وورلد برس عربي logo

كيف تغلب الذكاء الاصطناعي على أسرار لعبة ستراتيغو

تعرف كيف تغلب الذكاء الاصطناعي Ataraxos على بطل العالم في لعبة Stratego المعقدة باستخدام استراتيجيات خداع متقدمة وتدريب ذاتي مكثف بميزانية جامعية بسيطة اكتشف تفاصيل هذه القصة في وورلد برس عربي

رمز لعبة ستراتيغو يظهر علمًا أزرق مع قنبلة بيضاء وسطه، يعبر عن استراتيجية اللعب والتكتيكات العسكرية في اللعبة.
حقوق الصورة: Vectorwin
التصنيف:تكنولوجيا
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

حين جلس بيم نيميير، حامل أربعة ألقاب عالمية في لعبة Stratego والمصنّف الأول في العالم لأكثر من 600 أسبوع، أمام شاشة حاسوبه لثلاثة أسابيع متتالية، كان مقتنعاً بأنّه سيجد ثغرات في استراتيجية الخصم الآلي. لم يحدث ذلك: من أصل 20 مباراة لعبها عبر الإنترنت، خسر 15 وتعادل في أربع ولم يفز إلا بمباراة واحدة، نظير مكافأة قدرها 100 دولار عن كل فوز. الأغرب في القصة ليس النتيجة، بل أنّ الخصم المسمّى Ataraxos لم يحتج إلى مزرعة خوادم بملايين الدولارات ليحقّقها؛ فريق أكاديمي من باحثين في Carnegie Mellon وMIT وجامعة نيويورك وجامعة ستانفورد دربه بميزانية لا تتجاوز بضعة آلاف من الدولارات فقط.

لم تكن تلك المباراة استعراضاً عابراً. في بطولة العالم لعام 2025، لعب Ataraxos 40 مباراة أمام حضور البطولة وفاز بـ38 منها. النتيجة نُشرت لاحقاً في دراسة أكاديمية بمجلة Nature عام 2026 (رقم DOI: 10.1038/s41586-026-11036-y)، بقيادة الباحث سامويل سوكوتا، ومعه غابرييل فارينا من MIT ويوجين فينيتسكي من جامعة نيويورك، وآخرون.

لماذا تُعدّ Stratego أصعب من الشطرنج والبوكر على الآلة؟

لعبة Stratego ليست مجرد لعبة طاولة أخرى. كل لاعب يملك 40 قطعة تشمل رتباً عسكرية من المارشال إلى الجاسوس، إضافة إلى ألغام وعلَم، والهدف هو الاستيلاء على علَم الخصم. يرى كل لاعب موقع قطع خصمه على الرقعة، لكنه يجهل هويتها؛ لا تُكشف الهوية إلا عند الاشتباك، حين تُزال القطعة الأضعف ويُفصح عن هوية الفائزة. هذا التصميم يفتح الباب أمام عدد مذهل من الترتيبات الممكنة، يصفه الباحثون بأنّه يتجاوز الدسيليون (decillion).

يقول غابرييل فارينا، عالم الحاسوب في MIT وأحد مؤلفي الدراسة، إنّ المقارنة مع البوكر توضّح حجم التحدي: «في البوكر الأمريكي من نوع Texas Hold'em لديك 1,326 يداً ممكنة وورقتان مخفيّتان فقط»، بينما «في Stratego هناك 40 قطعة على الرقعة يمكن أن تكون بأي ترتيب». ويضيف أنّ طول المباراة يفاقم المشكلة: «في الشطرنج تستمر المباراة عادة 40 حركة، لكن في Stratego يمكن أن تمتدّ بسهولة إلى 2,000 حركة».

ويوجز يوجين فينيتسكي، الباحث في جامعة نيويورك، ما يميّز اللعبة بقوله: «هناك شيء مميّز جداً في Stratego، وهو أنّها تحتوي كمّاً هائلاً من المعلومات المخفية التي تتكشّف على مدى زمني طويل جداً». ولهذا السبب بالتحديد عجزت DeepNash، الذكاء الاصطناعي الذي طوّرته DeepMind عام 2022، عن حلّ مشكلة البلوف في اللعبة بفعالية؛ فمساحة البحث كانت أكبر من أن تُجري فيها الشركة بحثاً قبل كل حركة كما تفعل محركات الشطرنج التقليدية.

