نظام جديد لغرسات طبية تتواصل عبر نسيج الجسم بكفاءة عالية
طور فريق بحثي نظام SWANS يتيح لغرسات طبية التواصل داخل الجسم عبر نسيج الجلد دون موجات راديو أو استنزاف بطارية سريع. التقنية تقلل حجم الغرسات وتحسن عمر البطارية بكفاءة عالية لتطوير علاجات ذكية ومريحة أكثر وورلد برس عربي.

هل يمكن لغرسةٍ طبية مزروعة تحت الجلد أن "تتحدّث" إلى غرسةٍ أخرى في مكانٍ مختلف من الجسم، دون هوائي، ودون أن تستنزف بطاريتها خلال أشهر قليلة؟ هذا هو السؤال العملي الذي انطلق منه فريق بحثي في جامعة جورجيا للتكنولوجيا (Georgia Tech)، فطوّر نظاماً أطلق عليه اسم SWANS، يستغني كليّاً عن موجات الراديو، ويستخدم بدلاً منها نسيج الجسم نفسه كوسيطٍ لنقل الإشارة بين غرسةٍ وأخرى. الفكرة اختُبرت في قطع لحمٍ ثم في جرذانٍ حيّة، ونُشرت نتائجها في مجلة Science عام 2026 (المعرّف الرقمي: 10.1126/science.adz5300).
اليوم، تعمل معظم الغرسات الطبية من منظّمات ضربات القلب إلى مضخّات الإنسولين بشكلٍ مستقلّ عن بعضها. وحين تحتاج إلى التواصل مع جهازٍ خارجي أو غرسةٍ أخرى، يُستخدم غالباً بروتوكول Bluetooth Low Energy أو تقنية الاتصال قريب المدى (NFC). المشكلة أنّ هذين الخيارين لم يُصمَّما أصلاً للعمل داخل الجسم البشري.
لماذا يتعطّل البلوتوث داخل اللحم؟
بحسب الدراسة، يمكن لمكوّنات البلوتوث، عند تفعيلها، أن تقلّص عمر بطارية الغرسة بنسبة تصل إلى 90%. والأسوأ أنّ إشارات الراديو بين غرستين تتعرّض لتوهينٍ حادّ بمجرد أن تقطع الإشارة أكثر من سنتيمتر واحد داخل الأنسجة. يقول أليكس أبرامسون، المهندس في جورجيا للتكنولوجيا والمشارك في إعداد الدراسة: "إذا أردت أن تبقى الغرسة في حالة نشاطٍ تستجيب خلالها خلال أجزاء من الثانية، يصعب جداً تحقيق ذلك بنظام البلوتوث". ويضيف: "البلوتوث والاتصال قريب المدى يتوهّنان كثيراً داخل الأنسجة".
هناك أيضاً قيدٌ فيزيائي: مكوّنات البلوتوث التجارية تتطلّب أجهزةً بعرض 5 مليمترات على الأقلّ. وهذا فارقٌ عملي مهمّ للمريض، لأنّ الغرسات الأرقّ من 3 مليمترات يمكن حقنها بحقنةٍ عادية في عيادةٍ خارجية، بينما تحتاج الغرسات الأكبر عادةً إلى تدخّلٍ جراحي.
كيف "يتكلّم" النظام عبر اللحم بدل الأثير؟
استوحى الفريق فكرة SWANS من طريقة عمل الجهاز العصبي نفسه. يشرح أبرامسون: "يستطيع الجهاز العصبي أن يستقبل مدخلاتٍ كثيرة من كل أنحاء الجسم، ويجمع كل تلك البيانات، ويتّخذ قراراً محدّداً. ونظامنا يحاكي ذلك"، ثم يوضّح الفارق الجوهري: "لكن بدلاً من استخدام الأعصاب، نستخدم نسيج الجسم العادي لإرسال تلك الإشارات". فالخلايا العصبية تتواصل أصلاً عبر حركة أيونات الصوديوم والبوتاسيوم عبر الأغشية، ما يخلق فروقاً في الجهد الكهربائي وهذا تحديداً ما يستغلّه SWANS، وإن كان بطريقةٍ مختلفة.
