هل ينجح الذكاء الاصطناعي في كشف الكذب الفدرالي الجديد
هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يطور كاشف الكذب الفدرالي ويحل مشاكله القديمة؟ مشروع Polygraph+ الأمريكي يجمع تقنيات الاستشعار عن بعد والتعلم الآلي لكنه يثير الشكوك حول دقته وأخلاقياته في مراقبة الولاء والموظفين وورلد برس عربي.

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يحلّ مشكلةً عمرها قرنٌ من الزمن، لم تحلّها كل الأجهزة والإجراءات التي سبقته؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن يطرحه أي موظفٍ فدرالي أمريكي قد يجد نفسه، في الأشهر القادمة، متصلاً بجهاز استشعار لا يلمس جسده، بينما يُطلب منه الإجابة عن أسئلة تحدّد مصيره الوظيفي. الإجابة المختصرة، بحسب الباحثين الذين تابعوا هذا الملف لعقود: لا يبدو الأمر مطمئناً.
طلبت الحكومة الأمريكية 30.3 مليون دولار على مدى خمس سنوات لتطوير برنامجٍ يحمل اسم Polygraph+، ويُعرف أيضاً بـ Polygraph Next، بهدف "تحديث تقنيات كاشف الكذب الفدرالي وتقييم المصداقية"، على حدّ تعبير وثيقة الموازنة الصادرة عن وزارة الدفاع الأمريكية، والتي تذكر أيضاً "الكشف عن التهديدات الداخلية" كهدفٍ رئيسي. الطلب لم يحصل بعد على موافقة الكونغرس، لكنه يعكس اتجاهاً واضحاً: تسليح كاشف الكذب التقليدي بخوارزميات التعلّم الآلي.
كيف يعمل الجهاز الجديد؟
الفارق الجوهري بين هذا المشروع والأجهزة التقليدية هو ما يُسمّى "الاستشعار عن بُعد" (standoff sensing)، أي قياس المؤشرات الفسيولوجية دون توصيل أي جهاز بجسد الشخص الخاضع للاختبار. بدأت هذه الفكرة عملياً عام 2023، عندما بحثت وحدة الابتكار الدفاعي الأمريكية (DIU) عن شركاتٍ تطوّر منتجات كشف الخداع، واختارت في النهاية شركتين لتطوير نماذج أولية: Presage Technologies، التي تزعم أن كاميراتها قادرة على قياس معدل ضربات القلب والتنفّس عن بُعد، وAltec Research، التي تتوسّع من مجال أجهزة الاستشعار الطبية إلى الاستشعار غير التلاصقي. النموذج الأولي الذي أطلقته DIU عن Altec كان يتتبّع حركة الرأس، وحرارة جلد الوجه، ونشاط المسامّ.
ستتولّى وكالة الأمن ومراقبة الطاعة الدفاعية (DCSA) تشغيل Polygraph+ في التحقيقات المتعلقة بفرز الموظفين والتهديدات الداخلية. الوكالة لم تردّ على طلبات الحصول على معلومات، وكذلك لم تردّ Presage Technologies وAltec Research وDIU على طلبات التعليق. حين ترفض ثلاث جهاتٍ متورطة مباشرةً في مشروعٍ حكومي التحدث عنه، من المشروع أن يتساءل القارئ عن السبب.
مناخ لا يخفى: الشكوك حول الولاء والتسريبات
هذا التوسع لا يأتي من فراغ. البنتاغون بقيادة وزير الدفاع بيت هيغسيث يستخدم كاشف الكذب بشكلٍ متزايد في التحقيقات المتعلقة بتسريبات مزعومة. في سبتمبر، خضع نحو 50 ضابطاً من هيئة الأركان المشتركة لاختبارات كاشف الكذب، بعد تقارير تحدّثت عن استنزاف مخزونات الأسلحة الأمريكية خلال الحرب مع إيران. تصف مارين أوزوالد، أستاذة القانون، هذا التوجّه بأنه "يبدو إلى حدٍّ كبير رد فعلٍ على قلق الإدارة الحالية من التسريبات وما يُنظر إليه على أنه غياب للولاء". وتضيف تحفظاً أكثر حدّة: "يُستخدم كشف الكذب كتهديد، لترهيب الناس وإجبارهم على الاعتراف بأشياء، بدلاً من أن يكون أداةً تجلب فعلاً معلومات صحيحة".
