مخاطر الذكاء الاصطناعي في مواجهة القيود الحكومية
محكمة أمريكية تؤيد إدراج شركة ذكاء اصطناعي على القائمة السوداء بعد رفضها استخدام تقنيتها في المراقبة الجماعية أو الأسلحة القتالية. نزاع قانوني يطرح أسئلة أخلاقية حول دور التكنولوجيا في الأمن القومي وورلد برس عربي.

-هل يمكن أن تُعاقَب شركة تكنولوجيا لأنها رفضت أن يُستخدم منتجها في المراقبة الجماعية أو في أسلحة قتالية ذاتية التشغيل؟ هذا هو جوهر النزاع القانوني الذي حسمته محكمة استئناف أمريكية اليوم لصالح إدارة ترامب، في قرارٍ يفتح الباب أمام تصنيف شركات الذكاء الاصطناعي كـ«مخاطر على سلسلة التوريد» حتى حين لا تنطوي تصرفاتها على أي نيّة خبيثة.
أصدرت محكمة الاستئناف الأمريكية لدائرة العاصمة واشنطن (DC Circuit) اليوم حكماً بأغلبية 2 مقابل 1 يُثبّت قرار إدارة ترامب بإدراج تقنية Anthropic على القائمة السوداء. المعنى العملي للحكم مباشر: وكالات فيدرالية ومقاولون في قطاع الدفاع باتوا مخوّلين قانوناً بتجنّب منتجات الشركة، رغم أنّ المحكمة نفسها لم تجد أي دليل على سوء نية من جانب Anthropic. القضية تتعلّق تحديداً بالقيود التي وضعتها الشركة على بعض ميزات نموذجها Claude.
لماذا يُعاقَب رفض المراقبة الجماعية؟
خلفية النزاع تعود إلى مارس الماضي، حين رفعت Anthropic دعوى قضائية ضدّ إدارة ترامب بعد أن أمر الرئيس ترامب ووزير الدفاع Pete Hegseth الوكالات الفيدرالية بوقف استخدام منتجات الشركة، ومنعا مقاولي الدفاع من التعامل معها. السبب المعلن: تقييد Anthropic استخدام Claude في حرب ذاتية التشغيل قاتلة (lethal autonomous warfare) وفي المراقبة الجماعية للأمريكيين. تقول الشركة إنّ هذا التقييد أدّى إلى انتقامٍ غير قانوني بعد رفضها التراجع عنه.
المفارقة أنّ القضاء الأمريكي انقسم على نفسه. ففي الشهر الماضي، حكمت محكمة المقاطعة الفيدرالية في شمال كاليفورنيا، عبر القاضية Rita Lin التي عيّنها بايدن، بأنّ التصنيف غير قانوني، وأنّه ينتهك التعديل الأول للدستور. وقالت المحكمة صراحةً إنّ Anthropic لم تستوفِ تعريف «مخاطر سلسلة التوريد» أصلاً، ولم تتصرّف بدافع خبيث. وفي حكمها، لم تتردد القاضية Lin في وصف موقف الإدارة بعبارة لاذعة: «الاستحضار الفارغ للأمن القومي ليس شيكاً على بياض للعقاب والانتقام من منتقدي الحكومة».
معركة القوانين: البند 4713 في مواجهة البند 3252
السرّ في هذا التناقض بين حكمَي المحكمتين يكمن في القانون المستخدم. محكمة كاليفورنيا راجعت القضية بموجب البند 3252 من قانون أمن سلسلة التوريد (Supply Chain Security Act)، وهو بند يحصر تعريف «المخاطر» في أفعال «خصمٍ» (adversary) يسعى للتخريب أو إدخال وظائف غير مرغوبة أو تقويض النظام عمداً. أما محكمة الاستئناف في واشنطن فراجعت القرار بموجب بندٍ مختلف تماماً، هو البند 4713، الذي منح الكونغرس محكمة الدائرة صلاحية حصرية للنظر فيه فيما يخص إجراءات المشتريات الحكومية.
والفرق جوهري: بند 4713 لا يحصر المخاطر في «الخصوم»، بل يشمل «أي شخص» قد يُخرّب أو يُدخل وظيفة غير مرغوبة أو يستخرج بيانات أو يتلاعب بتصميم النظام أو إنتاجه أو توزيعه أو تشغيله أو صيانته أو حتى إحالته للتقاعد، «بحيث يراقب أو يمنع أو يُعطّل أو يتلاعب بأي شكلٍ آخر بوظيفة أو استخدام أو تشغيل» المنتج. الأغلبية في محكمة الاستئناف رأت أنّ كلمة «يمنع» (deny) الواردة في النص تغطي بوضوح تعطيل Anthropic لبعض ميزات Claude عن العمل في مهام حكومية.
وخلصت الأغلبية إلى: «قلق الوزير من قيام Anthropic بتعطيل Claude عن أداء إجراءات مشروعة طلبتها الوزارة يستوفي معنى ‹مخاطر سلسلة التوريد› بموجب البند 4713»، مضيفةً أنّ «الوزارة كان لديها خوف معقول من أن تتلاعب Anthropic بتصميم Claude لمنعه من أداء وظائف أمن قومي تعتبرها الوزارة مصرّحاً بها تعاقدياً وضرورية». وأوضحت المحكمة أنّ القيود التي تفرضها الشركة على Claude أوقفت فعلياً مهاماً طلبها مستخدمون حكوميون «أكثر من مرة»، وأنّ نزاعاً حديثاً نشأ حول ما إذا كانت هذه القيود التعاقدية تمنع استخدام Claude في عملية عسكرية جارية خارج الولايات المتحدة، «تاركةً الوزارة في حالة عدم يقين حول ما إذا كان Claude سيؤدي وظيفته كما هو مطلوب ومقصود».