يعمل النظام عبر جهازٍ يُلبَس على الجسم يُصدر نبضاتٍ كهربائية بجهدٍ يصل إلى 12 فولطاً، تمرّ عبر لاصقةٍ من إبرٍ دقيقة (microneedles) من الفولاذ المقاوم للصدأ، تخترق الطبقة الخارجية للجلد ضعيفة التوصيل الكهربائي. وكما يقول أبرامسون: "أنشأنا كل الذكاء داخل الجهاز اللابس نفسه" أي أنّ الحوسبة والقرار يبقيان في الجهاز الخارجي، الذي يملك مساحةً وطاقة بطارية أكبر بكثير من أي غرسةٍ صغيرة.
حين تُصدر النبضة، ينتشر مجالٌ كهربائي في كل الاتجاهات داخل الأنسجة، فتستقبله كل الغرسات الموجودة ضمن مداه. لكن الاستجابة انتقائية: فقط الغرسات التي تُضبط عتباتها لتطابق جهد النبضة هي من يستجيب. تحقيق هذه الانتقائية يعتمد على مقاوماتٍ كهربائية ترفع الجهد اللازم لتفعيل مفتاح ترانزستور الغرسة، ومكثّفاتٍ تتطلّب أن تدوم النبضة فترةً كافية لشحنها وكلا العنصرين يُضبط بدقّة حسب جسم المريض وموقع الغرسة.
كل غرسة قابلة للحقن بالحقنة تضمّ لوحتَي استقبال، ومفتاح ترانزستور، وبطارية، وحسّاساً أو مُشغّلاً (actuator) وقد يكون هذا المُشغّل محفّزاً عصبياً. والميزة الأهمّ أنّ هذه الغرسات "السلبية" تستهلك طاقةً تكاد تكون معدومة وهي في وضع الاستماع، ما يُطيل عمر البطارية أكثر من 15 مرة مقارنةً بأنظمة البلوتوث أو NFC. والغرسة الكاملة، مع بطاريتها، لا يتجاوز حجمها 3 في 1.1 في 17 مليمتراً، وتمرّ عبر إبرةٍ من عيار 6.
ماذا كشفت التجارب على اللحم والجرذان؟
اختبر الفريق النظام أولاً في صدور دجاج، ثم في بطون، وفي جرذانٍ حيّة. يصف أبرامسون : "في الجرذان، فقد وصلت الإشارات إلى غرساتٍ تحت الجلد، وفي التجويف البطني، وفي المعدة. في إحدى التجارب اللافتة، وُضع الجهاز اللابس على معدة الجرذ، فأثار استجابةً في غرسةٍ موجودة على ظهره".
ويقول أبرامسون: "وضعنا جهازنا اللابس على معدة الجرذ، واستطعنا تحقيق تفعيلٍ في ظهر الجرذ".
في تجربةٍ أخرى، رصدت حسّاسات إجهادٍ على الطرفين الأماميين للجرذ حركة الطرف الأيسر أو الأيمن تحديداً، ثم أُرسلت نبضاتٌ مخصّصة لكل طرفٍ لتصل إلى الغرسة المقابلة في الطرف الخلفي، فحفّزت العصب الوركي وجعلت الساق ترتعش. وفي تجربةٍ ثالثة، لم تُرسل غرسةٌ حسّاسة لدرجة الحرارة إشارةً إلى غرسةٍ ثانية إلا حين تجاوزت الحرارة 40 درجة مئوية (104 فهرنهايت). ويوضّح أبرامسون سبب هذا التقشّف في نقل البيانات: "لا نريد إرسال كمياتٍ كبيرة من البيانات باستخدام أجهزتنا، لأننا نريد إنشاء أنظمة بالغة الصغر وبالغة انخفاض استهلاك الطاقة" ما يعني أنّ SWANS صُمِّم لنقل معلوماتٍ مفتاحية محدودة، كقراءة حرارة، لا لنقل بياناتٍ ضخمة.