علمٌ لم يُقنع أحداً منذ الثلاثينيات
اختُرع كاشف الكذب في العشرينيات من القرن الماضي، ويقوم مبدؤه على قياس ضغط الدم والنبض والتنفس والتعرّق، ومقارنة استجابة الشخص بين أسئلة أساسية محايدة مثل "هل السماء زرقاء؟" وأسئلة مستهدفة مثل "هل ارتكبت جريمة من قبل؟". لكن هذا المبدأ نفسه محلّ شكٍّ علمي عميق منذ عقود. في عام 1983، وجد مكتب تقييم التكنولوجيا التابع للكونغرس أدلة محدودة جداً على فعالية كاشف الكذب في فرز الموظفين. وفي عام 2003، وصف المجلس القومي للبحوث الأدلة على فعالية كاشف الكذب بأنها "ضعيفة في أفضل الأحوال". ومع ذلك، تدّعي الرابطة الأمريكية لكاشف الكذب دقةً تتراوح بين 80 و94 بالمئة رقمٌ يتناقض بشدة مع تقييمات الهيئات المستقلة. للمقارنة، يستطيع الإنسان العادي، دون أي مساعدة تقنية، تحديد الكذب في أكثر بقليل من نصف الحالات فقط.
يقول كيري كوتسوغلو، أستاذ في كلية نورثمبريا للقانون، إن إضافة الذكاء الاصطناعي إلى أداةٍ غير موثوقة أصلاً لا تحلّ المشكلة بل تراكمها: "إنه مجهودٌ مضلِّل لتقليص أمرٍ معقّد إلى شيءٍ ملموس". ويصف الجمع بين كاشف الكذب والذكاء الاصطناعي بأنه "أسوأ ما في العالمين". السبب في نظره وفي نظر أوزوالد بسيط: البيانات المستخرجة من اختبارات كاشف الكذف لا تملك "حقيقة أرضية" (ground truth) موثوقة تؤكد أن النتيجة صحيحة من الأساس. تقول أوزوالد: "حتى لو كانت بحوزتك جميع سجلات اختبارات كاشف الكذب في العالم، فأنت لا تعرف إن كانت هذه الاختبارات صحيحة أم لا". بعبارة أخرى: الذكاء الاصطناعي قد يتعلّم من بياناتٍ خاطئة، ويُخرج نتائج تبدو دقيقة رياضياً لكنها بلا أساس واقعي.
حين يصبح الرقم الكبير خطراً حقيقياً
المشكلة ليست نظرية فقط. تُجري الوكالات الفدرالية الأمريكية عشرات الآلاف من اختبارات كاشف الكذب سنوياً لفرز الموظفين. وتوظّف وزارة الدفاع وحدها 2.8 مليون شخص. فحصٌ غير دقيق على هذا النطاق الواسع قد يُخطئ في اتهام عشرات الآلاف من الأشخاص زوراً. ويزداد الأمر تعقيداً لأن نتائج فاحصي كاشف الكذب المختلفين قد تتباين بشدة أمام الحالة نفسها، وأن أفراد المجموعات الأقلّ تمثيلاً أكثر عرضةً لأن يُحكم عليهم بالخداع. كما أن الأشخاص المدرَّبين يستطيعون خداع الجهاز باستخدام حيلٍ بسيطة، مثل الضغط على دبوسٍ مخفي في الحذاء لتغيير قراءات خط الأساس.
