مهمة فضائية مستقلة تغير مستقبل استكشاف الفضاء
شركة AstroForge تطلق مهمة فضائية تُدار بالكامل من الفضاء عبر ذكاء اصطناعي جديد يغير قواعد التحكم بالمركبات. تجربة فريدة على صاروخ قابل لإعادة الاستخدام تفتح آفاقاً جديدة لاستكشاف الفضاء واستخراج المعادن. وورلد برس عربي

يستعدّ قطاع استكشاف الفضاء لاختبارٍ غير مسبوق: مهمة فضائية كاملة تُدار من الفضاء لا من غرف التحكّم الأرضية. أعلنت شركة AstroForge الأمريكية، ومقرّها كاليفورنيا، أنها حجزت مقعداً لمهمّتها «Autonomy-1» على متن أول رحلة تجريبية لصاروخ «Nova Pathfinder» التابع لشركة Stoke Space، المُقرَّرة في أوائل عام 2027. الهدف المُعلَن ليس مجرّد إطلاق قمر صناعي آخر إلى المدار، بل اختبار نموذج ذكاء فضائي جديد قد يُعيد تعريف طريقة تشغيل المركبات الفضائية مستقبلاً.
كيف تعمل مركبة بلا أوامر أرضية؟
في منشورٍ على مدوّنة الشركة يوم الثلاثاء 22 سبتمبر، قال Matt Gialich، الرئيس التنفيذي والمؤسّس المشارك لـ AstroForge، إنّ الهدف من المهمّة "بسيطٌ عن قصد: بعد انفصال Autonomy-1 عن مركبة الإطلاق، لا نعتزم إرسال أمرٍ واحد إلى المركبة". وأضاف أنّ "Autonomy-1 ستكون أول مهمة فضائية تُتمّ مهمّتها بالكامل بعد الانفصال دون تلقّي أمرٍ واحد من الأرض".
المحرّك الرئيسي لهذا الاستقلال هو نموذج «Solo»، الذكاء الفضائي الذي طوّرته AstroForge حديثاً، والمصمَّم — بحسب Gialich — "للتنسيق الذاتي بين الوظائف الداخلية للمركبة". ويعمل هذا النظام فوق طبقة برمجيات الطيران الحتمية القائمة على الفيزياء التي طوّرتها الشركة سابقاً، وهو ما يقول عنه Gialich: "يعمل Solo فوق برمجيات الطيران الحتمية القائمة على الفيزياء التي طوّرتها AstroForge، ما يتيح للمركبة اتخاذ قرارات في الزمن الحقيقي أثناء الطيران".
مع ذلك، فإنّ الاستقلالية هنا ليست انقطاعاً تاماً عن الأرض، بل إعادة توجيه لتدفّق المعلومات في اتجاهٍ واحد. فبحسب Gialich: "ستُرسل Autonomy-1 بيانات القياس عن بُعد والبيانات العلمية إلى الأرض حتى نتمكّن من مراقبة ما تفعله المركبة، وفهم القرارات التي يتّخذها Solo، وجمع البيانات العلمية"، لكنّه أوضح أنّ "هذه المعلومات ستتدفّق باتجاهٍ واحد فقط — من المركبة إلى الأرض". وستحمل المركبة أداة "COMPASS"، وهي اختصار لـ «Compact Multi-Spectral Photometer for Space Science»، وهي أداة تابعة لوكالة ناسا (NASA) لدراسة فيزياء الشمس، وسيتولّى Solo دعم تشغيلها.
اختبار أوّلي قبل المهمّة الكبرى
قبل أن يُثبت Solo قدرته الكاملة في المدار الأرضي عبر Autonomy-1، ستخضع الخوارزمية لتجربةٍ أكثر حذراً على متن مهمّة «DeepSpace-2»، المقرَّر إطلاقها لاحقاً هذا العام على صاروخ Falcon 9 التابع لشركة SpaceX — وهو الصاروخ نفسه الذي سيحمل أيضاً مركبة الهبوط القمري الثالثة لشركة Intuitive Machines. تهدف DeepSpace-2 إلى الالتقاء بكويكبٍ قريب من الأرض، لكنّ Solo سيعمل خلالها في ما تسمّيه الشركة "وضع الظلّ" (shadow mode)، أي أنّه سيعالج البيانات ويتّخذ القرارات دون أن يُسمح له فعلياً بتنفيذها أو التحكّم في المركبة. بعبارة أخرى، ستكون DeepSpace-2 بمثابة تمرينٍ لقياس دقّة النظام قبل منحه صلاحية القيادة الكاملة في Autonomy-1.
