وورلد برس عربي logo

كشف أسرار أصل الأرض من غبار كويكب بينّو

اكتشاف عينة غبار كوني من كويكب بينّو يكشف عن أصل مشترك مع كويكب ريوغو ويعيد رسم خريطة تشكّل الكواكب الصخرية قرب خط الثلج في النظام الشمسي بدور المشتري الحاسم في تشكيل الأرض والكواكب الأخرى عبر مزيج فريد من المواد الأولية في وورلد برس عربي.

مخطط يوضح مواقع تشكّل الكويكبات بينّو وريوغو عند خط الثلج في النظام الشمسي المبكر وتأثير كوكب المشتري على توزيع الغبار.
مخطط يوضح أماكن تكوّن الأجسام المختلفة في النظام الشمسي، وكيف سيطر كوكب المشتري على حركة الغبار المتجه نحو الداخل. (حقوق الصورة: شونباخلر م. وآخرون، مجلة ساينس أدفانسز 2026، رخصة المشاع الإبداعي BY 4.0)
التصنيف:علوم
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في نصف غرامٍ من الغبار الكوني الذي وصل إلى مختبر في زيورخ، وجد الباحثون ما قد يكون أقرب إجابةٍ توصّلنا إليها حتى الآن عن سؤالٍ يُشغل علماء الكواكب منذ عقود: من أيّ خليطٍ من المواد الأولية تشكّلت الأرض وبقية الكواكب الصخرية؟ العيّنة مأخوذةٌ من الكويكب القريب من الأرض بينّو (Bennu)، وتحليلها الجديد، المنشور في 23 سبتمبر في مجلة «ساينس أدفانسز» (Science Advances)، يعيد رسم فهمنا لموقع تشكّل هذا الجرم قبل 4.5 مليار سنة، ولموقعه من الحدود التي فصلت بين مناطق حارّة وأخرى باردة في القرص الغباري الذي وُلدت منه الكواكب.

كيف وصلت العيّنة، وماذا وجد فيها الباحثون؟

بين عامَي 2018 و2021، زارت مركبة NASA أوسايرس-ريكس (OSIRIS-REx) والاسم اختصارٌ لعبارة «أصول، تفسير طيفي، تحديد الموارد، أمن، مستكشف الركام» كويكب بينّو، وعادت في 23 سبتمبر 2023 بحمولةٍ من الركام قدرها 0.26 رطل (120 غراماً). وُزِّعت هذه المادة لاحقاً على باحثين حول العالم، وحصل مختبر ماريا شونباخلر، أستاذة الكيمياء الجيولوجية النظيرية في المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا (ETH Zurich)، على نصف غرامٍ منها فقط كمّية ضئيلة، لكنها كافية لتحليل نظائر الحديد والتيتانيوم والكروميوم، وهي أشكالٌ مختلفة من العنصر نفسه تتفاوت في عدد النيوترونات داخل نواتها.

ذراع مركبة أوسايرس-ريكس تلتقط عينات من سطح كويكب بينّو، مما يساهم في دراسة أصل الكواكب الصخرية وتشكّل النظام الشمسي.
Loading image...
التقطت مركبة ناسا أوزيريس-ريكس هذه السلسلة من الصور للكويكب بينو في 14 أبريل 2020، خلال أول تدريب عملي لحدث جمع العينات في المهمة. وكان استرجاع العينة الفعلي قريبًا جدًا من هذه اللقطات. (حقوق الصورة: ناسا/جودارد/جامعة أريزونا)

النتيجة اللافتة أنّ نظائر الحديد والتيتانيوم كانت موزّعةً بتجانسٍ تامّ في أنحاء العيّنة، ما يستبعد فرضية تشكّل بينّو من كتلٍ خشنة ومتفرّقة من الجسيمات، ويرجّح بدلاً من ذلك أنه تكوّن من حبيبات غبارٍ دقيقة اختلطت جيداً قبل أن تلتصق ببعضها. والأهمّ أنّ هذا التوقيع النظيري يتطابق بشكلٍ كبير مع تركيبة كويكبٍ آخر هو ريوغو (Ryugu)، الذي أعادت مهمة هايابوسا2 (Hayabusa2) اليابانية عيّناتٍ منه، وكذلك مع نوعٍ نادر من النيازك يُعرف بالكوندريتات من الصنف CI. يفسّر الباحثون هذا التقارب بأنّ بينّو وريوغو نشآ كشظايا من جسمَين أبويّين أكبر تحطّما لاحقاً، وأنّ التركيبة الكيميائية المتماثلة تعود إلى أصلٍ مشترك في منطقة تشكّلٍ واحدة.