هل هذا آمن على الجسم؟
الجهود والنبضات المستخدمة في SWANS ليست غريبة عن الطب فعلياً؛ فمنظّمات ضربات القلب والمحفّزات العصبية تستخدم أصلاً جهوداً ومدد نبضاتٍ مشابهة. في دراسةٍ استمرّت شهرين على الجرذان، وجد الباحثون نسيجاً ندبياً بسماكةٍ تصل إلى مليمترٍ واحد حول الغرسات ! وهي نتيجة توقّعوها وتعاملوا معها عبر رفع الجهد ضمن حدودٍ آمنة للحفاظ على التواصل رغم تكوّن الندبة. والأهمّ أنّ النبضات لم تحفّز أعصاباً أخرى غير العصب المستهدف، ولم تُحدث أي تغييرٍ في النشاط الكهربائي للقلب، كما أنّ الغرسات المكهربة لم تسبّب موتاً خلوياً أو إجهاداً تأكسدياً أكبر ممّا تسبّبه الإبر والغرسات غير المكهربة.
...لكن الطريق ما زال طويلاً قبل التجربة البشرية
بحسب الدراسة، لم يُختبر SWANS بعد على البشر، كما لم يُختبر رسمياً على حيواناتٍ كبيرة. ومع ذلك، أشار أبرامسون إلى أنّ دراساتٍ أوّلية على حيواناتٍ كبيرة أعطت نتائج واعدة. هذا التحفّظ مهم لأي قارئ يتحمّس لفكرة "شبكة غرسات" متكاملة: فما زلنا بعيدين عن أي استخدامٍ سريري فعلي.
للمقارنة، توجد بالفعل تقنيةٌ معتمدة من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) تُدعى Abilify MyCite، وهي حبّةٌ تستخدم التوصيل الأيوني لإخبار لاصقةٍ جلدية بأنها ابتُلعت لكنها تربط جهازين فقط لا شبكة كاملة. وهنا يكمن الفارق الذي يراهن عليه فريق SWANS: يقول أبرامسون إنّ مضخّات إيصال الدواء والمحفّزات العصبية "منفصلتان تماماً حالياً"، ولا يمكن حالياً ربط مضخّة دواءٍ بمحفّزٍ عصبي لتحقيق علاجاتٍ مركّبة وهو ما قد يفيد حالاتٍ مثل الصرع عبر إيصال دواءٍ موقّت مرتبط بإشارةٍ عصبية، بحسب أبرامسون.
يصف أبرامسون الطموح الأبعد قائلاً: "هذا البروتوكول الجديد للتواصل يمكن توصيله بأي من تلك الأنظمة السابقة"، مضيفاً: "لأنه محايدٌ تماماً تجاه الحسّاس أو المُشغّل الذي نستخدمه، سنكون قادرين على إنشاء هذه الشبكة الكاملة من العلاجات داخل الجسم". لكن حتى أصحاب النظام أنفسهم يصفونه بأنه ليس نظام اتصالٍ شامل لكل ما هو داخل الجسم، بل أداةٌ مصمَّمة لنقل كمياتٍ صغيرة من المعلومات المفتاحية. السؤال الذي يبقى مفتوحاً إذن ليس تقنياً فحسب، بل عملياً: متى وهل أصلاً ستصل هذه الفكرة إلى غرفة عيادةٍ حقيقية، بدل بطون وأجسام الجرذان؟.
أخبار ذات صلة

من المسؤول حين يخرج وكيل ذكاء اصطناعي عن السيطرة؟

الذكاء الاصطناعي يخفّض ميزانيات الأفلام بنسبة 40%: مخرج «The Outlaws» يحذّر من فقدان اللمسة الإنسانية

العلماء يطورون ميكروباً لمساعدة الإنسان على استيطان المريخ