سجلٌّ حافل بالتعثّرات قبل الطموح الجديد
لا يأتي هذا الرهان على الاستقلالية من فراغ، بل يحمل خلفيةً من التجارب غير المكتملة. تأسّست AstroForge في يناير 2022 بهدفٍ معلن هو "فتح موارد النظام الشمسي"، عبر خطةٍ تقوم على استخدام أساطيل من المركبات الفضائية لاستخراج المعادن من الكويكبات — وهي مقاربة تجعل التحكّم اليدوي في كل مركبة على حدة مُكلفاً وشاقّاً من الناحية العملية، ما يفسّر أولوية الشركة لتطوير أنظمة ذاتية التشغيل.
لكنّ مهمّتَي الشركة السابقتين لم تسيرا كما خُطِّط لهما. في أبريل 2023، وصل القمر الصناعي التجريبي «Brokkr-1» إلى المدار الأرضي، لكنّ الشركة لم تتمكّن من تفعيل تقنية التكرير التي كان يحملها. وفي فبراير 2025، انطلقت مركبة «Odin» نحو الفضاء السحيق ضمن مهمّة «IM-2» لشركة Intuitive Machines، بهدف التحليق بجانب كويكبٍ قريب من الأرض ودراسته، غير أنّ الشركة واجهت مشكلات في الاتصال بالمركبة أدّت في النهاية إلى فقدانها بالكامل.
هذا التاريخ يجعل من Autonomy-1 اختباراً مزدوجاً: ليس فقط لقدرة Solo على اتخاذ قرارات مستقلّة، بل أيضاً لقدرة AstroForge على تحويل تجارب سابقة فشلت جزئياً إلى مهمّةٍ ناجحة بالكامل.
رهانٌ موازٍ على الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام
يحمل اختيار صاروخ Nova Pathfinder بُعداً إضافياً، إذ ستكون Autonomy-1 أول إطلاقٍ مداري على الإطلاق لشركة Stoke Space، التي تعمل على تطوير صواريخ قابلة لإعادة الاستخدام بالكامل. ويرى خبراء في القطاع أنّ هذه التقنية قد تُحدث تحوّلاً جذرياً في صناعة الفضاء، وهو الاتجاه نفسه الذي تسير فيه SpaceX عبر تطوير مركبتها العملاقة القابلة لإعادة الاستخدام بالكامل «Starship». بهذا المعنى، تلتقي Autonomy-1 عند تقاطع مسارَين تقنيّين واعدَين في آنٍ واحد: الاستقلالية الكاملة للمركبات من جهة، وإعادة الاستخدام الكاملة للصواريخ من جهةٍ أخرى.
ما الذي يجب أن ننتظره؟
بين الإعلان عن Autonomy-1 وموعد إطلاقها الفعلي في أوائل 2027، تفصل سنواتٌ ستشهد أولاً اختبار Solo في "وضع الظلّ" عبر DeepSpace-2 هذا العام، ثم — إن نجحت تلك المرحلة — الانتقال إلى منحه صلاحيات القرار الكاملة في المدار الأرضي. السؤال الذي سيبقى مفتوحاً حتى ذلك الحين هو ما إذا كانت مركبةٌ بلا أوامر أرضية، تتلقّى منها الأرض المعلومات في اتجاهٍ واحد فقط، قادرة فعلاً على تجنّب مصير Odin. الإجابة، كما هي العادة في هندسة الفضاء، لن تأتي إلا من الاختبار الميداني نفسه لا من الوعود التي تسبقه. يمكن الاطّلاع على تفاصيل إضافية حول المهمّة في إعلان AstroForge الرسمي عن Autonomy-1.
أخبار ذات صلة

الأضواء القطبية تعود: طيار يوثّق منظراً مذهلاً من ارتفاع 37 ألف قدم

الصين تسعى للهيمنة على القمر: تحذيرات من رئيس ناسا السابق

كشف الفلكيون عن موجات راديوية من كوكب خارجي للمرة الأولى
