سينما فانكوفر الجديدة تحكي قصص المكان والهوية
تسلط المقالة الضوء على تحول السينما في فانكوفر من مجرد خلفية لأفلام هوليوودية إلى منصة تحكي قصص السكان الأصليين والمجتمعات المحلية عبر أفلام مستقلة تعكس هويتها وتاريخها في وورلد برس عربي.

-في مشهدٍ من فيلم "Seventeen"، تتقاطع حيوات ثلاث نساء من السكان الأصليين يعملن في وسط حيّ Downtown Eastside في فانكوفر. الكاميرا لا تتعامل مع الحيّ كخلفيةٍ عابرة، بل كمكانٍ له ذاكرته وقسوته ودفء غير متوقَّع. هذا الفيلم، من إخراج Justin Ducharme وإنتاج شركة Experimental Forest Films، عُرض لأول مرة في مهرجان TIFF، قبل أن يُختار لاحقاً ضمن برنامج Northern Lights في مهرجان فانكوفر السينمائي الدولي (VIFF). وهو، في جوهره، نموذجٌ لتحوّلٍ أوسع يشهده المشهد السينمائي المستقل في المدينة.
لسنواتٍ طويلة، كانت فانكوفر "تمثّل" مدناً أخرى على الشاشة الكبيرة؛ سياتل تارة، نيويورك تارة أخرى، أو أي مدينةٍ أمريكية عامة لا ملامح محدّدة لها. جذبت الإنتاجات الهوليوودية إلى المدينة طبيعتُها الخلّابة، والحوافز الضريبية، وسعر الصرف المناسب. لكن خلف هذه الواجهة الخدمية الضخمة، كانت تنمو حكاياتٌ أخرى، أكثر التصاقاً بالمكان نفسه.
حين يتحوّل المكان من خلفيةٍ إلى بطل
تايلر هاغان (Tyler Hagan)، الذي أسّس Experimental Forest Films مع المخرجة كاثلين هيبورن (Kathleen Hepburn) بعد تخرّجهما من كلية السينما، يصف فيلم "Seventeen" بأنه "رسالة حبٍّ مشوبة بالكراهية إلى فانكوفر". ويضيف موضّحاً نيّة المخرج: "منذ اليوم الأول، كان دوشارم يقول دائماً إن هذا الفيلم أشبه برسالة حبٍّ إلى العائلة المُختارة، وإلى الروابط التي تولد من التهجير والحاجة". ويصف فانكوفر في هذا السياق بأنها "أكثر مدن البلاد اعتدالاً في المناخ، وهي حيث ينتهي المطاف بكثيرين حين لا يجدون مكاناً آخر يذهبون إليه".
هاغان نفسه من أصول ميتيس (Métis)، ودخل عالم صناعة الأفلام عبر مجتمع السينما الخاص بالسكان الأصليين في كندا، كما يقول. هذه الخلفية لم تكن تفصيلاً عابراً في مسيرته، بل أثّرت في نظرته إلى بريتيش كولومبيا ككنزٍ من الحكايات غير المُستثمرة: "هناك العديد من المجتمعات ووجهات النظر المحدّدة والمثيرة للاهتمام، ومناظر طبيعية جميلة ودراماتيكية في جميع أنحاء المقاطعة. هناك الكثير من الفرص لسرد القصص والمواهب الموجودة هنا". ويلخّص فلسفة شركته بقوله: "هذا كان جزءاً من مهمّتنا أيضاً... أن نستلهم من المكان الذي أتينا منه، وأن نروي قصصاً متجذّرة هنا فعلاً".
المسار الذي بدأه هاغان وهيبورن بعد التخرّج من فيلمٍ قصير عُرض في TIFF، إلى "Never Steady, Never Still" ثم "When the World Broke Open" أفضى، بعد عقدٍ من الزمن، إلى حصيلةٍ لافتة: ثمانية من أصل عشرة أفلام أنتجتها الشركة كانت أفلاماً روائية أولى لمخرجين، ومعظم هذه الأفلام أُخرِج من قِبَل صنّاع أفلام مقيمين في بريتيش كولومبيا، وجرت أحداثها في المقاطعة نفسها.
