البندقية بين جمال المياه وتهديد الغرق المستمر
صورة فضائية تكشف جمال هشاشة البندقية بين المياه التي تحيط بها وغرقها التدريجي بفعل تغير المناخ وارتفاع مستوى البحار، ما يهدد مستقبل المدينة العريقة وتوازن بيئتها المائية في مواجهة تحديات بيئية حاسمة وورلد برس عربي.

من ارتفاع مئات الكيلومترات، تبدو مدينة البندقية الإيطالية كأنّها لوحة مائية تتقاطع فيها الجزر مع خطوط القنوات الزرقاء. هذه هي الصورة التي التقطتها منظومة الأقمار الصناعية IRIDE التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية (European Space Agency) في مايو من هذا العام، وهي صورة بالألوان الحقيقية تُظهر المدينة وبحيرتها الساحلية (اللاغون) بتفاصيل لافتة. لكنّ ما تكشفه هذه الصورة لا يقف عند الجمال البصري؛ فهي في الوقت نفسه توثيقٌ علمي لعلاقةٍ معقّدة بين مدينة عريقة ومياه لا تكفّ عن التمدّد.
ماذا تُظهر الصورة بالضبط؟
البندقية مدينة ساحلية تتكوّن من مجموعة من الجزر، تنتشر فيها شبكة من القنوات يتقدّمها القناة الكبير الشهير، حيث يدفع "الغوندوليير" قواربه التقليدية عبر الممرّات المائية الضيّقة. في الصورة الملتقطة عبر الأقمار الصناعية، تتشابك انحناءات المدينة مع المياه المحيطة بها بشكلٍ يوضّح إلى أيّ درجة تعتمد البندقية وجودها على هذا التوازن المائي الدقيق.
الصورة تُظهر أيضاً بحيرة البندقية (Venetian Lagoon)، وهي خليج تابع للبحر الأدرياتيكي يحيط بالمدينة من كل جانب. اللون الأزرق الفاتح الذي يميّز مياه البحيرة في الصورة ليس مجرّد تأثير بصري، بل ناتج عن الرواسب العالقة في المياه. أمّا في الجزء العلوي الأيمن من الصورة، فتظهر السهول الطينية والمستنقعات المالحة بألوانٍ بنّية وخضراء داكنة، وهي مناطق حيوية تدعم أنظمة بيئية مائية تعيش فيها الطيور وأنواع أخرى من الحياة البرّية إلى جانب السكان المحليين.
من الناحية التقنية، تنتمي هذه الصورة إلى شبكة IRIDE، التي تتكوّن من ست مجموعات من الأقمار الصناعية تدور حول الأرض وتجمع بيانات وصوراً شاملة عن سطح الكوكب، ضمن برنامج تابع لوكالة الفضاء الأوروبية.
لماذا تُعدّ البندقية من أكثر المدن هشاشةً أمام تغيّر المناخ؟
هنا يتحوّل المشهد من الجمال الطبوغرافي إلى قلق بيئي حقيقي. البندقية معروفة عالمياً بأنّها مدينة "غارقة" ببطء؛ فهي "تغرق" فعلياً بمعدّل يقارب 2 ملم سنوياً، أي ما يعادل نحو 1/16 من الإنش. هذا الانخفاض التدريجي في مستوى المدينة يتقاطع مع ظاهرة أخرى أكثر خطورة على المستوى العالمي، وهي ارتفاع مستوى سطح البحر الناتج عن تغيّر المناخ.
اجتماع هذين العاملين غرق المدينة تدريجياً من جهة، وارتفاع منسوب المياه من جهة أخرى يجعل البندقية من بين أكثر المدن الساحلية عرضةً للخطر في العالم. سكّان المدينة يجدون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع نتائج هذا التغيّر المناخي، في وقتٍ تبقى فيه الأنظمة البيئية المائية المحيطة بالمدينة، من مستنقعات مالحة وسهول طينية، جزءاً لا يتجزّأ من التوازن الذي يحمي المدينة ومن يعيش فيها.
ماذا يمكن أن تخبرنا الصور القادمة؟
الصورة التي التُقطت في مايو الماضي ليست سوى لقطة واحدة في سلسلة رصدٍ متواصلة تعتمد عليها الجهات العلمية لتتبّع التغيّرات البيئية على المدى الطويل. فمراقبة مدن مثل البندقية من الفضاء تسمح بقياس التغيّرات في مستوى المياه والرواسب والمساحات الطينية بدقّة لا تتوفّر عبر الملاحظة الأرضية وحدها.
السؤال الذي يبقى مفتوحاً هو كيفية تعامل السلطات المحلية والدولية مع هذا المعدّل التراكمي للغرق، في ظل استمرار ارتفاع مستوى سطح البحر عالمياً. فبينما تبقى الصور الفضائية أداةً لرصد الحاضر، فإنّ مصير مدينة بُنيت على المياه منذ قرون سيظلّ مرتبطاً بمدى جدّية الاستجابة لتغيّر المناخ في العقود المقبلة.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
