إعفاء قانوني جديد يفتح أبواب الغموض حول الظواهر الجوية
إعفاء قانوني جديد يسمح للعسكريين بالكشف عن مشاهداتهم للظواهر الجوية غير المحددة لكن ضمن قيود صارمة لا تعني الإفصاح العلني. ناسا تتحدث عن احتمال وجود حياة خارج الأرض وتقنيات متقدمة قد تكون وراء الظواهر. التفاصيل في وورلد برس عربي.

في واشنطن، أثار إعفاءٌ قانونيٌّ جديد يتعلّق بـ"الظواهر الجوية غير المحدَّدة" (UAP) موجة تساؤلات لم يُجب عنها النصّ الرسمي بالقدر الذي أثاره: هل يعني هذا أنّ شهود عيانٍ عسكريين أو متعاقدين سابقين باتوا أحراراً أخيراً في الحديث عن مشاهداتهم أمام الجمهور؟ الجواب، بحسب الباحث المختصّ روبرت باول، هو لا. فالإعفاء يفتح باباً ضيقاً للتبليغ الرسمي، لا نافذة للإفصاح العلني وهذا الفارق تحديداً هو ما يستحقّ التوقّف عنده، أكثر من عناوين الأخبار التي توحي بأنّ "الكشف الكبير" بات وشيكاً.
القصة بدأت تتشكّل هذا العام حين دعا الرئيس دونالد ترامب إلى الإفراج عن ملفّات الأجسام الطائرة المجهولة والظواهر الجوية غير المحدَّدة، في مبادرة تحمل اسماً رسمياً هو "نظام الرئاسة لفكّ الطابع السرّي والإبلاغ عن لقاءات الظواهر الجوية غير المحدَّدة" أو PURSUE اختصاراً. وفي مطلع سبتمبر، أصدرت وزارة الحرب الأميركية إعفاءً قانونياً يتيح لأفراد الجيش والموظفين المدنيين والمتعاقدين الإفصاح عن معلوماتٍ كانت محميّة سابقاً بما فيها معلومات مشمولة باتفاقيات عدم إفصاح (NDA) ولكن ضمن شروط محدّدة سنعود إليها.
هل نحن أمام "لحظة سبوتنيك" جديدة؟
في خضمّ هذا الجدل، خرج مدير وكالة ناسا Jared Isaacman بتصريحاتٍ لافتة خلال مقابلةٍ مع Blake Burman، مقدّم برنامج "The Hill" على شبكة NewsNation، بُثّت في 25 سبتمبر. سأله burman مباشرة: "حين تشاهد هذه الفيديوهات، هل تعتقد أنّ أيّ شيءٍ رأيناه في كلّ هذا قد يكون من أصلٍ خارج كوكب الأرض؟ هل هو عسكري؟ ما هو؟" في إشارة إلى تقارير الطيّارين والمقاطع المصوَّرة التي أظهرت، بحسب وصفه، خصائص طيران لم يسبق رصد مثيلٍ لها.
ردّ Isaacman بموقفٍ مزدوج: "موقفي في كلّ واحدةٍ من هذه الحالات هو، أولاً، أن أكون منفتح الذهن. فهذا جزءٌ من مهمّتنا: أن نحاول الإجابة عن سؤال: هل نحن وحدنا؟ وقلتُ: إذا كان الأمر متعلّقاً بكائناتٍ فضائية، فأعتقد أنّ ناسا يجب أن يكون لها مقعدٌ على الطاولة في هذا الشأن." وأضاف أنّ الوكالة حصلت بالفعل على هذا "المقعد" بعد دعوة ترامب لرفع السرّية عن الملفّات.
لكن الإجابة الأكثر إثارة للاهتمام جاءت حين استعاد Isaacman سياقاً تاريخياً مختلفاً تماماً: "إذا كانت هذه لحظة سبوتنيك، فقد أبلينا بلاءً حسناً جداً في المرّة الأخيرة التي حدث فيها ذلك. ما يعني: هل هذه تقنيةٌ 'حمراء' محتملة؟ هل هناك خصمٌ يختبر دفعاً من الجيل القادم؟ هذا بالتأكيد في حيّز الممكن." والإشارة هنا إلى إطلاق الاتحاد السوفييتي السابق قمره الصناعي "سبوتنيك 1" عام 1957 أوّل قمرٍ صناعي يدور حول الأرض وهو الحدث الذي أشعل حالة من الهلع التكنولوجي الأميركي خلال الحرب الباردة. وفي العرف العسكري، يُستخدم مصطلح "الأحمر" عادةً للدلالة على قوّات الخصم في المناورات والتمارين.
وحين سأله Burman مباشرة: "لكن ما الذي يقوله لك حدسك؟"، أجاب مدير ناسا: "أميل إلى أنّها إمّا ظاهرة يمكن أن تحدث..." ثم فصّل: "هناك أشياء يمكن أن تحدث مثل الظواهر الطبيعية التي يمكن رصدها. وأعتقد أيضاً أنّ هناك احتمالاً جيداً لأن تكون هذه 'لحظة سبوتنيك' يحدث فيها أنّ أناساً يختبرون تقنيات خفية أو من الجيل القادم."
ولم يتوقّف Isaacman عند الاحتمالَين الظواهر الطبيعية أو تقنية خصمٍ متقدّمة بل وسّع النقاش إلى حدود المعرفة العلمية الحالية عن النظام الشمسي: "هل تعلم أنّ هناك أقماراً... قمر زحل إنسيلادوس (Enceladus) لديه محيط. أوروبا (Europa) لديها محيط. لديها كيمياء معقّدة. لا يمكننا أن نجزم بشكلٍ قاطع أنّه لا توجد حياة في فنائنا الخلفي، ناهيك عن مليارات النجوم الأخرى في مجرّة درب التبانة، أو التريليونَي مجرّة الأخرى الموجودة هناك. لهذا السبب مهمّة ناسا بالغة الأهمّية." وختم بأنّ بعثات الفضاء لم تستكشف بعد سوى جزءٍ ضئيل ممّا وصفه بـ"فناء الأرض الخلفي" نفسه.
هل يعني الإعفاء الجديد بداية الإفصاح؟
هنا يبدأ الجزء الأكثر تقنيّة، والذي يفصل بين موجة التفاؤل الإعلامي وما ينصّ عليه النصّ القانوني فعلاً. يشرح روبرت باول، عضو المجلس التنفيذي لـ"الائتلاف العلمي لدراسات الظواهر الجوية غير المحدَّدة"، أنّ الحماية القانونية لمن يملكون معلومات عن هذه الظواهر ليست جديدة أصلاً: "تأسّس هذا عبر قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2023، الذي نصّ على أنّ 'الأفراد الذين لديهم أو كان لديهم سابقاً اطّلاعٌ على معلومات متعلّقة بالظواهر الجوية غير المحدَّدة خاضعة لاتفاقية عدم إفصاح حكومية أميركية مخوَّلون بتقديم تلك المعلومات إلى ممثّلي مكتب حلّ الحالات الشاذّة في جميع النطاقات (AARO).' هذا الإعفاء الجديد يضيف ببساطة جهةً ثانية يمكنها جمع المعلومات" وهي ممثّلو برنامج PURSUE.
لكنّ باول يحذّر بوضوح من سوء الفهم الأكثر شيوعاً: "من المهمّ الإشارة إلى أنّ هذا ليس إذناً للمُبلِّغ بالتحدّث إلى الصحافة أو الباحثين أو الجمهور." فالنصّ، كما يقتبسه باول، "يزيل هذه الحواجز عبر التصريح الصريح بالإفصاحات المشمولة لممثّلي PURSUE دون تفعيل عقوبات الإخلال بالاتفاقية أو الانتهاكات المعتادة لاتفاقيات عدم الإفصاح" لكنّ هذا التخفيف "لا يسري إلّا إذا أبلغ المُبلِّغ معلوماته إلى ممثّلي PURSUE" حصراً.
والمشكلة العملية، بحسب باول، أنّ النصّ لا يحدّد آلية الوصول: "لا يذكر الإعفاء كيف يمكن للمُبلِّغ أن يتعرّف على ممثّلي PURSUE أو كيفية التواصل معهم. فهل سيتغيّر أيّ شيء فعلاً؟ سيستغرق الأمر عاماً أو عامَين لتحديد ما إذا كانت أيّ قصصٍ لمُبلِّغين ستُعلن للجمهور، أو ما إذا كان المُبلِّغ سيدرك أنّ قصّته لن تتجاوز ممثّل PURSUE."
كما يشير باول إلى ثغرتَين قانونيّتَين أخريين لا يسدّهما الإعفاء: الأولى تتعلّق بالقوانين الجنائية "كيف يعرف المُبلِّغ ما إذا كانت معلوماته تنتهك قوانين جنائية مقابل قوانين مدنية؟" في إشارةٍ إلى قوانين مثل قانون التجسّس وقوانين حظر إفشاء المعلومات المصنّفة، والتي لا يُلغيها الإعفاء بوضوح. والثانية تخصّ القطاع الخاص: "الإعفاء الجديد لا يحمي المُبلِّغ من اتفاقية عدم إفصاحٍ مع شركةٍ مدنية" أي أنّ متعاقداً سابقاً مع شركةٍ خاصة قد يبقى عرضةً للمساءلة حتى لو أبلغ PURSUE.
لتوضيح حدود القيمة العملية لأيّ إفادة، يطرح باول مثالاً افتراضياً: "لنفترض أنّ شخصاً تقدّم وقال إنّه يعرف أنّ هناك مركبةً فضائية لكائناتٍ فضائية محتجَزة في قاعدة Edwards الجوية في كاليفورنيا." في هذه الحالة، كما يقول، "إذا لم يتمّ التحقّق من ذلك، فلا قيمة تُذكر للجهود التي بذلها المُبلِّغ." ويختم بأنّ الكونغرس "لم يبدُ حتى الآن راغباً في استخدام صلاحياته في الاستدعاء القضائي لإجبار فرعٍ عسكري على تقديم معلومات"، وما لم يقرّر الكونغرس الدفع بهذا الاتّجاه والتحقيق في الادّعاءات، فإنّ الأمر "يبقى مجرّد كلامٍ متبادل من طرفٍ لآخر."
بين تصريحات Isaacman المنفتحة على احتمالَي الظاهرة الطبيعية وتقنية الخصم، وتحذيرات باول الدقيقة من فجوة الإعفاء القانوني، يبقى السؤال الحقيقي معلّقاً على جدول زمنيٍّ غير مؤكَّد: عامٌ أو عامان، كما يقدّر باول، قد يكفيان لمعرفة ما إذا كانت هذه الإفادات ستخرج يوماً إلى العلن، أم ستبقى حبيسة مكاتب لا يعرف المُبلِّغون أصلاً كيف يطرقون أبوابها.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