القضاة الذين شكّلوا الأغلبية، Gregory Katsas وNeomi Rao، عيّنهما ترامب نفسه وخدما في إدارته الأولى؛ Katsas كان نائباً لمستشار الرئيس، وRao عملت في مكتب الإدارة والموازنة. ولم يُخفِ القرار حجم التوتر الأخلاقي في القضية، إذ وصفه بأنه يثير «أسئلة بالغة الصعوبة حول الاستخدامات العسكرية الملائمة لتكنولوجيا جديدة تكاد تكون قوتها لا تُصدَّق»، وأضاف: «Anthropic تثير احتمالاً مقلقاً جداً يتمثّل في أن تتوقف نماذج ذكاء اصطناعي مقيدة بإفراط بشكل غير متوقع، فتتسبب في فشل عمليات عسكرية مهمة. وتثير أيضاً احتمالاً مقلقاً بالقدر ذاته يتمثّل في أن تتخيّل نماذج ذكاء اصطناعي غير مقيدة أهدافاً غير مناسبة للقوة العسكرية القاتلة». وخلص القضاة إلى أنّ على الوزير «أن يقرر كيف يوازن بين المخاطر المتنافسة»، وأنّه «لم يتجاوز أي حدود لسلطته بموجب قانون أمن سلسلة التوريد أو الدستور»، ولذلك قرّرت المحكمة «رفض الالتماسات المقدّمة للمراجعة».
رأي مخالف: هل يكفي الرفض الصريح؟
القاضية Karen Henderson، التي عيّنها الرئيس جورج بوش الأب، خالفت زميليها بشدّة. رأت أنّ الأفعال المذكورة في البند 4713 — عند قراءتها في سياقها القانوني — «موجّهة جميعها إلى إعاقة متعمّدة أو تنصّت على ‹وظيفة أو استخدام أو تشغيل› منتج دخل سلسلة التوريد الفيدرالية»، وذكّرت بأنّ الكونغرس «سنّ هذا القانون استجابةً لدعوات من مجتمع الاستخبارات الأمريكي لتشريع يواجه تهديد ‹الدول المعادية وغيرها من الجهات الخبيثة› التي تتسلل إلى أنظمة معلومات وتكنولوجيا الحكومة الفيدرالية عبر سلاسل توريدها». وخلصت إلى أنّ ما فعلته Anthropic لا يعدو كونه «فرضاً صادقاً وواضحاً من مقاولٍ لقيودٍ على استخدام منتج مشمول، لا تحظى بموافقة الحكومة» — أي أنّ الشركة لم تُخفِ شيئاً ولم تتخفَّ في نيتها، بل أعلنت قيودها بوضوح.
هذا الرأي المخالف هو بالضبط ما يجعل القضية مهمّة لأي متابع لحقوق التكنولوجيا: الفارق بين معاقبة شركة على تخريبٍ خفي، ومعاقبتها على قرارٍ أخلاقي معلن برفض استخدام أداتها في المراقبة الجماعية أو القتل الآلي. القانون، بحسب الأغلبية، لا يفرّق بين الحالتين.
ما التالي لهذا الملف؟
من جهتها، لم تُخفِ Anthropic استياءها من الحكم. قال متحدث باسم الشركة: «نحن نختلف باحترامٍ مع قرار المحكمة»، مضيفاً: «محكمة فيدرالية أخرى حكمت بالفعل بأنّ التصنيف الموازي للحكومة غير قانوني. نبقى واثقين من موقفنا وننظر في جميع الخيارات، بما فيها المزيد من المراجعة القانونية» في إشارة إلى احتمال طلب مراجعة موسّعة (en banc) أمام هيئة الاستئناف كاملة، أو حتى التوجه إلى المحكمة العليا الأمريكية.
الملفت أنّ هذا التصعيد القضائي يأتي بعد أسابيع فقط من تصريحات وزير التجارة Howard Lutnick، الذي قال إنّ العلاقة بين الإدارة وAnthropic أصبحت «منسجمة» (in tune)، ما يوحي بأنّ التسوية السياسية كانت قريبة قبل أن يعيد القضاء فتح الملف من جديد.
ما يستحق المتابعة هنا ليس فقط مصير Anthropic في هذا النزاع تحديداً، بل السابقة التي يرسّخها القرار: محكمة الدائرة في واشنطن تملك وحدها صلاحية حصرية للنظر في قضايا البند 4713 المتعلقة بالمشتريات الحكومية، ما يعني أن أي شركة ذكاء اصطناعي أخرى تفرض قيوداً أخلاقية على استخدام تقنيتها عسكرياً أو أمنياً قد تجد نفسها أمام المعيار نفسه لا معيار النية الخبيثة، بل معيار «هل منعتَ الحكومة من فعل ما تريده؟». وهذا سؤال يتجاوز Anthropic وClaude، ليطرح نفسه على كل شركة تكنولوجيا تتعامل مع جهات حكومية وتحاول، في الوقت ذاته، أن تضع خطوطاً حمراء لاستخدام منتجها.
أخبار ذات صلة

استعد ذكريات أول رحلة مدارية لمركبة ستارشيب (Starship)

هل GPT-6 Astra فعلاً ذكاء عام؟ OpenAI تؤكد دخولنا العصر الجديد

إطلاق ستارشيب من فلوريدا: SpaceX تستعدّ للمحاولة الأولى من منصّة 39A