جزيرة لم ترها السينما من قبل
سوفي رومفاري (Sophy Romvari)، التي وُلدت في فيكتوريا ونشأت في جزيرة غابريولا ومدينة نانايمو، تمثّل نموذجاً آخر لهذا الالتفات نحو الجذور. رومفاري تعيش حالياً في تورنتو، لكنها عادت إلى المكان الذي نشأت فيه لتصوّر فيلمها "Blue Heron"، وهو إنتاج مشترك بين كندا والمجر، عُرض لأول مرة في مهرجان Locarno، وفاز بجائزة أفضل اكتشاف كندي من TIFF. هذا العام، عادت رومفاري إلى VIFF بصفةٍ مختلفة، كضيفة منسّقة لبرنامج Leading Lights.
تقول رومفاري إنها "لم تكن قد شاهدت جزيرة فانكوفر في فيلمٍ من قبل، وبالتأكيد ليس بصفتها هي نفسها جزيرة فانكوفر واعتبرت ذلك أمراً مؤسفاً، لأنها منظرٌ طبيعي جميل ومذهل حقاً". وتشير إلى أن التمويل الفني الحكومي هو ما سمح لها بصنع الفيلم الذي أرادته بالضبط، وليس الفيلم الذي يفرضه منطق السوق. فلو كانت تعمل ضمن المنظومة الأمريكية، كما تقول: "كنت على الأرجح سأضطر إلى بناء الفيلم حول طاقم تمثيلٍ معروف".
هذا الفارق بين فيلمٍ يُبنى حول حكايةٍ، وفيلمٍ يُبنى حول أسماء نجوم هو ما يراه كورتس ولوشوك (Curtis Woloschuk)، مدير البرمجة في VIFF، علامةً على نضج المشهد المحلي. ولوشوك، الذي بدأ برمجة الأفلام القصيرة الكندية منذ عام 2013، يلاحظ أن صنّاع الأفلام الطموحين كانوا يغادرون المدينة غالباً فور إنهاء دراستهم، لكن أعداداً متزايدة منهم باتت تبقى اليوم. ويصف العلاقة الحالية بين المجتمع السينمائي والصناعة بأنها "توازن متناغم"، ويعتبر مسار شركة Experimental Forest Films "مثالاً رائعاً على كيف أن حلقة التقاطع بين المجتمع والصناعة باتت متداخلة إلى حدٍّ كبير الآن".
شبكةٌ تُكسر الحواجز، وتمويلٌ يصنع الفارق
من الأدوات التي تدعم هذا التقارب، منظمة Filmable، وهي مبادرة يقودها صنّاع أفلام أنفسهم، تأسّست بعد الجائحة، وتخلق مساحة للعاملين في مختلف مستويات الإنتاج من المناصب القيادية إلى الطاقم التقني بدعمٍ من شركاء في الصناعة. يقول هاغان عن هذه المبادرة: "لا أعتقد أنني رأيت شيئاً يشبه Filmable من قبل"، ويضيف أنها "تكسر بعض الحواجز المصطنعة التي عادةً ما تكون قائمة".
أما كريس فيرغسون (Chris Ferguson)، المنتج الذي تُعدّ شركته Oddfellows قوةً مؤثرة في السينما المستقلة بفانكوفر، فيقدّم منظوراً مكمّلاً من موقع الإنتاج العملي. فيرغسون، الذي أنتج فيلمَي "Longlegs" و"The Monkey" لـOsgood Perkins، وشارك في تأسيس شركة Phobos المتخصصة في أفلام الرعب مع بيركنز نفسه، يرى أن نجاح العمل المستقل يرتبط بشبكة التعاون والتداخل بين أهل المدينة: "بناء المزيد من الترابط والعلاقات داخل فانكوفر سيؤدي إلى مزيد من النجاح".