لماذا كان موقع «خط الثلج» حاسماً في هذه القصة؟

حتى وقتٍ قريب، كان بعض العلماء يضعون منشأ الجسمين الأبويين لبينّو وريوغو في مناطق بعيدة جداً عن الشمس، مقترحين تشكّلاً موازياً للمذنّبات في النظام الشمسي الخارجي وذلك لأنّ العمليات في تلك المناطق البعيدة تسير ببطءٍ نسبي، ما اعتُبر متسقاً مع طول الوقت اللازم لتكوين مثل هذه الأجسام. لكن اكتشاف جزيئات ماءٍ في عيّنة بينّو غيّر هذا الافتراض، وأشار إلى أنّ الكويكب تشكّل أقرب إلى الشمس مما كان يُعتقد، عند حدودٍ تُعرف بـ«خط الثلج»، وهي المنطقة التي كان يتجمّد فيها بخار الماء إلى جليدٍ خارجها، بينما كان يتسامى إلى غازٍ أو يذوب إلى سائلٍ داخلها. وتُقدَّر مسافة خط الثلج المبكر في النظام الشمسي بموقعٍ قريب مما يشغله كوكب المشتري اليوم.

هنا يدخل المشتري نفسه كعنصرٍ محوري في الرواية. فقد تشكّل الكوكب العملاق في غضون مليون سنةٍ فقط بعد ولادة الشمس، وسرعان ما هيمن على مداره بطريقةٍ منعت تدفّق كتل الغبار الأثقل والأخشن نحو المناطق الداخلية، بينما سمح للغبار الدقيق بالتدفّق حوله. هذا «التصفية» التي مارسها المشتري، بحسب الباحثين، هي ما يفسّر التجانس الشديد في التركيب النظيري لبينّو: مادة دقيقة قادمة من جانبَي خط الثلج، اختلطت وامتزجت ببعضها بينما كان بخار الماء المتسامي من الجليد الخارجي يتغلغل في المنطقة نفسها التي تشكّل فيها بينّو وريوغو وأجسام الكوندريتات من نوع CI، ليتشكّل الجسم الأبوي لبينّو بعد وقتٍ ليس بالطويل من تشكّل المشتري نفسه، محتوياً على كثيرٍ من المعادن الحاملة للماء.

كويكب بينّو الصخري مغطى بحبيبات دقيقة ومتجانسة، مصدر عيّنات الغبار الكوني التي تساعد في فهم تكوين الكواكب الصخرية في النظام الشمسي.
Loading image...
صورة فسيفسائية للكويكب بينو تم إنشاؤها بناءً على الملاحظات التي أجرتها مركبة ناسا الفضائية أوزيريس-ريكس. (حقوق الصورة: ناسا/جودارد/جامعة أريزونا)

تقول شونباخلر إنّ هذا التركيب المختلط يجعل من بينّو حالةً فريدة: «بينّو جسمٌ هجين»، مضيفةً أنّ «المادة لا تتطابق بوضوحٍ مع النظام الشمسي الداخلي ولا مع الخارجي». وتذهب أبعد من ذلك في تقييم أهمية هذا الاكتشاف: «قد يقدّم لنا بينّو أفضل لمحةٍ عن الخليط الأصلي من العناصر الكيميائية الذي بُنيت منه الكواكب الصخرية في نهاية المطاف». فمادته الدقيقة الحبيبات تحمل شَبَهاً بالسديم الشمسي البدائي وبالشمس نفسها، وهو ما يمنحها صفة المادة الأوّلية التأسيسية التي قامت عليها عملية تشكّل النظام الشمسي برمّته.