كيف تعلّمت الآلة أن تخدع خصمها؟

البلوف في Stratego فنّ دقيق: عرض قطعة ضعيفة على أنّها أقوى مما هي لردع الخصم، لكن هذا التهديد يفقد قيمته إذا استُخدم كثيراً، واللاعب الذي لا يخادع أبداً يصبح متوقّعاً تماماً. يقول فارينا إنّ هذا التوازن سهل على الآلة أكثر مما هو على الإنسان: «بالنسبة للبشر، من الصعب جداً، حين تعرف سرّاً، أن تتخذ قرارات متجاهلاً معرفتك بذلك السرّ. بالنسبة للآلات، الأمر سهل». ويضيف بثقة: «هذا أحد الأشياء التي توصّلنا فعلاً إلى كيفية إنجازها».

تدرّب Ataraxos عبر اللعب الذاتي (self-play)، حيث خاض 163 مليون مباراة ضد نسخ من نفسه، معزّزاً الحركات المرتبطة بالفوز ومقلّلاً من تلك المرتبطة بالخسارة، مع تعديلات استراتيجية كبيرة في المراحل الأولى من التدريب وتعديلات أدقّ لاحقاً. ولتعويض نقص المعلومات، استخدم الفريق شبكة عصبية ثانية أسموها «نموذج الاعتقاد» (belief model)، مهمتها تقدير هوية قطع الخصم المخفية. كانت الآلة تختبر ترتيبات محتملة لقطع الخصم، وتجرّب حركات مرشّحة، وتختار بناءً على النتائج المتوقعة. محاكي الفريق كان قادراً على تنفيذ ملايين الحركات في الثانية على بطاقات الرسوميات، وهو ما ساهم في كفاءة التدريب.

النتيجة العملية كانت لافتة في الميدان؛ يتذكّر فينيتسكي: «كنا نشاهد الروبوت 'يخادع' طريقه للعودة من احتمال فوز لا يتجاوز 2% بكل برود». وفي أحيان أخرى، كان Ataraxos يترك ما يبدو نقاط ضعف ظاهرة دون مسّها، حين لا يكون لدى الخصم سبب للشكّ فيها، كما اعتمد في وضع العلَم غالباً على زاوية محمية بلغمين فقط فقط، وهو ترتيب نادراً ما يلجأ إليه لاعبون بشر. ومع ذلك، يقرّ الباحثون بأنّ الحظ يبقى عاملاً حتى مع أفضل استراتيجية، إذ تتطلّب اللعبة ترتيباً عشوائياً للقطع في البداية. يقول فارينا: «حتى الاستراتيجية المثالية، أحياناً ستخسر فقط»، ويوافقه فينيتسكي: «أحياناً كان الحظ حليفنا».

ميزانية جامعية في مواجهة ميزانية شركة عملاقة

هنا تكمن القصة الحقيقية التي تستحق التوقف عندها: الفجوة الهائلة بين تكلفة Ataraxos وتكلفة DeepNash. دُرّب Ataraxos على 16 بطاقة رسوميات (GPU) لمدة أسبوع واحد فقط، بتكلفة بضعة آلاف من الدولارات، مع تدريب إضافي لنموذج الاعتقاد على 4 بطاقات رسوميات لأربعة أيام. في المقابل، احتاجت DeepNash إلى شهرين إلى ثلاثة أشهر من التدريب على 1024 رقاقة متخصّصة من Google. يقدّر الباحثون أنّ تكرار حوسبة مكافئة لـ DeepNash كان سيكلّف ما بين 3 ملايين و4.5 مليون دولار بأسعار عام 2025. كما لعب Ataraxos نحو 34 مرة أقل من عدد المباريات التي خاضتها DeepNash أثناء التدريب.

يلخّص فارينا واقع البحث الأكاديمي بصراحة: «على المستوى الذي نعمل فيه في الأوساط الأكاديمية، لا نملك فعلياً إمكانية الوصول إلى حقل كامل من بطاقات الرسوميات». هذه الجملة وحدها تختصر لماذا تُعدّ هذه النتيجة مهمة لمن يتابع سباق الذكاء الاصطناعي: ليست كل قفزة تقنية رهينة ميزانيات الشركات الكبرى، وأحياناً تكون الهندسة الذكية في طريقة التدريب أهم من حجم العتاد.

ولم يتوقف الأمر عند Stratego الكاملة؛ النهج نفسه تفوّق على ثلاثة أبطال عالميين في Barrage Stratego، وهي نسخة مصغّرة من اللعبة بثماني قطع فقط، كما أتقن لعبة الورق التعاونية Hanabi، وتغلّب على أفضل الروبوتات في لعبة الورق الصينية dou dizhu.

