اكتشاف نادر لكواكب عملاقة في طور التكوين
اكتشاف نادر من شبكة ألما يظهر كوكبين غازيين في طور التكوين حول نجم ثنائي فتّي مع أدلة واضحة على تراكم المادة وتفاعل الغاز. رصد فريد يعيد تشكيل فهمنا لولادة الكواكب العملاقة في الفضاء وورلد برس عربي.

عندما ينظر الفلكيون إلى السماء بحثاً عن كواكب لا تزال قيد التشكّل، فإن ما يعثرون عليه غالباً أدلة متناثرة: قرصٌ من الغاز والغبار هنا، أثرُ تراكمٍ للمادة هناك، لكن نادراً ما تجتمع كل العناصر في مشهدٍ واحد. هذا بالضبط ما حدث حول النجم الثنائي الفتيّ WISPIT 2، حيث التقطت شبكة التلسكوبات الراديوية ألما (ALMA) صوراً غير مسبوقة لكوكبين غازيين ما زالا في طور التكوّن، وكشفت في آنٍ واحد عن القرص المحيط بهما، والكوكبين أنفسهما، وأدلة على تراكم المادة عليهما، بل وتفاعل الغاز معهما مباشرة. هذا الاجتماع النادر لكل هذه العلامات في مشهدٍ واحد هو ما يجعل الرصد الجديد استثنائياً في تاريخ دراسة تشكّل الكواكب.
ما الذي التقطته عدسات ألما؟
يقع نظام WISPIT 2 على بعد نحو 437 سنة ضوئية عن الأرض، ويُقدَّر عمره بحوالي 5.4 مليون سنة فقط، وهو عمر لا يُذكَر مقارنةً بالشمس البالغة 4.6 مليار سنة أي أن هذا النظام لا يزال في مرحلة الطفولة الكونية مقابل شمسٍ توصف بأنها في منتصف عمرها.
حول هذا النجم الفتيّ، رصد الفريق كوكبين: الأول هو WISPIT 2b، وهو عملاق غازي تبلغ كتلته 5 أضعاف كتلة كوكب المشتري، نجح أثناء دورانه في نحت قناة وفجوة كاملة داخل القرص الكوكبي الأولي المحيط به وهو يجمع المادة من حوله. أما الثاني، WISPIT 2c، فهو أقل تطوراً من شقيقه، لكنه بدوره ترك بصمته على القرص عبر حفر تجويفٍ فيه.
تصف مريم بنيستي، عضو فريق البحث في قسم تشكّل الكواكب والكواكب الخارجية (PFE) بمعهد ماكس بلانك في ألمانيا، هذا المشهد بوضوح: «نرى بوضوح كيف يُشكّل الكوكبان بيئتيهما. فقد نحت WISPIT 2c تجويفاً، بينما نحت WISPIT 2b فجوة».
لماذا هذا الرصد مختلف عن كل ما سبق؟
اللافت في بيانات ألما ليس فقط رؤية الكوكبين، بل رصد دوامات من الغاز تتلوّى حول WISPIT 2b وهي ظاهرة كانت النماذج الحاسوبية لتفاعلات القرص مع الكوكب قد تنبأت بها منذ سنوات، لكنها لم تُرصَد فعلياً من قبل. تقول بنيستي: «حول WISPIT 2b، وجدنا دوامات من الغاز كانت محاكاة تفاعلات القرص مع الكوكب قد تنبأت بها، لكنها لم تُرصَد فعلياً من قبل. الآن أصبحت هناك صورة لها!».
ما يمنح هذا الرصد قيمته العلمية هو اجتماع أربعة عناصر دفعة واحدة: القرص، والكوكب، ودليل التراكم، وتفاعل الغاز المباشر مع الكوكب. عناصر مشابهة سبق رصدها حول نجوم فتية أخرى، أبرزها نظام PDS 70، لكنها لم تُشاهَد مجتمعة من قبل بهذا الوضوح. هذا ما يجعل بيانات WISPIT 2 أقرب إلى "صورة كاملة" لعملية تشكّل الكواكب الغازية وهي تحدث فعلياً، لا مجرد لقطات متفرقة تُجمَّع لاحقاً في نموذج نظري.
يضيف ستيفانو فاكّيني، قائد الفريق البحثي من جامعة ميلانو: «نأمل أن تعلّم رصدياتٌ كهذه علماء الفلك التمييز بين سمات القرص التي تدل على وجود كوكبٍ أوّلي، وتلك التي لا تدل عليه».
رقمٌ آخر يستحق التوقف عنده: يتراكم WISPIT 2b مادةً على مسافة تبلغ 57 ضعف المسافة بين الأرض والشمس، وهي مسافة تقارب ضعف المسافة الفاصلة بين نبتون والشمس في نظامنا الشمسي. هذا يجعل مدار WISPIT 2b أوسع من مدار أي كوكب خارجي آخر معروف تقريباً حتى الآن وهو ما يطرح سؤالاً علمياً مفتوحاً حول كيفية تشكّل عمالقة غازية على مسافات بعيدة جداً عن نجومها الأم.
تجدر الإشارة هنا إلى أن نتائج هذا الرصد نُشرت في ورقتين بحثيتين على منصة arXiv، وهي منصة لنشر الأبحاث الأولية قبل خضوعها لمراجعة الأقران في الدوريات العلمية المحكّمة تفصيلٌ مهم لأي قارئ يتابع مسار تحوّل هذه النتائج من رصدٍ أولي إلى إجماع علمي موثّق.
ماذا بعد؟
شبكة ألما (Atacama Large Millimeter/submillimeter Array) تتكوّن من 66 هوائياً راديوياً منتشرة في صحراء أتاكاما بشمال تشيلي، وهي المنطقة ذاتها التي يُبنى فيها حالياً التلسكوب العملاق للغاية (Extremely Large Telescope)، والذي يُتوقع أن يوفر مع ترقيات مرتقبة لألما رؤية أكثر تفصيلاً لنظام WISPIT 2 ولأنظمة مشابهة قيد التشكّل.
يرى الفريق البحثي أن أساليب الرصد التي استُخدمت هنا قد تصبح أساسية لدراسات الجيل القادم من التلسكوبات حول أنظمة كوكبية ناشئة أخرى في مجرتنا. فبينما ظل تشكّل الكواكب الغازية العملاقة لعقود مسألة نموذجية تُستنبط من المحاكاة الحاسوبية أكثر مما تُرصد مباشرة، يبدو أن الأدوات الرصدية بدأت أخيراً تلحق بالنظرية وقد يكون WISPIT 2 مجرد بداية لسلسلة رصدياتٍ تعيد ترتيب فهمنا لكيفية ولادة الكواكب.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
