الذكاء الاصطناعي يفتح آفاق جديدة في هندسة الجينات
ذكاء اصطناعي يكتشف نظام إنزيمي جديد يشبه تقنية كريسبر في جينات الفيروسات البكتيرية واعدة لعلاج الأمراض لكن تحمل مخاطر إساءة الاستخدام في الإرهاب البيولوجي وورلد برس عربي يكشف تفاصيل هذا التوازن الحذر بين العلم والتحديات الأمنية.

يبدو أنّ الذكاء الاصطناعي بدأ يطرق أبواب المختبرات البيولوجية من زاويةٍ لم تكن متوقّعة: لم يعُد الأمر مقتصراً على تحليل البيانات أو التنبؤ بالبروتينات، بل امتدّ إلى اقتراح أنظمةٍ جزيئية جديدة كلياً قد يُعاد توظيفها لاحقاً في هندسة الجينات. هذا الأسبوع أعلنت شركة Anthropic أنّ نموذجها Claude تعرّف على نظامٍ إنزيمي غير معروف سابقاً داخل الحمض النووي لبكتيريوفاج فيروسات تصيب البكتيريا وتتكاثر داخلها وأنّ لهذا النظام خصائص «تذكّر بـCRISPR»، التقنية التي تحوّلت من آلية دفاعٍ بكتيرية طبيعية ضدّ الفيروسات إلى أداة تحرير جينات يعتمد عليها الباحثون حول العالم.
الخبر مثيرٌ من حيث المبدأ، لكن التدقيق فيه يكشف صورةً أكثر تعقيداً: اكتشافٌ حاسوبيّ يحتاج إلى تحقّقٍ ميداني، ومختبرٌ بشري يعمل تحت سقفٍ آمن، وشركةٌ تُقرّ في الوقت نفسه بأنّ التقنية ذاتها تحمل احتمالات إساءة استخدامٍ خطيرة.
كيف عمل Claude، وماذا وجد فعلياً؟
بحسب ما نشرته Anthropic في إعلانها الرسمي، استخدم Claude نحو 950 وكيلاً (agents) للبحث في البيانات الجينية، عالجت هذه الوكلاء نحو 210 مليون رمز نصّي (tokens) على مدى 21 ساعة من الجهد البحثي المركّز، قبل أن يخلص النموذج إلى وجود «نظام» (system) قادر على «إجراء عمليات كالقصّ والنسخ واللصق للحمض النووي»، على حدّ وصف باحثي الشركة.
الرئيس التنفيذي لـAnthropic، داريو أموداي (Dario Amodei)، وصف الاكتشاف في منشورٍ له بأنّه تمّ «بمعظمه، لكن ليس بالكامل، عبر Claude»، وهي عبارةٌ تستحقّ التوقّف عندها لأنّها تضع حدوداً واقعية لما يمكن أن يُنسب إلى الآلة وما يبقى من عمل الباحثين البشر. كما أشار أموداي إلى أنّ فريقاً من جامعة Stanford كان قد توصّل سابقاً إلى نظامٍ «يشبه من بعض النواحي ما اكتشفه Claude»، في إشارةٍ صريحة إلى أنّ هذا الاكتشاف ليس معزولاً عن مسارٍ بحثي أوسع يشارك فيه بشر وآلات معاً.
هنا يكمن جوهر التحفّظ العلمي الذي ينبغي أن يرافق أيّ خبرٍ من هذا النوع: النتيجة لم تُنشر بعد في مجلّةٍ محكّمة مستقلّة، والجهة التي أعلنتها هي الشركة المطوِّرة للنموذج نفسه. صحّة الاكتشاف وأهمّيته الفعلية يجب أن يقرّرهما المجتمع العلمي الأوسع، لا بيانٌ صحفي من طرفٍ واحد، مهما بدا واعداً.
مختبرٌ حقيقي، لكن بحدودٍ صارمة
المختبر الذي أُجريت فيه التجارب الفعلية موجودٌ في منطقة خليج سان فرانسيسكو (Bay Area)، وقد أسّسته Anthropic في ربيع هذا العام، رغم أنّ الشركة أكّدت وجوده رسمياً الأسبوع الماضي فقط، ورفضت تحديد المدّة الزمنية لتشغيله بالأشهر. تصف Anthropic منشأتها بعباراتٍ واضحة:
«مختبرنا، الموجود في منطقة الخليج، يشبه مختبر بيولوجيا جزيئية عادياً. نجري أبحاثاً تقتصر على المستويين الأدنى من مستويات الأمان الحيوي (BSL-1 وBSL-2)، ولا نتعامل مع مسبّبات أمراض قادرة على إصابة الإنسان. كلّ العمل المخبري يقوم به علماء بشر.»
هذا التوصيف مهمّ لأيّ قارئٍ يتابع الشأن الصحي: مستويا BSL-1 وBSL-2 يمثّلان أدنى درجات الخطورة في تصنيف السلامة الحيوية، وهما بعيدان تماماً عن المختبرات التي تتعامل مع مسبّبات أمراضٍ معدية خطيرة. بعبارةٍ أخرى الجزء «الخطر» من العملية التجريب الفعلي على الجزيئات بقي بالكامل في يد البشر، بينما اقتصر دور الآلة على التحليل والاقتراح.
بين وعدٍ بعلاج الأمراض ومخاوف من إرهابٍ بيولوجي
أموداي نفسه لا يُخفي ازدواجية هذه التقنية. فمن جهة، يتوقّع أن يساهم الذكاء الاصطناعي في «علاج معظم الأمراض خلال 5 إلى 10 سنوات» وهو تصريحٌ طموح ينبغي التعامل معه كتوقّعٍ إداري لا كإجماعٍ طبّي، إذ لا يستند إلى دراسةٍ سريرية بل إلى رؤية الرئيس التنفيذي لشركةٍ تقنية. ومن جهة أخرى، يُقرّ أموداي علناً بمخاوفه من استخدام الذكاء الاصطناعي في الإرهاب البيولوجي، وهو تحذيرٌ يتقاطع مع ما أثاره اثنان من موظفي Anthropic هذا الشهر عندما حذّرا علناً من أنّ «هناك خطراً في أن يقضي الذكاء الاصطناعي علينا جميعاً»، بحسب منشورٍ نُسب إلى EvanHub.
هذا التوتّر بين الوعد والخطر ليس حصرياً على Anthropic. فالبحث البيولوجي المدعوم بالذكاء الاصطناعي يتوسّع في أكثر من جهة: باحثون في Stanford نشروا عملاً يربط النماذج اللغوية الكبيرة بتقنية CRISPR، وباحثون في جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو استخدموا الذكاء الاصطناعي لتصميم إنزيمات جديدة من الصفر، فيما تعود بدايات هذا المسار إلى عام 2020 حين أطلقت Google أداتها AlphaFold، أول أداة بحثية بيولوجية مدعومة بالذكاء الاصطناعي من نوعها.
أين يقف الخطّ الفاصل اليوم؟
Anthropic تؤكّد أنّ Claude لا يُجري تجارب بشكلٍ مستقلّ في الوقت الراهن، لكنّ أموداي لم يستبعد مستقبلاً مختلفاً تماماً، إذ قال إنّه «قد يصبح ممكناً في نهاية المطاف أن يقوم Claude نفسه بإجراء التجارب بأمان من خلال التحكّم الذاتي بمعدات المختبر، مع وجود ضمانات مناسبة، لكننا لا نفعل ذلك اليوم». هذه الجملة تلخّص بدقّة موقع الصناعة الآن: الباب مفتوحٌ نظرياً أمام مختبراتٍ آلية بالكامل، لكنّ الممارسة الحالية ما تزال تُبقي القرار والتنفيذ الفيزيائي بيد الإنسان.
وقد اعترف عددٌ من رؤساء شركات الذكاء الاصطناعي، ومنهم أموداي، مؤخراً بأنّ النماذج باتت أكثر قدرة، وبالتالي أكثر احتمالاً للخطورة، داعين إلى تطوير إجراءات اختبارٍ أماني حتى لو تطلّب ذلك إبطاء وتيرة التطوير. هذا الإقرار، القادم من داخل الصناعة نفسها لا من منتقديها، هو ما يمنح النقاش حول الرقابة على الأبحاث البيولوجية المدعومة بالذكاء الاصطناعي طابعاً عملياً وملحّاً، بعيداً عن الطابع النظري الذي كان يُلازم هذه المخاوف قبل سنوات قليلة فقط.
ما يستحقّ المتابعة في الأشهر المقبلة ليس فقط ما إذا كان النظام الإنزيمي الذي اكتشفه Claude سيصمد أمام التحقّق العلمي المستقلّ، بل أيضاً كيف ستُرسَم الحدود التنظيمية بين البحث المفيد الذي يُسرّع اكتشاف علاجات، والمخاطر التي تحدّث عنها موظفو الشركة نفسها قبل أن تتحدّث عنها أيّ جهةٍ خارجية.
أخبار ذات صلة

رئيس ناسا يحذّر من احتمال حرمان الصين للوصول إلى أجزاء من القطب الجنوبي

جهاز Mac Studio بمعالج M5 Ultra باهظ الثمن من Apple

صاروخ Starship العملاق يستعدّ للإطلاق المداري الأول