ماذا بعد الألعاب؟

يرى الباحثون أنّ الفائدة تتجاوز رقعة اللعب. يقول فينيتسكي: «محاكاة الحروب (war gaming) ممارسة شائعة»، مضيفاً أنّه «يمكن استخدام التقنيات المستنبطة هنا لمحاكاة المستقبل ومعرفة كيف قد يستجيب خصم قوي لتحرّكاتك». لكن الفارق بين لعبة طاولة وبين مفاوضات حقيقية أو أسواق مالية أو نزاعات عسكرية كبير: الألعاب لها قواعد ثابتة وفائز واضح، بينما المفاوضات والأسواق والنزاعات لا تخضع عادة لهذا الوضوح.

يبقى هناك سؤال لم يُحسم بعد، وهو الأكثر إلحاحاً من منظور أي قارئ حذر تجاه خطاب «الذكاء الاصطناعي الذي يفوز على البشر»: لا يستطيع Ataraxos تفسير سبب اتخاذه قراراته. يقول فارينا بصراحة: «نحن نعمل على آلات تنتج استراتيجيات قوية لكن أيضاً قابلة للتفسير والفهم. أعتقد أننا لم نصل إلى هناك بعد». وقد اختار الفريق للآلة اسماً يونانياً قديماً يعني حالة الهدوء، إذ يوضح فارينا: «هذا يعني شخصاً هادئاً وغير منزعج»، حتى «في مواقف يفقد فيها الإنسان أعصابه». لكنّ هذا الهدوء نفسه هو ما يثير القلق: آلة تتخذ قرارات صائبة باستمرار دون أن تستطيع شرح منطقها الداخلي، في مجال انتقل بسرعة من لعب الورق والطاولة إلى احتمالات أكثر جدّية مثل محاكاة النزاعات. يقول فارينا إنّ ظهور Ataraxos «غيّر قليلاً من طبيعة اللعبة الفوقية» لدى لاعبي Stratego أنفسهم، وربما يكون هذا التحوّل مجرد بداية لنقاش أوسع لم يُحسم بعد حول مدى استعدادنا للثقة بقرارات لا نفهم كيف اتُّخذت، حتى حين تكون صحيحة.

أخبار ذات صلة

Loading...
شعار OpenAI على شاشة هاتف ذكي أمام خلفية برمجية، يرمز إلى الجدل حول سلامة المعلومات وتسريبات الباحثين في الشركة.

OpenAI تقطع علاقتها بثلاثة باحثين في الأمان

تثير OpenAI جدلاً بعد فصل ثلاثة باحثين بتهمة تسريب معلومات حساسة وسط اتهامات بإسكات تحذيرات داخلية حول مخاطر الذكاء الاصطناعي. اكتشف التفاصيل وكن جزءاً من النقاش حول سلامة التكنولوجيا.
تكنولوجيا
Loading...
رجل بملابس رسمية من القرن التاسع عشر يجلس على كرسي مزخرف، يعكس صورة تاريخية مرتبطة باسم وليام ستانلي جيفونز الاقتصادي.

أمازون تطلق نسختها من نماذج القرار مع فيضان الذكاء الاصطناعي

اكتشف كيف أحدث نموذج Strands Decider 2B ثورة في عالم وكلاء الذكاء الاصطناعي بخيارات سريعة وموثوقة دون الحاجة لنماذج ضخمة مكلفة. تابع التفاصيل لتعرف كيف يمكن أن يغير قواعد اللعبة.
تكنولوجيا
Loading...
شعار تطبيق Gemini على شاشة هاتف ذكي، مرتبط بإطلاق نموذج ذكاء اصطناعي متقدم في الأمن السيبراني من Google.

Google تطلق Gemini 4 Argon، أقوى نموذج ذكاء اصطناعي لديها حتى الآن

أطلقت Google نموذج Gemini 4 Argon المتفوّق في الأمن السيبراني للكشف وإصلاح الثغرات بشكل مستقل، مع نتائج تتفوق على منافسيه. اكتشف كيف يغير هذا النموذج قواعد اللعبة في حماية الأنظمة، وابقَ على اطلاع بأحدث التطورات.
تكنولوجيا
Loading...
رموز تحذير حمراء على شاشات كمبيوتر مع لوحة مفاتيح رقمية، تعبيراً عن ثغرة أمنية حرجة في خوادم بريد Zimbra تعرضها لهجمات إلكترونية.

المهاجمون يستغلّون ثغرة حرجة في Zimbra لسرقة رسائل البريد الإلكتروني

إذا كنت تعتمد على خادم بريد Zimbra فاحذر ثغرة CVE-2026-73570 التي تسمح للمهاجمين بتنفيذ أوامر عن بُعد دون مصادقة، مما يعرض بيانات بريدك للاختراق وسرقة المصادقة. اكتشف كيف تحمي مؤسستك وتتفادى الخطر الآن.
تكنولوجيا
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية