السيارات الكهربائية بين الحوافز والتحديات الحقيقية
تقرير يكشف كيف أثرت سياسات واشنطن على تبني السيارات الكهربائية في أمريكا ويبرز أن أكبر عائق ليس السعر بل الشحن. تعرف على مستقبل السيارات الكهربائية وتحديات الصناعة في تحليل شامل من وورلد برس عربي.

ثمانية بالمئة اليوم، اثنان وثلاثون بالمئة بحلول 2030 هذا هو المسار الذي يرسمه باحثو جامعة هارفارد لحصة السيارات الكهربائية من مبيعات السيارات الجديدة في الولايات المتحدة، رغم موجة الإجراءات الفدرالية التي استهدفت هذا القطاع منذ يناير 2025. لكنّ الرقم الأكثر دلالة ليس هذا، بل الفارق الذي لم يتحقق: لولا تلك الإجراءات، كانت الحصة المتوقعة لتصل إلى 48%. الفجوة بين السيناريوهين نحو 16 نقطة مئوية هي الثمن المقدَّر للسياسة، لا للسوق.
هذا ما خلص إليه تقرير معهد سالاتا التابع لجامعة هارفارد، الصادر في يوليو تحت عنوان «محاكاة آثار التغييرات المقترحة في سياسة ترامب على تبنّي السيارات الكهربائية»، بتوقيع إيلين باكبرغ وجيمس ستوك وكاساندرا كول. وباكبرغ، الزميلة البارزة في المعهد والاقتصادية السابقة لدى جنرال موتورز، تختصر الخلاصة بعبارةٍ لا تخلو من ثقةٍ هادئة: «على المدى الطويل، كل شيء يتجه نحو التبنّي القائم على السوق، رغم الخطوات التي اتخذتها إدارة ترامب والتي تقلّل الضغط على مبيعات السيارات الكهربائية».
ماذا فعلت واشنطن بالضبط؟
منذ يناير 2025، أُلغي الائتمان الضريبي لشراء السيارات الكهربائية وهو الحافز الذي كان يخفّض سعر السيارة الجديدة بمقدار 7,500 دولار كما أُلغيت الائتمانات الضريبية الجديدة الخاصة بمعدات الشحن. في موازاة ذلك، أزالت الحكومة قيود انبعاثات العادم، وسحبت من كاليفورنيا صلاحيتها في فرض معايير عادم أكثر صرامة من المعايير الفدرالية. بعض هذه التغييرات لا يزال قيد الطعن القضائي، ما يترك هامشاً من عدم اليقين لم يحسمه التقرير نفسه.
الأثر الأكبر على المدى المنظور جاء من إلغاء الائتمان الضريبي وحده: خفّضَ هذا الإجراء الحصة المتوقعة للسيارات الكهربائية في 2030 بمقدار 6.2 نقطة مئوية. لكن باكبرغ تُحذّر من قراءة هذا الرقم على أنه ثابت: «الائتمان الضريبي للسيارات الكهربائية أحد الأمور التي حظيت بأكبر قدر من الاهتمام سيصبح أقل أهمية تدريجياً مع تقلّص الفجوة السعرية».
الإشارة الأضعف: الشحن، لا السعر، هو ما يعطّل القرار
ما قد لا يظهر في العناوين التي تتناول هذا التقرير هو أن أكبر عائق أمام تبنّي السيارات الكهربائية ليس السعر، بل الشحن. تقول باكبرغ: «المخاوف المتعلقة بالشحن هي أكبر عائق أمام تبنّي السيارات الكهربائية». وتقديرات المعهد تشير إلى أن تحسين المعلومات المتاحة للمستهلكين عن حالة محطات الشحن وأسعارها يمكن أن يرفع مبيعات السيارات الكهربائية بنسبة تصل إلى 6% وهو رقمٌ يتجاوز في أثره ما خسره القطاع من إلغاء الحوافز الضريبية.
هذا التحوّل في التصور له جذور تقنية واضحة. أجيال أولى من السيارات الكهربائية، مثل طراز Nissan LEAF الأول، كانت توفر مدىً أقل من 100 ميل غالباً، ما جعلها في الغالب سيارة ثانية للرحلات القصيرة. لكن توسّع شبكة الشحن السريع العام بما في ذلك شبكة Tesla Supercharger غيّر معادلة الاستخدام. وتوضح باكبرغ أن استمرار التحسن في تكلفة البطاريات وكثافتها الطاقية، إذا ما ترجم إلى أسعار أقل، سيقرّب السيارة الكهربائية أكثر من نظيرتها التقليدية: «إذا كنت في رحلة طويلة، ولديك ما لا يقل عن 300 ميل (480 كيلومتراً) من المدى، ويمكنك التوجه إلى محطة شحن سريع على الطريق السريع تستغرق من 10 إلى 15 دقيقة، فإنها تصبح بديلاً شبه كامل».
وتصف باكبرغ الشحن بأنه «الرافعة الأكثر فعالية من حيث التكلفة» بين كل أدوات السياسة الممكنة، مضيفةً: «البيانات اللحظية هي الرافعة الأقل تكلفة على الإطلاق، وهي شيء يمكن للولايات أن تتحرك بشأنه الآن» أي دون انتظار تشريع فدرالي جديد. عند تحقق التكافؤ السعري، تصبح مزايا أخرى مرئية أكثر: الأداء الهادئ، تكاليف الصيانة المنخفضة، الحماية من تقلبات أسعار البنزين، وميزة الكبح التجديدي (regenerative braking).
انقسام صانعي السيارات حول الرهان الكهربائي