هل يتكرر هذا التوقيع في كويكبات أخرى؟

يبقى السؤال المفتوح الذي تطرحه شونباخلر نفسها: «نتساءل الآن عمّا إذا كانت كويكباتٌ أخرى تحمل التوقيع النظيري نفسه الذي يحمله بينّو وريوغو». والإجابة، بحسب الباحثين، تتطلّب مزيداً من عيّنات الإرجاع من أجرامٍ مختلفة لاختبار مدى انتشار هذا النمط. عدة مهمات قادمة قد تقدّم أجوبةً جزئية: مهمة تيانوين-2 (Tianwen-2) الصينية وصلت هذا الصيف إلى الكويكب القريب من الأرض كامو أواليوا (Kamo'oalewa)، وتخطّط لإعادة عيّنةٍ منه العام المقبل، بينما تستعدّ اليابان لإطلاق مهمة استكشاف قمرَي المريخ (Martian Moons eXploration) في أغسطس المقبل، بهدف جمع عيّنةٍ من فوبوس، القمر المرتبط رسمياً بكوكب المريخ لكنه يُعتقد أنه قد يكون كويكباً أُسر بجاذبية الكوكب. وإذا صحّت هذه الفرضية، فقد تحمل نظائر فوبوس المقرَّر جمعها عام 2031 تشابهاً مع بينّو أكبر من تشابهها مع تركيبة المريخ نفسه.

بانتظار تلك النتائج، يظلّ بينّو، بحمولته الضئيلة التي لا تتجاوز 120 غراماً، شاهداً مادياً نادراً على لحظةٍ تكوينية سبقت وجود الأرض بمليارات السنين لحظةٌ لم تُحفظ آثارها في أيّ صخرةٍ أرضية، لكنها بقيت محفوظةً، بتفاصيلها الدقيقة، في غبار كويكبٍ ما زال يدور بيننا وبين الشمس.

أخبار ذات صلة

Loading...
الذراع الآلي الكندي Canadarm2 معلق على محطة الفضاء الدولية، يبرز تعطل الذراع الذي يؤثر على عمليات الشحن والصيانة في المحطة.

ذراع الروبوت الضخمة في محطة الفضاء الدولية توقفت عن العمل

تعطل الذراع الآلي الكندي Canadarm2 في محطة الفضاء الدولية يثير قلق خبراء الفضاء. هل هو عطل ميكانيكي أم برمجي؟ اكتشف تأثيره على شحن الإمدادات وصيانة المحطة واستمر في متابعة التفاصيل الحصرية.
علوم
Loading...
مخطط يوضح مسار مسبار JUICE خلال مناورة الاقتراب من الأرض في 28 سبتمبر 2026 لزيادة سرعته باتجاه نظام كوكب المشتري.

مسبار JUICE يحصل على دفعة سرعة من الأرض في طريقه إلى المشتري

نجح مسبار JUICE في مناورة جذب دقيقة حول الأرض لزيادة سرعته نحو مدار المشتري، موفراً وقوداً ثميناً لاستكشاف أقمار المشتري الجليدية. اكتشف كيف تُدار هذه المهمة الحاسمة وكن جزءاً من الرحلة المستقبلية.
علوم
Loading...
تفاصيل رقمية محسّنة لسِرِخات ختم طيني من مصر القديمة تكشف علامات تدعم وجود الملكة مرتنيت كحاكمة محتملة قبل 5000 عام.

صورة عمرها 72 سنة تكشف أسرار «مرتنيت» التي حكمت قبل 5 آلاف سنة

هل يمكن أن تكون مرتنيت أول امرأة تحكم مصر القديمة قبل 5000 عام؟ إعادة تحليل رقمية لسدادات طينية مفقودة تكشف أدلة جديدة تثير جدلاً مثيرًا بين علماء المصريات. اكتشف التفاصيل المثيرة وكن جزءًا من هذا النقاش التاريخي الآن!
علوم
Loading...
قمر صناعي مزود بمرايا عاكسة لضوء الشمس في مدار الأرض، يثير قلق العلماء بشأن التلوث الضوئي وتأثيره على رصد الفضاء.

الأقمار الصناعية : هل تستطيع الأمم المتحدة إيقاف الكارثة القادمة؟

سماء الليل تواجه تهديداً غير مسبوق من آلاف الأقمار الصناعية والمرايا المدارية التي قد تُعطل الرصد الفلكي وتزيد التلوث الضوئي. اكتشف كيف تسعى الأمم المتحدة لحماية سمائنا، وكن جزءاً من الحل الآن.
علوم
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية