قدرها 0.26 رطل (120 غراماً). وُزِّعت هذه المادة لاحقاً على باحثين حول العالم، وحصل مختبر ماريا شونباخلر، أستاذة الكيمياء الجيولوجية النظيرية في المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا (ETH Zurich)، على نصف غرامٍ منها فقط كمّية ضئيلة، لكنها كافية لتحليل نظائر الحديد والتيتانيوم والكروميوم، وهي أشكالٌ مختلفة من العنصر نفسه تتفاوت في عدد النيوترونات داخل نواتها.
النتيجة اللافتة أنّ نظائر الحديد والتيتانيوم كانت موزّعةً بتجانسٍ تامّ في أنحاء العيّنة، ما يستبعد فرضية تشكّل بينّو من كتلٍ خشنة ومتفرّقة من الجسيمات، ويرجّح بدلاً من ذلك أنه تكوّن من حبيبات غبارٍ دقيقة اختلطت جيداً قبل أن تلتصق ببعضها. والأهمّ أنّ هذا التوقيع النظيري يتطابق بشكلٍ كبير مع تركيبة كويكبٍ آخر هو ريوغو (Ryugu)، الذي أعادت مهمة هايابوسا2 (Hayabusa2) اليابانية عيّناتٍ منه، وكذلك مع نوعٍ نادر من النيازك يُعرف بالكوندريتات من الصنف CI. يفسّر الباحثون هذا التقارب بأنّ بينّو وريوغو نشآ كشظايا من جسمَين أبويّين أكبر تحطّما لاحقاً، وأنّ التركيبة الكيميائية المتماثلة تعود إلى أصلٍ مشترك في منطقة تشكّلٍ واحدة.
لماذا كان موقع «خط الثلج» حاسماً في هذه القصة؟
حتى وقتٍ قريب، كان بعض العلماء يضعون منشأ الجسمين الأبويين لبينّو وريوغو في مناطق بعيدة جداً عن الشمس، مقترحين تشكّلاً موازياً للمذنّبات في النظام الشمسي الخارجي وذلك لأنّ العمليات في تلك المناطق البعيدة تسير ببطءٍ نسبي، ما اعتُبر متسقاً مع طول الوقت اللازم لتكوين مثل هذه الأجسام. لكن اكتشاف جزيئات ماءٍ في عيّنة بينّو غيّر هذا الافتراض، وأشار إلى أنّ الكويكب تشكّل أقرب إلى الشمس مما كان يُعتقد، عند حدودٍ تُعرف بـ«خط الثلج»، وهي المنطقة التي كان يتجمّد فيها بخار الماء إلى جليدٍ خارجها، بينما كان يتسامى إلى غازٍ أو يذوب إلى سائلٍ داخلها. وتُقدَّر مسافة خط الثلج المبكر في النظام الشمسي بموقعٍ قريب مما يشغله كوكب المشتري اليوم.
هنا يدخل المشتري نفسه كعنصرٍ محوري في الرواية. فقد تشكّل الكوكب العملاق في غضون مليون سنةٍ فقط بعد ولادة الشمس، وسرعان ما هيمن على مداره بطريقةٍ منعت تدفّق كتل الغبار الأثقل والأخشن نحو المناطق الداخلية، بينما سمح للغبار الدقيق بالتدفّق حوله. هذا «التصفية» التي مارسها المشتري، بحسب الباحثين، هي ما يفسّر التجانس الشديد في التركيب النظيري لبينّو: مادة دقيقة قادمة من جانبَي خط الثلج، اختلطت وامتزجت ببعضها بينما كان بخار الماء المتسامي من الجليد الخارجي يتغلغل في المنطقة نفسها التي تشكّل فيها بينّو وريوغو وأجسام الكوندريتات من نوع CI، ليتشكّل الجسم الأبوي لبينّو بعد وقتٍ ليس بالطويل من تشكّل المشتري نفسه، محتوياً على كثيرٍ من المعادن الحاملة للماء.
تقول شونباخلر إنّ هذا التركيب المختلط يجعل من بينّو حالةً فريدة: «بينّو جسمٌ هجين»، مضيفةً أنّ «المادة لا تتطابق بوضوحٍ مع النظام الشمسي الداخلي ولا مع الخارجي». وتذهب أبعد من ذلك في تقييم أهمية هذا الاكتشاف: «قد يقدّم لنا بينّو أفضل لمحةٍ عن الخليط الأصلي من العناصر الكيميائية الذي بُنيت منه الكواكب الصخرية في نهاية المطاف». فمادته الدقيقة الحبيبات تحمل شَبَهاً بالسديم الشمسي البدائي وبالشمس نفسها، وهو ما يمنحها صفة المادة الأوّلية التأسيسية التي قامت عليها عملية تشكّل النظام الشمسي برمّته.
هل يتكرر هذا التوقيع في كويكبات أخرى؟
يبقى السؤال المفتوح الذي تطرحه شونباخلر نفسها: «نتساءل الآن عمّا إذا كانت كويكباتٌ أخرى تحمل التوقيع النظيري نفسه الذي يحمله بينّو وريوغو». والإجابة، بحسب الباحثين، تتطلّب مزيداً من عيّنات الإرجاع من أجرامٍ مختلفة لاختبار مدى انتشار هذا النمط. عدة مهمات قادمة قد تقدّم أجوبةً جزئية: مهمة تيانوين-2 (Tianwen-2) الصينية وصلت هذا الصيف إلى الكويكب القريب من الأرض كامو أواليوا (Kamo'oalewa)، وتخطّط لإعادة عيّنةٍ منه العام المقبل، بينما تستعدّ اليابان لإطلاق مهمة استكشاف قمرَي المريخ (Martian Moons eXploration) في أغسطس المقبل، بهدف جمع عيّنةٍ من فوبوس، القمر المرتبط رسمياً بكوكب المريخ لكنه يُعتقد أنه قد يكون كويكباً أُسر بجاذبية الكوكب. وإذا صحّت هذه الفرضية، فقد تحمل نظائر فوبوس المقرَّر جمعها عام 2031 تشابهاً مع بينّو أكبر من تشابهها مع تركيبة المريخ نفسه.
بانتظار تلك النتائج، يظلّ بينّو، بحمولته الضئيلة التي لا تتجاوز 120 غراماً، شاهداً مادياً نادراً على لحظةٍ تكوينية سبقت وجود الأرض بمليارات السنين لحظةٌ لم تُحفظ آثارها في أيّ صخرةٍ أرضية، لكنها بقيت محفوظةً، بتفاصيلها الدقيقة، في غبار كويكبٍ ما زال يدور بيننا وبين الشمس.
أخبار ذات صلة

ذراع الروبوت الضخمة في محطة الفضاء الدولية توقفت عن العمل

مسبار JUICE يحصل على دفعة سرعة من الأرض في طريقه إلى المشتري

صورة عمرها 72 سنة تكشف أسرار «مرتنيت» التي حكمت قبل 5 آلاف سنة