تشير سوفي فان دير زي، الباحثة في الخداع بجامعة إيراسموس في روتردام، إلى مفارقة مثيرة: "إذا كنت تعرف كيف يعمل الجهاز، تستطيع أن تتغلّب عليه". وتضيف أن الأثر الرادع لكاشف الكذب دفع الناس للاعتراف قبل الاختبار خوفاً منه "لا يعمل إلا إذا اعتقد الناس أنّ كاشف الكذب يعمل فعلاً". أي أن جزءاً كبيراً من "فعالية" هذه الأجهزة ليس علمياً بل نفسياً: مجرد الإيمان بقدرتها يكفي لدفع البعض للاعتراف، بصرف النظر عن دقتها الحقيقية. وتلخّص فان دير زي جوهر المشكلة العلمية بجملةٍ واحدة: "لا يزال أنف بينوكيو غير موجود" أي أنه لا توجد إشارة فسيولوجية عالمية وموثوقة تدلّ على الكذب.
قبرٌ طويل من المشاريع الفاشلة
Polygraph+ ليس أول محاولة لتطعيم كشف الكذب بتقنيات حديثة، وتاريخ المحاولات السابقة لا يبشّر بخير. طوّر باحثون في جامعة مانشستر متروبوليتان نظام Silent Talker في العقد الأول من الألفية، وكان يولّد درجات خداعٍ من لقطات الفيديو. أُدمج النظام لاحقاً في مشروع iBorderCtrl الممول من الاتحاد الأوروبي. وفي الولايات المتحدة، جمع مشروع AVATAR بين تتبّع حركة العين وتحليل الصوت وكشف حركة الجسد. النتيجة في الحالات الثلاثة كانت متشابهة: تراجعت هذه المشاريع بصمتٍ دون أن تحقّق نتائج موثوقة خارج المختبر. كذلك جُرِّبت الكاميرات الحرارية وأجهزة تتبّع حدقة العين ومسح الدماغ، دون أن تنتج نتائج يمكن الاعتماد عليها في الواقع.
يرى باحثون أن كشف الخداع يستهدف عملياً ثلاثة أبعادٍ مختلفة: التوتر الفسيولوجي، والحمل المعرفي، وجهود الإخفاء. لكن كاشف الكذب التقليدي، بأشكاله القديمة والجديدة، لا يعالج إلا بُعداً واحداً من الثلاثة. تقول فان دير زي إن الحل الأقرب للعلمية يكمن في الجمع بين عدة مناهج: "كلما جمعت بين أساليب متعددة تتعامل مع هذه الزوايا الثلاث المختلفة، كلما كانت أكثر نجاحاً". لكن Polygraph+، على ما يبدو من الوثائق المتاحة، لا يزال يراهن أساساً على البُعد الفسيولوجي وحده، وإن كان يستخدم كاميرات بدل الأسلاك.
الذكاء الاصطناعي قد يكتشف أنماطاً في البيانات الفسيولوجية لا يستطيع الفاحص البشري رصدها، وهذه ميزةٌ حقيقية من الناحية التقنية البحتة. لكن دون "حقيقة أرضية" تؤكد صحة النتائج، يبقى هذا الاكتشاف بلا معنى عملي أنماطٌ مثيرة رياضياً، لكنها لا تخبرنا شيئاً موثوقاً عن الكذب من الصدق. حتى لو صوّت الكونغرس بالموافقة على الـ30.3 مليون دولار، فإن السؤال الذي يطرحه كوتسوغلو وأوزوالد وفان دير زي سيبقى معلّقاً: هل نبني أداةً علمية جديدة، أم نُلبس أداةً معطوبة عمرها قرنٌ ثوباً تقنياً جديداً، لتظل تعمل بصفتها أداة ترهيبٍ نفسية أكثر من كونها وسيلة معرفةٍ موثوقة؟ بالنسبة للموظف الفدرالي الذي قد يجد نفسه أمام كاميرا Presage أو مستشعرات Altec في الأشهر القادمة، هذا السؤال ليس أكاديمياً على الإطلاق.
أخبار ذات صلة

استعد ذكريات أول رحلة مدارية لمركبة ستارشيب (Starship)

هل GPT-6 Astra فعلاً ذكاء عام؟ OpenAI تؤكد دخولنا العصر الجديد

إطلاق ستارشيب من فلوريدا: SpaceX تستعدّ للمحاولة الأولى من منصّة 39A