في بداية مسيرته، كان فيرغسون يحصل على معدّاتٍ مجانية من موزّعين محليين لتصوير مشاريع نهاية الأسبوع، وهو ما مكّنه، بمرور الوقت، من بناء شبكةٍ من رؤساء الأقسام الفنية المنتمين إلى عالم السينما المستقلة، عمل مع كثيرٍ منهم على مدى خمسة عشر عاماً متواصلة. يصف هذا النسيج بأنه "فقاعة صغيرة من الناس المتحمّسين لصناعة أفلام مستقلة"، ويضيف: "تشهد المدينة الآن نهضة لمشهدٍ مستقل، شيئاً مثيراً في المجتمع يتجاوز مجرّد خدمة الأفلام الأمريكية".
هذه الشبكة أثبتت قيمتها العملية أيضاً: "من خلال أعمالنا الصغيرة التي حقّقت نجاحاً، أصبح لهؤلاء الأشخاص اسمٌ يُعرَفون به، وباتوا مطلوبين بشدة"، يقول فيرغسون، مشيراً إلى أن مؤسسة Telefilm الحكومية الكندية موّلت فيلمه الأول، وربما كانت السبب الحقيقي وراء انطلاقته. وتبقى هذه الآلية من التمويل، بحسب فيرغسون، "جزءاً من سبب قدرتنا على أن نكون شيئاً آخر غير نظام خدمة" للإنتاجات الأجنبية، محذّراً من أنه "بدون ذلك، لا أعتقد أننا كنّا سنمتلك أي شيء يتجاوز كونه صناعة خدمات" فقط.
نجاح فيلم "Backrooms" يجسّد هذا المنطق بوضوح: فيلمٌ صُنع بميزانيةٍ تقل عن 10 ملايين دولار، وتحوّل إلى أعلى إصدارات A24 تحقيقاً للإيرادات عالمياً على الإطلاق. ويفسّر فيرغسون جاذبية نوع الرعب تحديداً بقوله: "الرعب نوعٌ سينمائي يمكن من خلاله الوصول إلى فكرة كبيرة ومفهوم عالي المستوى، يمكن أن يُترجَم إلى منصة أكبر دون الحاجة بالضرورة إلى موارد فيلم خيال علمي ضخم، أو نجومية فيلم كوميدي أو دراما كبيرة".
إلى أين تتّجه الميزانيات؟
لا يُخفي ولوشوك أن الطريق لم يكتمل بعد. فمقارنةً بخمس سنوات مضت، حين كانت الميزانيات المحدودة "واضحة إلى حدّ أنها كانت مشدودة بشكلٍ ملحوظ"، يرى اليوم أن مجموعة المنتجين باتت أكثر خبرة، مع "فهمٍ أفضل للميزانيات المطلوبة لصنع الأفلام التي يسعى الناس إلى صنعها". ويضيف أن صنّاع الأفلام يبحثون بشكلٍ متزايد عن شركاء إنتاج مشترك على المستويين الدولي وبين المقاطعات، "لتوسيع قاعدة الموارد اللازمة لصنع الأفلام"، لكن فرص الإنتاج المشترك هذه، بحسب تعبيره، "لم تُستثمَر بالكامل بعد".
يبقى هذا السؤال معلّقاً فوق مستقبل المشهد المستقل في فانكوفر: هل تكفي الشبكات المحلية والتمويل العام لبناء صناعةٍ قائمة بذاتها، إلى جانب ماكينة الخدمات الهوليوودية الضخمة التي لا تزال تظلّل المدينة؟ التجارب التي يرويها هاغان ورومفاري وفيرغسون تقترح أن الإجابة قيد التشكّل الآن، فيلماً تلو آخر، وجيلاً من صنّاع الأفلام يختارون البقاء بدل الرحيل.
أخبار ذات صلة

Tenzing: رحلةٌ استثنائية تصعد بالمشاهد إلى إيفرست مع أوّل رجلَين فتحا قمّتها — أحدهما شيربا أغفلته الذاكرة

بلومهاوس وأتوميك مونستر توقعان اتفاقية إنتاج أفلام قصيرة مع صانعة الرعب هيدي وونج

الذكاء الاصطناعي والحداد: 'Talk to Me When You Are Dead' يستكشف حدود الحياة الرقمية بعد الموت