خلف أرقام هارفارد، يكشف سلوك مصنّعي السيارات الأمريكيين والدوليين عن تباينٍ حاد في القراءة الاستراتيجية لهذا التحوّل. ستيلانتيس، بحسب التقارير، لم يعد يُظهر اهتماماً واضحاً بالسيارات الكهربائية. فورد، من جهتها، لا تزال تقتصر على سيارة ركاب كهربائية واحدة ظلّت شبه ثابتة لنحو سبع سنوات وإن كانت الشركة تخطط لشاحنة بيك أب متوسطة الحجم كهربائية جديدة، تقول إنها ستشكّل منصة لطرازاتٍ كهربائية مستقبلية أخرى.
جنرال موتورز تسير في الاتجاه المعاكس نسبياً: تملك أكثر طرازات كهربائية بالبطارية من أي مصنّع أمريكي آخر، لكنها في الوقت ذاته تحوّل مصانع بطارياتها نحو خلايا تخزين الطاقة بدلاً من خلايا السيارات الكهربائية. الرئيسة التنفيذية ماري بارا صرّحت هذا الشهر لمجلة Fortune بأنها تتوقع أن تمثّل السيارات الكهربائية ما بين 40% و50% من مبيعات الشركة بحلول 2030، ضمن استراتيجية تصفها الشركة بـ«كل الخيارات معاً» (all of the above)، تشمل السيارات الهجينة أيضاً. ومن الطريف أن نظام الدفع Voltec، الذي شغّل سيارة Chevrolet Volt، ظلّ بحسب التقارير دون استخدامٍ لقرابة عقد كامل إشارة إلى أن حتى الشركات الملتزمة بالتحوّل الكهربائي تحتفظ بمسارات احتياطية.
فولكس فاغن تقدّم ربما أوضح مثال على تصدّع الرهان. وحدة Scout، التي كان يُفترض أن تكون واجهة العرض الكهربائية للشركة، تشهد طلبات مسبقة تميل بوضوح نحو النسخ الهجينة القابلة للشحن بدلاً من الطرازات الكهربائية المخطط لها أصلاً والجهة التي ستستهلك بطاريات هذه السيارات تبقى غير معروفة حتى الآن. في موازاة ذلك، أنهت الشركة إنتاج طراز ID.4 في تشاتانوغا مطلع هذا العام، وحصيلة تصنيعها للسيارات الكهربائية في أمريكا الشمالية باتت صفراً. هذا الأسبوع، أعلنت شركة PowerCo، الذراع المسؤولة عن البطاريات لدى فولكس فاغن، تأجيل تشغيل مصنعها في سانت توماس بأونتاريو لمدة عامين، وإن كان جو كارلسبرغ، رئيس المشتريات لدى PowerCo كندا، أكّد أن المصنع «لا يزال حجر الأساس في استراتيجيتنا لأمريكا الشمالية»، وأن الشركة «تواصل البناء الآن بينما تحدد كيف ومتى يتوسع المرفق مع الوقت»، واصفاً الأمر بأنه «مسألة ضبط الوتيرة الصحيحة لا التراجع لحماية استثمارنا طويل الأمد، ودعم الوظائف الإقليمية، وتمكين كندا وأونتاريو وسانت توماس من الاستفادة في سوقٍ ديناميكية ومتغيرة».
هيونداي تختار مساراً هجيناً بامتياز: مركبات كهربائية ذات مدى ممتد تجمع بين البطارية ومحرك البنزين، إلى جانب نسخة كهربائية بالكامل من طراز Santa Fe.
ثلاثة مسارات محتملة حتى 2030
خلاصة الباحثين واضحة: الإجراءات الفدرالية تُبطئ تبنّي السيارات الكهربائية، لكنها لا توقفه. وبناءً على معطيات التقرير، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات لحصة السيارات الكهربائية الأمريكية بحلول 2030.
الأرجح: استمرار المسار الحالي نحو حصة قريبة من 32%، مدفوعة بتحسّن تدريجي في تكلفة البطاريات وكثافتها دون تغيير جوهري في البيئة التنظيمية الفدرالية.
المحتمل: تسارع أعلى نحو النطاق الذي تتحدث عنه ماري بارا لجنرال موتورز (40%-50%)، إذا ترافق تقارب الأسعار مع تحسّن ملموس في البيانات اللحظية لمحطات الشحن على مستوى الولايات — وهي الرافعة التي وصفتها باكبرغ بالأقل تكلفة والأكثر فعالية.
الأقل احتمالاً: اقتراب الحصة من سقف الـ48% الذي قدّره الباحثون في غياب أي عوائق سياسية، وهو سيناريو يتطلب إما تراجعاً عن الإجراءات الفدرالية الحالية أو حسماً قضائياً يعيد بعضها إلى الوراء وهو احتمال لا يمكن استبعاده بالكامل، بالنظر إلى أن جزءاً من هذه الإجراءات لا يزال قيد الطعن.
الإشارة الأضعف التي تستحق المتابعة ليست في واشنطن، بل في مصانع مثل سانت توماس وتشاتانوغا: حين يعيد المصنّعون أنفسهم ضبط وتيرة استثماراتهم، فإن ذلك يقول عن اتجاه السوق أكثر مما تقوله أي نسبة مئوية في تقرير.
أخبار ذات صلة

غاري فاينرتشوك يراهن على "VeeFriends": "قد تكون أكبر إمبراطورية أبنيها"

صناع المحتوى في Mipcom يواجهون تحوّلاً هيكلياً: «الصناعة تتحرّك تحتنا»

منتج الأفلام الحائز جائزة كان جيانكارلو ناسي: صناع الأفلام المستقلون الأمريكيون يتجهون نحو صناديق التمويل الدولية
